دويكات

صراع المناصب بين المحكمة الدستورية والمحكمة العليا

بقلم/ المحامي سمير دويكات

قيل في أشهر أحاديث العرب مثلا (الشهر إلي ما لك فيه لا تعد أيامه)، وامشي بجنب الحيط وقول يا رب الستر، أدرك تماما أن هكذا أمثال هي التي دمرت حياتنا وجعلت البعض المارك والعابث أن يلعب ويلهوا في حياتنا، وبعيدا عن القانون ومخالفته، وصوابه وخطأه، ورأي وأخر في الفقه القانوني، فان ما حصل يوم أمس وما نتج عن الصراع بين أصحاب المناصب منذ بزوغ القضية الفلسطينية واستمراره هو نتاج استمرار الاحتلال لان أغراض المستنفذين هي مصالح شخصية، فالصراع الذي استمر لأكثر من عشرة سنوات وهو الانقسام منذ 2007 مؤشر على أننا بحاجة إلى قيادة حكيمة بما يكفي، والصراع الذي حصل بين شيوخ القضاء يؤشر على انه لا يوجد سلطة قضائية قادرة على العبور.
شخصيا ما حصل ويحصل في القضاء من عيوب طفت على السطح، لم أتفاجأ منها، ولكني والله حزين كل الحزن لان فقدان الثقة في هذا الجهاز أكثر من ذلك سيؤدي إلى انهيار تام لكافة القطاعات وسيذهب من هو كفؤ ويعمل بعرى الفاسد والمهم ومن همه المنصب، فعقب عزل المستشار السابق وتقاتل أعضاء مجلس القضاء على منصب الرئيس شكل انهيار فكرى لدى هؤلاء في أن يكون لديهم مصلحة وطن، وكما كتبنا وقتها أن ترشيح مجلس القضاء لأربعة من بين أعضاءه لرئاسة المجلس خالف الدستور والقانون كون أن إرادتهم لم تتوحد على رأي حول قاضي لرئاسة المجلس ولاعتبارات يمكن البحث فيها في القانون.
يوم أمس في أحكام القضاء وأولها حكم المحكمة الدستورية رقم 1/2016، والذي قضى بقانونية مرسوم الرئيس بتعيين نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى، والطعن لدى المحكمة العليا رقم 4/2016، والقاضي بإلغاء التعيين، وما ترتب عليه من ردود أفعال صاخبة وما بين المؤيدين لطرف ضد الأخر، وما تبعه من أخبار وبيانات صحفية أساءت للقضاء وأحكامه، وما سبقها من القرار الخاص بتأجيل الانتخابات كلها أدت إلى أحداث قانونية إن صحت التسمية ليس من شانها إلا الإساءة إلى الجهاز القضائي والإخلال بثقة الناس فيه.
وبعيد عن ما جاء في الأحكام أعلاه سنذهب لأحكام القانون وبفهمنا العادي والمجرد لنبحث عن آلية وإجراءات إشغال منصب نائب رئيس مجلس القضاء الأعلى، كما ور في قانون السلطة القضائية:
وكنا سابقا قد كتبنا عن أحكام إشغال الوظائف القضائية وهي يتم إشغالها بمرسوم رئاسي، بناء توصية مجلس القضاء الأعلى، وهي في بنود الفقرة الأولى تكون بطريق التعيين أو الترقية على أساس الكفاءة أو التعيين من النيابة أو الاستعارة من الدول الشقيقة، وفيه يشترط توفر كافة الشروط في المادة (16)، وهي أن يكون فلسطيني، ويكون حاصل على إجازة حقوق، وان لا يكون محكوم بجنحة أو جناية مخلة بالشرف، وان يكون محمود السيرة، وان ينهي عضويته بأي حزب، وان يتقن اللغة العربية، وبالتالي وكما تحدثنا سابقا أن الانتقال لأي شاغل وظيفي يجب أن يكون وفق إجراءات التعيين الخاصة وتنافس حر لاختيار الأفضل وذوي الكفاءة وان سنوات العمل تكون كسبب للتفضيل ولكن ليس حاسم للتعيين، وهو ما يتفق مع أحكام الدستور في المساواة والمنافسة الحرة.
وبالعودة إلى الفقرة الثانية الخاصة بتعيين ناب رئيس مجلس القضاء الأعلى نصت الفقرة 2 من المادة 20 على (2- يشترط فيمن يعين رئيسا للمحكمة العليا أو نائبا له أن يكون قد جلس للقضاء بدوائر المحكمة العليا مدة لا تقل عن ثلاث سنوات أو عمل محاميا لمدة لا تقل عن خمس عشرة سنة). وبالتالي وحسب ما جاء في مرسوم التعيين انه صدر مباشرة دون توصية من مجلس القضاء ودون أن يرد في مرسوم التعيين اعتبارات أو أسباب التعيين، ومنها لماذا عين الشخص نفسه نائبا دون الالتفات إلى بقية الأشخاص الآخرين ولماذا تم تجاهل توصية مجلس القضاء ولماذا لم يلتفت إلى التعيين من المحامين ومن تنطبق عليه الشروط والمدد ؟ وما تم من استحداث لمصطلحات تعزز الشموخ الشخصي.
فالتعيين يجب أن يتبعه ملاحق منافسة أو مفاضلة وإلا يصبح مشوب بعيب اختصاص من له الحق في التعيين، إذ أن الأقدمية ليس شرط قاطع للتعيين، إنما سبب من بين أسبابه وان شرط الكفاءة هو الغالب في التعيين، وبالتالي يلزم أن يكون هناك إجراءات أو نظام لكيفية قياس شرط الكفاءة.
ولكون أن المرسوم صدر بتجرد تام لرغبة في التعيين الشخصي، وان ما استندت له المحكمة العليا في بند أربعة من أسباب الطعن على صفحتي رقم 4 و5 لقرار رقم 4/2016 (وفي ذلك ما يمس استقلال الطاعن بوصفه قاضيا يتبع من الناحية الإدارية للمجلس ذلك أن استقلال القضاء لا يكمن في حكم القاضي فحسب بل يمتد ليشمل ما هو ابعد من ذلك كما يمس حقا شخصيا للطاعن الذي ينطبق عليه شرط التعيين في درجة نائب رئيس المحكمة، كما أن في إصدارهما على النحو المذكور إغفالا لأي معيار موضوعي للترقية أو التعيين).
وفي حيثيات حكمها نفسه قالت (وانه يجب لمشروعية هذا القرار أن تستوفى هذه الإجراءات قبل إصداره بحيث اوجب القانون أن يكون التنسيب قانونيا ومستوفيا لجميع الشكليات القانونية ومعللا ومسببا، وان عدم وجود التنسيب يشكل مخالفة لما نص عليه القانون).
وان ما جاءت به المحكمة العليا في ما سبق، يدلل على أن التعيينات في الجهاز القضائي دون استثناء يشوبها المخالفة القانونية ويطغى عليها معايير الشخصية والأسباب غير المعلنة لأنه لا يوجد نظام محدد لمراعاة معايير التعيين ومنها الكفاءة والسرية ونزاهة اللجان والمراقبة الذاتية والخارجية والمساواة والمنافسة التي فقط شانها الحفاظ على استقلالية القضاء.
ولأننا نلك الحق في إبداء الرأي حول قرار أي محكمة، فان ما ساقته المحكمة الدستورية في أن النائب الأول لرئيس المحكمة العليا أو مجلس القضاء الأعلى ليس جديد في تشكيلة السلطة القضائية وبالتالي يتفق مع القانون يكون قد احدث اثر في القانون على غير المعتاد، وان خلو التنسيب ولو انه شكلا يخالف أحكام المحكمة العليا التي لا تقل أهمية في إحداث الآثار القانونية عن المحكمة الدستورية، ولان اختصاص المحكمة الدستورية لا يستوي في الأثر والمستوى مع المحكمة العليا من حيث سماع البينة والوقائع وموازنتها مع القانون، وخاصة أن حكم المحكمة الدستورية انبرى على نوع من التزايد حيث انه زاد عن المطلوب فيما ورد بمواد قانون المحكمة الدستورية وخاصة المادتين 24 و25 بعنوان الاختصاصات، وان هدف المحكمة هو تفسير القانون وليس التقرير بحكم مخالف أو انه صواب وهو ربما يفسر على انه تجاوز اختصاص، فقط للمحكمة التفسير دون التقرير بالحقوق لان ذلك من اختصاص المحاكم الأخرى، وهو هنا من اختصاص المحكمة العليا أن تقول بان قرار التعيين متفق مع القانون أم لا.
وبالتالي فقد أصابت المحكمة العليا بإلغاء القرارين للأسباب الواردة وزادت المحكمة الدستورية وهو من شانه أن يؤدي إلى شرخ قضائي وقانوني، وبالتالي ولان القرارين شابهما أكثر من سبب لإبطالهما، وزيادة عما رأته المحكمة الدستورية من أسباب لصحة القرارين ومرسوم الرئيس، فان حكم محكمة العدل العليا بإلغاء التعيين هو الساري، وان حكم المحكمة الدستورية سيكون له أثار قانونية لا يعرف عقباها مستقبلا إن بقيت على هذا النحو. وهو ساري في حدود التفسير لا التعيين لأنه عنوان الحقيقة المطلقة، فكل حكم يسري في حدوده المعينة لأنه إن صح كما رأت المحكمة الدستورية المرسوم فان التعيين لا يصح فيما يتعلق بإجراءات التعيين السابقة عن مجلس القضاء الأعلى. وما يرتبه من إجراءات للتعيين من يشغل الوظيفة القضائية.
وعليه، لا تناقض رغم المخالفة القانونية، ويصح إلغاء قرار التعيين لنائب رئيس مجلس القضاء الأعلى، ويبقى تفسير المحكمة ساري في حدوده وفق الأصول والقانون.

Print Friendly