العدالة.. جوهر الفكر السياسي

بقلم/  د. حنا عيسى

استاذ القانون الدولي

“إذا أتاك أحد الخصمين وقد فُقِئَتْ عينه فلا تقض له حتى يأتيك خصمه فلعله قد فُقِئَتْ عيناه”
تعدّ العدالة واحدة من اكثر الموضوعات قدسية وشيوعاً في السلوك الاجتماعي. ويمكن أن تتخذ وجوهاً متضاربة جداً حتى ضمن المجتمع الواحد. فاينما كان هناك اناس يريدون شيئاً، ومتى ما كانت هناك موارد يراد توزيعها، فأن العامل الجوهري المحرك لعملية اتخاذ القرار سيكون أحد وجوه العدالة. وللعدالة سيادة على غيرها من المفاهيم المقاربة، كالحرية والمساواة، ذلك انها لا تقف عند حد معين.
العدالة: هي مفهوم يعيين عدم الانحياز في محاكمة أي إنسان لأي أمر، وهي رؤية إنسانیة للمحيط الذي يعيش فیه‌ کل فرد شرط أن ینظم هذه‌ الرؤیة قانون وضعي یشارك فی صياغتها الکل بعيداً عن التحکم. والعدالة عكس الظلم والجور والتطرف. وهي مفهوم أخلاقي يقوم على الحق والأخلاق، والعقلانية، والقانون، والقانون الطبيعي والإنصاف، هي القوانين الطبيعية التي وجدت مع وجود الكون. والقانون يختلف عن العدالة بان العدالة هي القانون الالهي اما القانون فهو من صنع البشر وقد ينسجم مع العدالة وقد لاينسجم معها.
والعدل موجود في جميع الدّيانات ومطلوب ومحبّب في جميع المجالات في تربية الأبناء والإنفاق عليهم والتّعامل معهم، وفرص العمل والحكم بين النّاس والتعليم والحقوق جميعها، فبالعدل تتطوّر الأمم وكل شخص يأخذ حقّه ويشجّعه ويعينه على المثابرة والطموح حيث أنّ إمكانياتك وعملك هي من يحدّد قيمتك ومكانتك بين النّاس في حال تحقّقت العدالة وفي النّزاعات كل فهو يضبط المجتمع ولا يعتدي أحد على آخر وبين الدّول لا ظلم ولا هضم للحقوق بميزان القوى وإنّما من يحكم علاقاتهم هو أنّ كل طرف يأخذ حقّه.
تعتبر العدالة قاعدة إجتماعية أساسية لإستمرار حياة البشر مع بعضهم البعض، فالعدالة محور أساسي في الأخلاق وفي الحقوق وفي الفلسفة الإجتماعية وهي قاعدة تنطلق منها بحوث إيجاد المقاييس والمعايير الأخلاقية والقانونية.
والعدالة هي الجوهر الأساسي للفكر السياسي برمته، حسب رأي أرسطو، وهي الفضيلة التي تنطوي تحتها، وتترتب عليها، جميع الفضائل السياسية الأخري، بل إن قيمة العدل تبدو شرطا أساسيا لوجود «الدولة» بتنظيمها القانوني والاجتماعي والسياسي، فإذا وُجد العدل في مجتمع بشري ما فإننا نكون أمام دولة، أما إذا غاب العدل فإننا نكون أمام أي شكل اجتماعي، لكنه ليس الدولة، ولذا يري أفلاطون أنها السمة الأساسية للنظام السياسي الفاضل.
والعدالة مفهوم يكتنفه الغموض، إذ يرى البعض انه يظل تجريداً في عالم العقل لا سبيل لتطبيقه في عالم الواقع. وأن ما جرى تطبيقه من العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما هي الا محاولات يقصد من ورائها الحفاظ على الحقوق التي أقرها القانون الطبيعي والأخلاقي. ويذهب البعض مذهباً متفائلاً بقولهم ان الطبيعة البشرية قد ارتقت عبر التاريخ، مما خلق لدى الإنسان نوعاً من الرقابة الذاتية التي تلزمه باحترام قاعدة (عامل الآخرين بمثل ما تحب أن يعاملوك به). ومن ثم أصبح يمتلك شعوراً داخلياً بالعدل. ويتبنى آخرون موقفاً نسبياً بقولهم ان العدالة ما هي إلا تجلٍ لنفوذ الأقوياء في أي زمان. فالأفراد الأكثر قوة يصبحون أكثر نجاحاً، وفي النهاية يقنعون أنفسهم والآخرين بأن وسائلهم في تحقيق الأرباح والمحافظة على مكانتهم ليست مقبولة فحسب، ولكنها مرغوبة وأخلاقية وعادلة أيضاً.
وتنقسم العدالة من الناحية النظرية إلي نوعين، الأول هو: العدالة التبادلية، التي تقوم علي المساواة المطلقة، بشكلها الرياضي البحت. والثاني هو: العدالة التوزيعية، التي تقوم علي مبدأ الاستحقاق، أي أن يحصل كل فرد علي ما يستحقه وفق إمكاناته واستعداداته وظروفه.
تاريخ العدالة:
وجدت العدالة منذ اقدم العصور رموزاً لها في الاساطير والشعر والنحت والعمارة، بوصفها مطلباً جوهرياً يثير بشكل صارخ او صامت أي إنسان على أساس قوة وجوده، ويعبّر في الوقت ذاته عن الشكل الذي يتحقق في إطاره ذلك الإنسان. فمن الناحية التأريخية، يعد إنسان وادي الرافدين أقدم مشرعي إحكام العدالة، اذ أن الشرائع العراقية القديمة تسبق اقدم ما هو معروف من شرائع وقوانين في سائر الحضارات الأخرى كالفرعونية والاغريقية والرومانية بعشرات القرون. فقد وضع الإنسان العراقي القديم تصوراته لموضوع العدالة والظلم في صميم نظرته للالهة والكون والإنسان. فارتبطت العدالة لديه بالنظام مثلما ارتبطت قيم الخير كلها به،وارتبط الظلم بالفوضى مثلما ارتبطت قيم الشر كلها به. ولأن إنسان وادي الرافدين أدرك علاقة الشمس بنشاطات الحياة المختلفة، فقد عدها إلها للحق والعدل، ومزيلاً للغموض، وكاشفاً للحقائق. فإله العدالة هو إله المعرفة نفسه. فكان العراقيون يحتفلون في العشرين من كل شهر بعيد مكرس لإله العدالة (شمس) الذي انجب ولدين هما ((كيتو)) و((ميتسارو))، أي العدالة والحق.
أهداف العدالة:
1. الانصاف والمساواة.

2. التوازن وعدم التعدي.

3. حماية المصالح الفردية والعامة.

أشكال العدالة:
· العدالة المساواتية

تساوي البشر عن طريق التخلي عن التمييز بين المجموعات البشرية القائم على الجنس أو العرق أو العقيدة أو ماشابه و هنا يصح القول : كل البشر تلد حرة ومتساوية في حقوقها الطبيعية.
· العدالة السياسية

حق العمل السياسي الوطني والعالمي.
· العدالة القضائية

وضع القوانين المتوازنة، وتناسب العقوبة مع الجريمة، والحق في المحاكمة العادلة والعلنية.
· عدالة المبادلة

كتهذيب دفع تعويضات الأضرار وتسويتها عمليا، والإبتعاد عن العين بالعين والسن بالسن، ليتحول الضرر (حسب الإمكانية) إلى قيمة معقولة وممكنة.
· العدالة الإجتماعية

التوزيع العادل للثروات وأماكن العمل وفرصه، وفرص سد الحاجات المعيشية والطبيه والغذائية وماشابه.
· عدالة الحماية الاجتماعية

كحماية المعاقين والأقليات وتحقيق القدرة على العيش والتعايش.
· عدالة الأجيال

التناغم بين جيل اليوم وجيل المستقبل من خلال التوازن بين التعويض التقاعدي والـتأمين التقاعدي، ومن خلال التوازن البيئي والاستفادة من الثروات الباطنية دون النسيان أنها محدودة، ومحاولة اختراع وتحسين أدوات إنتاج الطاقة المتجددة ليتم توريث أرض تُمكّن الجيل القادم من العيش عليها.
أنواع العدالة ومضامينها:
1. عدالة الحاجات (العدالة الماركسية)

يتم بموجبها توزيع الموارد بين الأفراد على أساس تلبية اكثر حاجاتهم إلحاحاً، بصرف النظر عن مدخلاتهم او أدائهم، ودون الأخذ بمبدأ التكافؤ.
2. عدالة التكافؤ

تظهر هذه العدالة لدى الأفراد المنتمين الى جماعة معينة، ممن يدركون أنفسهم بوصفهم وحدة واحدة، إذ يشترك الجميع في تقاسم المخرجات بالتساوي:(الفرد من أجل الجماعة، والجماعة من أجل الفرد).
3. عدالة الأنصاف

تبرز في مواقف الاعتماد المتبادل، كما في السوق، حيث يعمل الفرد على تحقيق التكافؤ بين مخرجاته واستثماراته.
4. عدالة القانون

تعني ان العدالة ليست أكثر أو أقل مما يقرره ممثلو السلطة القانونية للمجتمع. ويمكن توظيف الأسس التي تقوم عليها أشكال العدالة الثلاثة السابقة، في تطوير القوانين وتقويمها وتعديلها. ولكن ما أن يُسن القانون، حتى يصبح المحدد الوحيد لاستحقاقات الفرد في موقف معين، بصرف النظر عن حاجاته واستثماراته ومدخلاته وآرائه.

Print Friendly