” ما هو آخر سطرٍ قرأته يا بهاء؟ “

بقلم : رأفت صوايفة .

جرت عادتي في الآونة الأخيرة أي منذ خمسةِ شهور بأن أعتمد على تبني نهج الصدفة في صناعة صداقات جديدة، فأقنعت عقلي الباطن بأنه حتى وفي الوقت الذي أكون نائمًا وجب فيه كوني مهيئًا لصديق جديد، فمثلاً عندما أذهب لإحدى المحال لشراء علبة سجائر -كعمل روتيني يومي لي – ويُقدِم أحدهم بالسؤال عن فكة أقوم بالمبادرة على الفور بوضع يدي في جيبي كي أقدّم المساعدة أو لربما لأفتعل من تلك الحركة مادةً للحوار التي قد تفتح لي عالماً جديدًا بهذا الانسان، أو كأن أمشي في الشارع فترتطم يدي بأحد المارة فأبادر بسرعة بعد تقديم الاعتذار بأن أرفع أحد حاجبيّ وأمدّ يدي للمصافحة ثم أتبعها بجملة ” أنا رأفت ” وذلك بعد ثانيتين من قراءة ملامحِ وجهه لافترس الاجابة؛ إذا ما كان يصلحُ لتبادل التحية أم لا لتبدأ أو تنتهي من تلك اللحظة حكايتنا .

ومنذ هذا السلوك الذي أسماه بعض أصدقائي “بالمبالغ فيه” أصبح من السهل عليّ أن لا أتناول الطعام وحدي أو أن يكون لي رفيقٌ للمسير وأنا عائد من عملي أو شخصًا أتبادل معه أطراف الحديث بالحافلة في طريقي للجامعة ، ليصبح هذا الطبع جزءًا من سعادتي بعد سنواتٍ من السكون والانطواء والانغلاق على النفس، فقناعتي الحالية بأن السفر في الناس أقوى تأثيرًا في بناء شخصية مثقفة من السفر في الذات خصوصًا بعد رحلة دامت طويلاً في دواخلي .

هذه العادة التي جمعتني بالكثير من الأحبة منذ أن تطبعتها والتي الآن من كلّ عمق ما أشعر به من بؤس سأصفها بالسيئة و السيئة جدًا فهي التي أودت بي منذ ثلاثة أيام بغياب “الإدراك” ونسيان الطعام وحتى عدم قيامي بواجبي في عملي على أكمل وجه كما أحاول أن أكون دائمًا، وما أكتبه الآن هو تحذير من هذا السلوك الذي أوجهه لكل أخوتي من الشعب الفلسطيني، فقد تكون هكذا عادة اجتماعية ذكية في أي مجتمع بالعالم إلا في مجتمعي؛ المجتمع الفلسطيني فهنا تكون قاتلة، كما أتحدث معكم من تابوتي الآن .

بدأت الحكاية قبل ثلاثة شهور في مدينة القدس وفي المسجد الأقصى المبارك على أتم التحديد، فحالي كحال بعض فلسطينيي الضفة الغربية و قطاع غزّة الذين أتيح لهم بأن يدخلوا مدننا الفلسطينية في الداخل المحتل من خلال ما يسمى بتصريح الصلاة الصادر من قبل سلطات الاحتلال كنوع من التسهيلات في شهر رمضان الفضيل كما يدعون، أو كما أسميته بإذن خطي بدخول زوجٍ على زوجته التي عقد قرانه عليها منذ الأزل، في ذاك اليوم كنت أخطو في الساحات نشيطًا مجنونًا متفحصّاً كلّ حجر وملتقطًا الصور لكل قِبة ووجهٍ أصيل تائهًا في أزقة الأسواق ودولاب التاريخ ومعقلِ حضارة فلسطين الأم، فأهبّ بالتعرّف على الجميع، من الطفلة “حنين” بائعة الفطائر ، لباعة التحف، إلى المصلين والسياح، مستعينًا بكلّ ما أوتيت من بأس وصلابة قدم بأن أظل مستمرًا بعزمي على الحركة فقد لا تتاحُ لي الفرصة مرّة أخرى بأن أزور المدينة المقدسة، ومن الأماكن التي ليس من الممكن أن أفوّت زيارتها كانت مكتبة المسجد الأقصى المسماه بـِ “المكتبة الختنيّة”، وهناكٓ كانت تنتظرني القنبلة الموقوتة التي انفجرت بي بعد ثلاثة شهور، كان شابًا حنطيّاً أنيقًا بملامحٓ عربية أصيلة وصوتٍ جهورٍ عميق بحضور يملأُ المسرب المؤدي لبوابة المكتبة، يلتفّ حوله حشد من الأطفال يلبسون زيّ الكشافة ويستمعون بإنصات تام لنصائحه في تنظيم المكان، سرتُ إليه بخطوات المعجب ورميت بأول سهمٍ لي في أرض معركة الودّ والذي كان سؤالاً مباشرًا :
عذرًا، لماذا تغلقون أبواب المكتبة ؟
لم يجبني على السؤال واختصرٓ علي الطريق وقال بأنه من لجان التنظيم في الحرم ضمن مجموعة كشافة جبل المكبر وعرّف عن نفسه بالاسم .
تقمصتُ حينها دور المهتمّ وعدتُ لموضوع المكتبة، فقال لي بابتسامة عريضة :
ما هو الكتاب الذي تريده لأحضرهُ لك ؟
ارتبكت، فقد وضعني في زاوية لا مجال لي بأن أفلت من فكها باجابة رصينة، فقلت له بلا وعي:
صدقًا لا أعلم نوع الكتب في الداخل ولا عناوين تحضرني الآن في رأسي ، فقد كنتُ أعلم أن المكتبة إسلامية وليس لي في هذا المجال الكثير .
ولكن فهمت بعد دقيقة مع نفسي المغزى من سؤاله؛ فالمكتبة للقراءة وليست “استديو ” للتصوير، وأنا معه بالرأي فقد أصبح المسجد الأقصى هذا العام ساحة كبيرة لهواة العدسات وعبثها ..
التصقتُ بحذاقته وتعرّفنا على بعضنا في لقاء لم يتجاوز الثلاثين دقيقة ..
قال فيهنّ جملًا حكيمة موزونة لن تغيب عن ذهني الذي أقومُ منذ ثلاثة أيام بعصرهِ بكدّ وتعب شديدين كي أعود بذاكرتي للمكان والزمان الذين التقيت فيهما “بالشهيد بهاء عليان” عندما كانت مادة حديثنا عن القدس وعن إنجازات وفعاليات كشافة جبل المكبر وعن فعالية القراءة حول أسوار القدس التي استطاع فيها جمع عشرة آلاف فلسطيني يحملون الكتب ليُدخلٓ بقدسيّة المدينة التاريخ لكن بروح الثقافة ضمن موسوعة “غينيس” للارقام القياسية، وليعيد لفكرتي رعشة الحياة التي أردتها في مضمار آخر وضمن عنواني الذي لن أتركه وهو أن الثقافة والتعليم بوصلة الشعب الفلسطيني للوعي الذي سيقود مركبة هذا الوطن لبرّ الحرية والاستقلال ..

لكن كل ما أقوم به الآن هو لعنٌ متكرر لعادتي في اقتناص البشر من الطرقات الفلسطينية لأضعهم بعدها في جيوب قلبي ورفوف ذاكرتي والتي أحاول أن آخذ عهدًا على نفسي بالتخلي عنها، فهذه العادة مؤذية لشخص يعيش بين شعب من الشهداء التائهين عن أشكال نهاياتهم والذي وضعهم القدر صفًا في طابور جرائم الإحتلال غير المسؤول والعابث بلا مبالاة بمستقبلهم.

وأنا الآن في حشدِ هذا الفقد مع حضرةِ السؤال الغريب الأطوار؛ الشهيد بهاء عليان المثقف والذي تشهدُ لهُ كل حجارة القدس وكل وجوه المقدسيين بأنه البالغ العاقل الراشد المثابر المبادر، سؤالي له في بطن غيب اللحظة هو:
” ما هو آخر سطرٍ قرأته يا بهاء،لتصير بكل هذا البهاء ؟ “

Rafat Sawayfeh

Print Friendly