“إسرائيل” وغزة، وسياسة “جز العشب”.

بقلم/ عماد أبو عواد

مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي.

ترتكز نظرية الجيش الإسرائيلي على تحقيق النصر في أي حرب تخوضها الدولة العبرية، علاوة على جني ثمرة سياسية من أي حرب مُخاضة، وتأتي هذه الاستراتيجية كملخص هام تعتمد عليه القيادة العسكرية ومن ورائها القيادة السياسية، فطبيعة التحديات التي تحياها “إسرائيل” والمتغيرة والمتجددة ما بين الحين والآخر، ربما حرمتها من تحديد استراتيجية أمن قومي واضح، إلا أنها في نفس الوقت جعلتها دائبة للاستعداد لمواجهة تحديات جمّة.
لوحظ في الفترة الأخيرة قيام “إسرائيل” بالرد بقوّة أكبر على الصواريخ المنطلقة من غزة، تحت شعار سنرد الصاع، ليس صاعين فحسب، بل أصواع مضاعفة، أو ما يعرف باستراتيجية “جز العشب” أي تقنيب أظافر العدو بشكل مستمر، من خلال رد قوّي ومضاعف، ولربما أن لهذا الرد اشباع للرغبات الأمنية والعسكرية، وكذلك أوساط الجمهور اليميني المتطرف، والذي يحشد دوماً لضرورة المواجهة مع غزة، والقضاء على حكم المقاومة فيها، ولربما تفكيكها من السلاح، شعارات رُفعت خلال الحرب الأخيرة، وسرعان ما تبخرت مع دخانها.
أمام تلك التطورات، رأى الكثير من المراقبين بأن “إسرائيل” ليس لديها كوابح في خوض حرب جديدة ضروس ضد قطاع غزة، وبأنها تحاول استدراج المقاومة إلى هذا المربع، إلا أن الواقع يقول، أن كوابح “إسرائيل” والتي تمنعها من خوض الحرب، لا تقل عن دوافعها، وبالنظر إلى ما يدفعها لخوض الحرب نجد:
أولا: تعيش “إسرائيل” فترة مريحة من الناحية السياسية والعسكرية، فمن الجانب الأول استطاعت تأليب الكثير من الخصوم ضد قطاع غزة، فالحنق المصري تجاه القطاع يكاد ينوف بكثير الحنق الإسرائيلي، علاوة على ذلك، فإن أطراف اقليمية أخرى لا تمانع من خوض حرب ضروس ضد المقاومة، بل وتتحدث “إسرائيل” عن أن اطراف من دول الاقليم ستكون سعيدة بذلك، ومستعدة للمساهمة مالياً، من الجانب الآخر، على المستوى التكتيكي القريب، لم يتبقى لـ”إسرائيل” تحديات أمنية سوى المقاومة في غزة، خاصة بعد تشابك اقدام حزب الله اللبناني في الشباك السورية، حقيقة تفتح شهية “إسرائيل” للاستفراد بالمقاومة في غزة.
ثانياً: تعاظم قوة المقاومة، تعيش “إسرائيل” حالة من الارباك في متابعة المشهد الغزي، فهي تدرك بأن قوة المقاومة هناك في تعاظم مستمر، أمر من الصعب الصبر عليه كثيراً، وتعي أيضاً أن الانفاق التي تحفر باتجاه الأراضي المحتلة، أمر من الصعب مواجهته، ويقض مضاجع الساسة والأمنيين، علاوة على كونه أداة مهمة في دفع الكثير من سكان غلاف غزة بتركها.
ثالثاً: زيادة الضغط على السكان في غزة، على أمل تحريك شريحة واسعة ضد الحكم هناك، فـ”إسرائيل” تدرك بأن الحرب جلبت الويلات لسكان القطاع المحاصر، وأملت ولا زالت تأمل أن يقود الضغط المتتابع على تحريكهم ضد المقاومة في غزة، أملاً في تحقيق ظروف حياتية أفضل.
رابعاً: تحقيق نصر واضح وردع أكبر للمقاومة هناك، حيث تدرك “إسرائيل” بأنها خلال الحرب الأخيرة لم تحقق النصر المنشود، بل وخرجت بتعادل استراتيجي وفق عاموس يدلين رئيس معهد دراسات الأمن القومي، ووصف عوفر شلح الحرب بأنها انحدار غير مسبوق، ربما ستحاول مسح الفشل الذي رافقها خلال تلك الحرب، وتعويضه بنصر واضح خلال أي حرب قادمة، يضمن هيبة جيشها وقوّة ردعة، ويستعيد بريقه الداخلي أمام شريحة واسعة من الجمهور باتت تشك في قدراته.
خامساً: الوصول إلى ترتيبات سياسية، إن من أكبر النقد التي واجهته حكومة بنيامين نتنياهو ما بعد الحرب الأخيرة في صيف 2014، عدم توصل حكومته لتفاهمات تمنع تجدد الحرب، من هنا فقد تفتعل الحكومة الإسرائيلية مواجهة جديدة، على أمل أن تكون مضبوطة من أجل تحقيق هذا الطموح، الذي قد يكون السبيل الوحيد في حفظ أمنها، كما أشار لذلك يسرائيل كاتس وزير المواصلات في الدولة العبرية.
إلى جانب تلك الدوافع، تعيش “إسرائيل” العديد من المخاوف التي تكبح جماحها، في خوض حرب موسعة ضد قطاع غزة، رغم ادراكها أنها تمتلك قوّة جوّية مهولة، ومن أبرز مخاوف الدولة العبرية:
أولا: أن تكون الحرب طويلة الأمد، أمر لا تتمناه “إسرائيل” فهي تريدها حربا سريعة، تستطيع من خلالها تحقيق نصر سريع، يضمن عدم وجود انعكاسات داخلية على المستوى الأمني والجماهيري، وكذلك على مستوى الاستثمارات الخارجية.
ثانياً: فشلها الاستخباري السابق في تحديد نوايا المقاومة وقدرتها، فيُعاب على “إسرائيل” في الحرب السابقة، فشلها الاستخباري وتحديداً في مسألة الانفاق، وتقديراتها الخاطئة فيما يتعلق بنوايا المقاومة، والتي قدرت “إسرائيل” كما الآن نيتها عدم خوض الحرب.
ثالثاً: لا تريد “إسرائيل” الانجرار إلى حرب برية، فهي من جانب تدرك صعوبتها، وجربت الفشل فيها في العام 2014، ومن الجانب الآخر لم تتخلص بعد من التساؤلات التي تدار حولها، وحول العوائد التي حققتها، سوى مقتل قرابة السبعين جندي كما اعلنت “إسرائيل”، وساهمت في وقوع جنود لها أسرى لدى المقاومة.
رابعاً: لم تضمن “إسرائيل” بعد الهدوء التام على ساحة الضفة الغربية، من هنا فإنها تخشى أن تزداد سخونة ساحة الضفة، وتدرك بأنها لا تستطيع مواجهة تحديين أمنيين في آن معاً، خاصة أنها تحديات ليست ذات طابع حرب تقليدية.
خامساً: تخشى “إسرائيل” من امتلاك المقاومة أسلحة نوعية، قد تحمل لها مفاجئات أكثر ضراوة من تلك في الحرب الأخيرة، فخلال الحروب الثلاث الأخيرة على قطاع غزة، لاحظت أن تطور المقاومة وأدائها أفضل في كل حرب من التي سبقتها، وقد قدرت جهات أمنية أن المقاومة قد تبادر بالدخول إلى غلاف غزة في أي حرب قادمة.
سادساً: تخشى “إسرائيل” من ردود فعل دولية مناهضة، خاصة أن الحرب ستقودها إلى استخدام قوّة جوية مضاعفة، ستسهم في تفعيل آلة قتل كتلك التي كانت في الحروب السابقة أو أكبر، ولاحظت “إسرائيل” أن سوأتها العالمية على مستوى الشعوب لا زالت في ازدياد مستمر، وحروب من هذا النوع ستسهم في ترسيخها.
ختاماً، الأوضاع في غزة حتى اللحظة تحت السيطرة، فمن الجانب الأول لم تصل إلى حد الانفجار، ومن الجانب الآخر، استطاعت “إسرائيل” أن تضمن هدوءاً أمنيا ولو بشكل تكتيكي، أمر يشعرها بالراحة وعدم الاستعجال في اتخاذ القرار بالحرب، أو الانجرار اليها، كما قدر الخبراء خلال حرب صيف 2014، إلا أن مرور الأيام وأحوال غزة على حالها، يعطي مؤشرات قوّية ل”إسرائيل” بضرورة ايجاد حلول سريعة، تضمن الهدوء لفترة طويلة، أمر حتى اللحظة، لم تستطع التوصل إلى استراتيجية للتعاطي معه، أو لأكثر دقة فإنها تخشى التعامل مع حقيقة أن ضمان الأمن، لن يكون إلا برفع اليد عن غزة، وإلا فإن صبر المقاومة هناك وامكاناتها ونواياها، لا يستطيع أحد تقديره، أمر قد يقود “إسرائيل” لحرب طويلة تخشاها، وقد تحمل لها المزيد من المفاجئات، في ظل مجتمع لا يحتمل طول الحرب، وانعكاساتها الاقتصادية والأمنية.

Print Friendly