من كتاب: “نظم كأنّه نثر، محمود درويش والشعر العربي الحديث”

بقلم/ البروفيسور سليمان جبران

 ريتا الواقع والقناع

قبل 1967، لم يكنْ سهلا على القرّاء العرب في البلاد العربيّة، وعلى المثقّفين في الغالب أيضا، أن يهضموا حياة “شعراء المقاومة” في ظلّ حكم الآخر. تعرّفوهم في أواسط الستّينات، بعد قطيعة طويلة منذ 48، فعجبوا لهذا الشعر العربي الوطنيٍ في ظلّ “الدولة العبريّة”. حتّى النقّاد أنفسهم أسبغوا على شعر الفلسطينيّين في إسرائيل قبل 1967 صفة البطولة حينا، والمقاومة بالدلالة الاصطلاحيّة أحيانا. بل اعتبروا كلّ من كتب الشعر الوطني في إسرائيل قبل 67 من شعراء المقاومة، لتضمّ القائمة أحيانا من لم يكتبوا الشعر أصلا. كما اعتبروا راشد حسين وأبو إياس، وهو اسمه المستعار الذي نشر تحته، في أواخر الخمسينات، بعض قصائده الوطنيّة في الصحافة الشيوعيّة، شاعرين من شعراء المقاومة، لتكتمل قائمة من عشرين شاعرا، فتتحقّق بذلك مقولة الشاعر توفيق زيّاد “كأنّنا عشرون مستحيلْ” حرفيّا ! [رجاء النقّاش: محمود درويش شاعر الأرض المحتلّة، الطبعة الثانية، دار الهلال، القاهرة، [ 1971؟]، ص.293 – 294.].
كذلك لم يكن سرّا، ولا غريبا في نظرنا نحن، العرب في إسرائيل، أن يكتب محمود درويش قصيدة حبّ في فتاة يهوديّة يساريّة، تعرّفها يوم كان في إسرائيل، في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، في أواسط ستّينات القرن الماضي. شارك درويش في أمسية سياسيّة شاعرا، وشاركت فيها الفتاة تلك راقصة، فكان اللقاء، وكان التعارف الذي نجم عنه آخر الأمر حبّ صعب بين الشاعر الفلسطيني والراقصة اليهوديّة الحسناء. هكذا كان مولد قصيدة “ريتا والبندقيّة”، وإن لم يسمّ الشاعر حبيبته اليهوديّة تمار بن عمي باسمها العبري، مؤثرا تسميتها، لسبب أو لآخر، ريتا بالذات !
على كلّ حال، لم يعد الأمر سرّا اليوم، بعد أن كشفت المخرجة ابتسام مراعنة القصّة كاملة، موثّقة بالصور، وبرسائل درويش العبريّة بخطّ يده إلى الفتاة اليهوديّة، موحية قصيدة “ريتا والبندقيّة”، في فيلمها الوثائقي “سجّل أنا عربي” سنة 2014.
على هذا النحو، فهمنا نحن أيضا، منذ اليوم الأوّل، قصيدة درويش تلك، المنشورة في مجموعته “آخر الليل”، الصادرة لأوّل مرّة في إسرائيل سنة 1967.[ يجدها القارئ، بالإضافة إلى قصائد ريتا الثلاث الأخرى في “الملحق الشعري” لكتابنا هذا؛ ما يعفينا في مقتبساتنا لاحقا، من الإحالة إلى الموضع الأوّلي من مجموعات درويش، والاكتفاء في كلّ مرّة نورد فيها الشواهد، باسم القصيدة ورقم الأسطرفي الملحق ].
وكان من حظّ قصيدة “ريتا والبندقيّة” أن لحّنها وغنّاها، على عوده، الفنّان اللبناني المبدع مارسيل خليفة، فانتشرت في البلاد العربيّة انتشارا واسعا جدّا. حتّى في عصرنا هذا، ما زال تلقّينا الشعر بآذاننا أكثر منه بعيوننا. هذا في رأينا هو السبب الأساسي في شيوع هذه القصيدة بالذّات أكثر من غيرها من قصائد درويش الأخرى التي ظلّت على الورق، في الصحف والمجموعات الشعريّة فحسب.
من ناحية أخرى، يتردّد اسم ريتا في القصيدة المذكورة اثنتي عشرة مرّة، ولفظ البندقيّة خمسا، بما في ذلك العنوان طبعا ! هذا ما دفع في رأينا كثيرين من القرّاء العرب، أو المستمعين، بكلمة أدقّ، إلى الارتفاع بريتا عن قيود اللحم والدم، واعتبارها رمزا لفلسطين المحاطة بالبنادق، لا فتاة مراهقة أحبّها الشاعر الفلسطيني الشابّ، فخصّها بهذه القصيدة العذبة دونما تسميتها باسمها الصريح.
ثمّ إنّ القصيدة ذاتها حافلة بالصور الرومانسيّة الفطيرة: “بين ريتا وعيوني.. بندقيّه/ والذي يعرف ريتا، ينحني/ ويصلّي/ لإله في العيون العسليّه ! / ..وأنا قبّلتُ ريتا/ عندما كانت صغيره/ وأنا أذكرُ كيف التصقتْ / بي، وغطّت ساعدي أحلى ضفيرَه/ وأنا أذكر ريتا/ مثلما يذكر عصفور غديرَه / آه..ريتا / بيننا مليون عصفور وصوره / ومواعيد كثيره / أطلقت نارًا عليها ..بندقيّه”[ريتا والبندقية، الأسطر 1-14].والبندقيّة هنا هي بندقيّة حقيقيّة، لا مجازيّة، حملتها تمار بن عامي، يوم تجنّدت في الجيش الإسرائيلي، فكان ذلك سببا للفراق بين الشاعر الفلسطيني وحبيبته اليهوديّة !
بل إنّ الشاعر يعلنها صريحة، في القصيدة ذاتها، أنّ التجربة العاطفيّة المذكورة لم تدمْ سوى سنتين لا أكثر: “اِسم ريتا كان عيدا في فمي / جسم ريتا كان عرسا في دمي / وأنا ضعتُ بريتا.. سنتينْ/ وهي نامت فوق زندي سنتينْ” [ ريتا والبندقية، 15-18
]. مع ذلك، أصيب معظم مريدي درويش وخليفة بخيبة أمل كبرى عندما كشفت لهم مراعنة، بالكلمة والصورة ورسائل الحبّ العبريّة بخطّ درويش، أنّ ريتا المذكورة ليست فلسطين ولا هي رمز أصلا. إنْ هي إلّا الفتاة اليهوديّة الحسناء تمار بن عمي بلحمها وشحمها !
لم يكن من السهل على القارئ، أو السامع العربي، كما أسلفنا، أن يهضم حبّا بين شاعره الفلسطيني”المقاوم” وفتاة يهوديّة إسرائيليّة: “لا أدري كيف شاعر ثورة وقلبه معلّق بيهوديّة ” – علّق على الخبر قارئ في أحد المواقع الإلكترونيّة !
مارسيل خليفة أيضا يبدو أنّه اغتبط لهذا التفسير الرمزي لريتا؛ كأنّما ريتا هي قناع لفلسطين، لا فتاة يهوديّة مراهقة تعلّقها قلب درويش، فكتب فيها قصيدته “ريتا والبندقيّة”. يُسأل خليفة عن حقيقة ريتا، “حبيبة محمود درويش اليهوديّة”، في “الشروق” يوم 18/ 6 / 2005، فيراوغ سائله، تاركا الإجابة مفتوحة، ليؤوّل القارئ قوله بما يطابق الصورة التي رسمها خياله:
– بعضهم قال إنّ “ريتا” التي تغنّى بها مارسيل خليفة والتي ذهب في ظنّنا أنّها كنية عن فلسطين .. هي حبيبة محمود درويش اليهوديّة.. هل لك علم بهذا الموضوع ؟
– كلّ واحد منّا عنده “ريتا”. إذًا لماذا نصغّر الأمور ونقيّد الموضوع والقيم ؟ ريتا هي قصيدة حبّ جميلة.. وأمّي هي قصيدة حبّ جميلة أيضا.. إذًا لماذا نبحث عن مزايدات لا نفع منها ؟
إلّا أنّ إجابة مارسيل خليفة المراوغة هذه لم تكن لتقنع الصحافية الفرنسيّة لور أدلير: “يجيب [درويش] إحدى الصحفيّات الأجنبيات [ لور أدلير] في إحدى[!] لقاءاته بأنّ ريتا تركيب لغوي لأكثر من تجربة، وأنه لا يعرف امرأة بهذا الاسم، لأنه اسم فنّي، ولكنّه لا يبدو خاليا من ملامح إنسانيّة محدّدة. وعندما تلحّ الصحافيّة في السؤال، لمعرفة إذا كانت قصّته مع ريتا وقعت بالفعل، يجيب درويش: إذا كان يريحكِ أن أعترف بأنّ هذه المرأة موجودة، فهي موجودة أو كانت موجودة. تلك كانت قصّة حقيقيّة محفورة عميقا في جسدي. في الغرفة كنّا متحرّرين من الأسماء، ومن الهويّات القوميّة ومن الفوارق، ولكن تحت الشرفة هناك حرب بين الشعبين”.[الكرمل 52، 1997، ص. 221 ].
وفي مقابلة مطوّلة مع درويش، أجراها الناقد الحاذق عبّاس بيضون، يشير الشاعر، دونما تعمية، إلى الأرضيّة الواقعيّة لمنشأ قصيدة “ريتا والبندقيّة” :
– هل خالط هذه العلاقة [علاقة الحبّ المتكاملة مع يهوديّة ] شيء من الإشكال ؟
– هي علاقة إشكاليّة دائما. إشكاليّة دائما وخاصّة مع أهل الفتاة. أهلنا بالطبع لا يدرون شيئا عن حياتنا العاطفيّة. وليس هذا حال أهل الفتاة. مواقف الأهل كانت تختلف باختلاف مصادرهم وتربيتهم الأيديولوجيّة. أحببت مرّة فتاة لأب بولندي وأمّ روسيّة. قبلتني الأمّ ورفضني الأب. لم يكن الرفض لمجرّد كوني عربيّا. ذلك الحين لم أشعر كثيرا بالعنصريّة والكره الغريزي. لكن حرب 1967 غيّرت الأمور. دخلت الحرب بين الجسدين بالمعنى المجازي وأيقظت حساسيّة بين الطرفين لم تكن واعية من قبل. تصوّر أن صديقتك جنديّة تعتقل بنات شعبك في نابلس مثلا أو حتى في القدس. ذلك لن يثقل فقط على القلب، ولكن على الوعي أيضا. حرب 67 خلّفت قطيعة عاطفيّة في علاقات الشبّان العرب والفتيات اليهوديّات. [ مجلّة مشارف، العدد 3، تشرين الأوّل 1995، ص. 75 ].
هذه هي ريتا الأولى، ريتا الواقعيّة، ريتا اللحم والدم التي خصّها درويش بقصيدته العذبة “ريتا والبندقيّة”، فلاقت الشهرة الواسعة، ولاقت التأويل الرمزي لدى كثيرين، من المستمعين والقرّاء أيضا.
إلّا أنّ درويش واصل اتّخاذ ريتا “بطلة” لقصائد ثلاث أخرى طويلة: ” ريتا ..أحبّيني” في مجموعة “العصافير تموت في الجليل” الصادرة سنة 1969؛
” الحديقة النائمة ” في مجموعة ” أعراس ” سنة 1977؛ ” شتاء ريتا ” في مجموعة ” أحد عشر كوكبا ” سنة 1992. بعض النقّاد لم يورد القصيدة الثانية، ” الحديقة النائمة “، ضمن قصائد ريتا، لأنّ اسم ريتا لا يظهر في عنوان القصيدة ربّما، إلّا أنّها من قصائد ريتا، ما في ذلك شكّ.
قصيدة درويش الثانية ، “ريتا .. أحبّيني”، كتبها الشاعر في أواخر الستينات من القرن الماضي، بعد الفراق بين الشاعر وريتا الفتاة، لكن قبل مغادرته إسرائيل أيضا ! ريتا هذه لم تعد فتاة من لحم ودم، كما هي في قصيدته الأولى “ريتا والبندقيّة”. ريتا في هذه القصيدة وفي القصيدتين بعدها، أصبحت قناعا ! يمكن القول إنّها غدت قناعا لفلسطين الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. فلسطين التي تعلّقها قلب الشاعر وتعلّقته، لكن لا مجال إلى تماهيههما تماما. تسأله ريتا ، في قصيدة “شتاء ريتا” هل أنت أنت ؟ فيجيبها الشاعر: “أنا هو، / هو من رآكِ غزالةً ترمي لآلئها عليهِ / هو من رأى شهواتهِ تجري وراءكِ كالغديرِ / هو من رآنا تائهين توحّدا فوق السريرِ / وتباعدا كتحيّة الغرباء في الميناءِ، يأخذنا الرحيلُ / في ريحهِ ورقًا ويرمينا أمامَ فنادق الغرباء / مثل رسائلٍ قُرئتْ على عجلٍ / – أتأخذني معك ؟ / […] – ضاع يا ريتا الدليلُ / والحبُّ مثلُ الموتِ وعدٌ لا يُردُّ.. ولا يزولُ[ شتاء ريتا، 51 – 63 ]. أو تسأله في القصيدة ذاتها: ماذا تقول؟ فيجيب جوابا يلخّص مأساة الشاعر/ العاشق في كلمات قليلة: “لا شيء يا ريتا، أقلّد شاعرا في أغنيه / عن لعنة الحبّ المحاصر بالمرايا.. / – عنّي ؟ / – وعن حلمين فوق وسادة يتعانقان ويهربان، فواحدٌ / يستلّ سكينا، وآخرُ يودع الناي الوصايا ” [ شتاء ريتا، 36-41 ] .
ملاحظة معترضة بصدد علامات الترقيم. واضح أنّ الشعر الحديث، سواء شعر التفعيلة، مثل قصائد ريتا الأربع التي نتناولها هنا، أو قصيدة النثر المكتوبة دونما وزن خليليّ، في حاجة إلى علامات الترقيم أحيانا، شأنه شأن النثر الحديث. سألت محمود مرّة، في أحد لقاءاتنا، بشأن هذه المسألة فأجابني أنّه غير مسؤول عن التشكيل في “ديوان محمود درويش”، الصادر عن دار العودة في بيروت. ظنّ ربّما، سامحه الله، أنّي أسأله متسقّطا بعض الأخطاء النحويّة هناك ! لكنّنا وجدنا في قصائد ريتا التشكيل الدقيق ذاته في أكثر من طبعة؛ ما يعكس بوضوح موقف الشاعر في هذه المسألة ! علامة واحدة يبدو أنّه لم يعرْها اهتماما، هي الشرطة في بداية جملة القول في الحوار. أظنّه ترك الأمر للقارئ. وهكذا كنّا مضطرّين، في مواضع قليلة من شواهدنا الشعريّة إلى إضافة الشرطة تلك في بداية جملة القول، وعلينا وحدنا يقع “وزر” ذلك طبعا!
قبل النظر في القصائد الثلاث الأخيرة مجتمعة، لعلّه يجدر بنا الوقوف مليّا على القصيدة الثانية – “ريتا.. أحبّيني”. هذه القصيدة كما أسلفنا كتبها الشاعر سنة 1969، قبل خروجه من إسرائيل، فاختلفت بعض الاختلاف في رأينا عن القصيدتين الثالثة والرابعة.
في القصيدة الثانية هذه، يذكر الشاعر 6 مرّات أنّ “الأحداث”وقعت كلّها في الحلم. ليؤكّد الفرق، ربّما، بين ريتا الفتاة الواقعيّة من لحم ودم في قصيدة “ريتا والبندقيّة”، وريتا هذه التي يراها ويخاطبها “في الحلم”. وبلغتنا نحن: الانتقال بريتا الواقع إلى ريتا الرمز، ريتا القناع.
كذلك يبتعد درويش بالمضطرَب المكاني للقصيدة، فيجعله في اليونان بالذات، بعيدا عن إسرائيل / فلسطين، ليبتعد بذلك، ربّما، عن الرقابة والمحاسبات القضائيّة وغير القضائيّة، فيكون حرّا في التعبير عمّا يجيش في قلبه وفكره. يأتي درويش على ذكر اليونان أو أثينا في هذه القصيدة 15 مرّة، فلعلّه رأى بعين خيالة أيضا بعض التناظر بين اليونان وبلادنا هذه في الجغرافية والتاريخ، والأساطير أيضا. ففي المقطع الثالث من قصيدة “ريتا..أحبيني، “، نقرأ:
“الحبّ ممنوع هنا الشرطيُّ والقدرُ العتيقْ. / تتكسّرُ الأصنامُ إنْ أعلنتَ حبّكَ/ للعيون السود. / قطّاعُ الطريقْ / يتربّصون بكلّ عاشقةٍ / أثينا.. يا أثينا.. أين مولاتي ؟ / – على السكينِ ترقصُ / جسمها أرصٌ قديمَهْ / ولحزنها وجهانِ: / وجهٌ يابسٌ يرتدُّ للماضي / ووجههٌ غاصّ في ليلِ الجريمه” [ريتا..أحبيني، 20-31].
تتردّد في القصيدة أيضا “لازمة” تختم أربعة مقاطع منها، بما فيها خاتمة القصيدة، ما يجعل لهذه اللازمة وقعا أكبر في القصيدة، وفي قارئها طبعا. الخاتمة المذكورة تؤكّد يأس الشاعر من احتوائه ريتا تماما، وهو ما سيتكشّف لنا في القصيدتين الثالثة والرابعة أيضا، متوسّلا حبّها له، دون امتلاكها، رجاء موت “أحزان السجين”. في خاتمة المقطع السادس، نقرأ مثلا:
“في الحلمِ شفّافٌ ذراعكِ / تحته شمسٌ عتيقه / ونسيتُ نفسي في خطى الإيقاعِ / ثلثي قابعٌ في السجنِ / والثلثانِ في عشب الحديقه / ريتا.. أحبّيني.. وموتي في أثينا / مثل عطرِ الياسمين / لتموتَ أشواقُ السجين..” [ريتا..أحبيني، 65-72] .
قبل الانتقال من هذه القصيدة، لعلّه يجدر بنا الالتفات أخيرا إلى أنّ إعلان حبّه هنا كان إلى “العيون السود” بالذات، لا العسليّة ولا غيرها، وإلى ورود “الزيتون” فيها مرّتين، وهو ملمح مشترك آخر بين فلسطين / إسرائيل واليونان، مذكّرين في هذا السياق أيضا باسم مجموعة درويش الشعريّة الثانية – “أوراق الزيتون”. كما يرِد فيها “السنتور” مرّتين أيضا؛ في المرّة الأولى بين هلالين، وفي الثانية دونهما. ولم نجد من معنى للسنتور يوافق السياق في هذه القصيدة سوى الآلة الموسيقيّة الفارسيّة القديمة كناية، ربّما، عن تاريخ الشاعر العربي العريق في فلسطين: “ويدايَ في الأغلال، لكنّي / أداعب دائما أوتار سنتوري البعيده / وأثير جسمكِ.. / تولد اليونان . تنتشر الأغاني./ يسترجع الزيتونُ خضرته.. ” [ريتا..أحبيني، 108-113].
في قصيدتيْ ريتا، الثالثة/”الحديقة النائمة” والرابعة/”شتاء ريتا” ، لم يكدْ درويش يذكر أنّ الحوار الطويل بينه وبين ريتا متخيّل كلّه. فلعلّه اعتمد فطنة القارئ في استخلاص الأمر بنفسه، بناء على الظرف الزمني لكتابتهما، أو بالقياس إلى القصيدة الثانية “ريتا..أحبّيني” حيث أكّد الأمر غير مرّة. مع ذلك، ألمح الشاعر مرّة واحدة إلى أنّ الأحداث كلّها متخيّلة، لم تكن في الواقع: “..هدأ الصهيلُ / هدأت خلايا النحل في دمنا، فهل كانت هنا / ريتا، وهل كنّا معًا؟ [“شتاء ريتا”، 26 – 28].
رغم غياب ريتا المادّي عن القصائد الثلاث، بعد “ريتا والبندقيّة”، إلّا أنّ درويش أفلح في استحضارها، ووصفها، واستنطاقها، ليتخلّل الحوار بين ريتا والشاعر القصائد الثلاث المذكورة، مفصِّلا عبر هذا الحوار الإشكال الكبير في الحبّ بين الشاعر الفلسطيني وحبيبتة اليهوديّة.
في المقابلة المستفيضة التي أجراها مع درويش الناقد عبّاس بيضون، يكاد درويش يشرح في الأسلوب النثري الموضوعي كلّ الإشكال الذي أورده في القصائد الثلاث شعرا:
“كان هناك دائما جهد كبير لإجراء مصالحة بين الجانب الإنساني والفكري والإيدولوجي من علاقة. وهذه تتأزّم أو تتوازن حسب الظرف الخارجي. لكنّها في النهاية تصل إلى مأزق. كان مستحيلا الاستسلام لحبّ سعيد. الشارع نفسه يحرّض ويثير الخلاف. كان العدوّ يختبئ في العلاقة. الرجل والمرأة يتعانقان والعدوّ تحت الشرفة.[…] يبقى العشق على المستوى الشخصي فقط. الشخصي الإنساني يسرق من الحبّ هدنة للجسد. لكنّ المرء ما إن يخرج من جسده إلى الشارع حتّى يلتقي بفكرة العدوّ[…] الجسد يحقّق استقلاليّته في غابة. أو في غرفة مغلقة. وبعيدا عن الشارع والشمس.” [بيضون، ص. 75 – 76 ].
يستحضر درويش ريتا رمزا، كما أسلفنا، ليخاطبها ويُنطقها بكلّ هواجسه ورؤاه المستقبليّة، بشأن مصير هذا الوطن الممزّق. المشاهد المتخيّلة تبدو واقعيّة تماما، فلا إشارة ولا تذكير بأنّ المشاهد المذكورة كلّها مشاهد متخيّلة: “ذهبتُ إلى الباب، / ينفتح الباب / أخرج. / ينغلق البابُ / يخرج ظلّي ورائي./ لماذا أقول وداعا؟ / من الآن صرت غريبا عن الذكريات وبيتي. / هبطتُ السلالم، / لا صوتَ يأتي / سوى نبضها والمطرْ / وخطوي على درج نازل / من يديها إلى رغبة في السفرْ. [ الحديقة النائمة، 18 – 29].
الأسلوب ذاته يعمد إليه الشاعر في “شتاء ريتا” أيضا، أطول قصائد ريتا وأبعدها أثرا. مشاهد “واقعيّة” تتصدّرها ريتا، دونما إشارة من قريب أو بعيد إلى أنّ المشهد متخيّل، وريتا تتحوّل رمزا، قناعا للآخر: “..تقوم ريتا / عن ركبتيّ، تزور زينتا، وتربط شعرها بفراشة / فضّيّة. ذيل الحصان يداعب النمش المبعترْ / كرذاذ ضوء داكن فوق الرخام الأنثويّ. تعيد ريتا / زرّ القميص إلى القميص الخردليّ.. [شتاء ريتا، 80 – 84 ].
ريتا، الحبيبة اليهوديّة الواقعيّة في قصيدته الأولى “ريتا والبندقيّة”، تحوّلت رمزا، قناعا لفلسطين الواقعة تحت حكم الآخر. وإذا كان الشاعر/ الراوي، يشرب القهوة العربيّة، فريتا تشرب “قهوتها بالحليب”، ناهيك عن “النمش المبعثر”، علامتها الفارقة، في المقتبس السابق.
والراوي / الشاعر / درويش يصارحها غير مرّة أنّه عاجز عن زواجها، عن الامتزاج بها، رغم أنّها ” تركت أمّها في المزامير القديمة تلعن الدنيا وشعبه”. تسأله ريتا الزواج فيصارحها أنّه لا يستطيعه، لأنّ التاريخ يقف حائلا بينهما: “لو تعبرين النهر يا ريتا. / وأين النهر؟ قالت.. / قلت فيك وفيّ نهر واحد، / وأنا اسيل دما وذاكرة أسيلُ [شتاء ريتا، 112 – 115]. لا يمكن الزواج بينهما، “مستحيل الاستسلام لحبّ سعيد[ …] الرجل والمرأة يتعانقان والعدوّ تحت النافذة”- هذا ما صرّح به الشاعر نثرا في المقابلة المذكورة أعلاه، مع الناقد بيضون. وهذا أيضا ما يصرّح به شعرا في “الحديقة النائمة”: “وريتا تنام.. تنام وتوقظ أحلامها / – نتزوّج ؟ – نعم. / – متى؟ / – حين ينمو البنفسج / على قبّعات الجنود. [“الحديقة النائمة” ، 55 – 60 ].
الشاعر / الفلسطيني لا يمكنه الزواج، لا يمكنه الارتباط بريتا، بحيث يعيشان معا مستقبلا واحدا آمنا. لا يمكنه الارتباط بها فيعيشان حياة واحدة إلّا “حين ينمو البنفسج على قبّعات الجنود”، حين يصادق الذئب الحمل !
لا يمكن الشاعر الفلسطيني الانحياز كليّا إلى ريتا. الماضي يشدّه بعيدا عنها، ولا يتحقّق هذا الماضي إلّا بغياب ريتا. تسأله ريتا أأنت لي ؟ فيجيب الشاعر / الفلسطيني: “لكِ لو تركتِ الباب مفتوحًا على ماضيّ، لي / ماضٍ أراه الآن يولد من غيابك / من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب، لي / ماضٍ أراهُ الآن يجلس قربنا [بيننا] كالطاوله، / لي رغوة الصابون / والعسل المملّحُ / والندى / والزنجبيلُ / – ولكَ الأيائلُ، إن أردتَ، لكّ الأيائلُ والسهولُ / ولكَ الأغاني، إن أردتَ، لكّ الأغاني والذهولُ [ شتاء ريتا، 85 – 94].
الشرطة في بداية الحوار بين الراوي / الشاعر وريتا، أضفناها نحن كما أسلفنا، وفقا للسياق. أمّا “الأيائل”، نصيب الشاعر من الوطن أعلاه، فتذكّرنا بقصيدة درويش في رثاء أبيه “ربّ الأيائل يا أبي.. ربّها” [ديوان محمود درويش، الجزء الثاني،دار العودة، بيروت، 1994، ص. 389 – 395]، حيث تمثّل تربية الأيائل انصراف أبيه عن التاريخ / الوطن، رغم أنّهم كانوا هناك قبل الزمان: “.. لا يحدّثني عن التاريخ في / أيّامه. كنّا هنا قبل الزمان وههنا نبقى، فتخضرّ الحقولُ / ربِّ الأيائل.. ربِّها في ساحة الدار الكبيرة يا أبي !”.
بهذا المنظور علينا أيضا أن نؤوّل رغوة الصابون، والعسل المملّح – العسل المرّ؟ – والندى والزنجبيل والأغاني والذهول، في المقتبَس السابق. ولا بدّ لنا هنا أن نعجب كيف يمكن تأويل رغوة الصابون، الهباء أو اللاشيء، بالبِروة، قرية درويش الفلسطينيّة قبل 48، كما ذهب د. عمر عبد الهادي عتيق: “ومكوّنات جمال ريتا […] يقابلها مكوّنات ماضي الشاعر “رغوة الصابون” التي ترمز إلى مسقط رأسه “قرية البروة”، ولا تخفى العلاقة الدلاليّة بين رغوة الصابون والبروة في التراث اللغوي الفلسطيني”[ د. عمر عبد الهادي عتيق: إشكاليّة التعايش في قصيدة شتاء ريتا الطويل لمحمود درويش، دراسة أسلوبيّة، مجلّة أفكار، وزارة الثقافة الأردنيّة، عدد 250، ص. 15 ].
خاتمة “شتاء ريتا” تستشرف، بالإضافة إلى إلى “الشتاء” المتكرّر في عنوان القصيدة وثناياها، قادم الأيّام في نظر درويش. ريتا تعتمد مسدّسها سلاحا لها، والشاعر يعتمد مسوّدة قصيدته / ماضيه تحت المسدّس. هي تمضي إلى المجهول حافية، والشاعر يدركه الرحيل. نبوءة قاتمة يرسمها الشاعر للمستقبل أيضا: “.. أجهشت ريتا: طويلُ / هذا الشتاءُ / وكسّرتْ خزف النهار على حديد النافذه / وضعت مسدّسها الصغير على مسوّدة القصيدَه / ورمتْ جواربها على الكرسيّ، فانكسر الهديلُ / ومضتْ إلى المجهول حافيةً وأدركني الرحيلُ” ! لأشتاء ريتا، [ شتاء ريتا، 141 – 146].

Print Friendly