تسكع-قلم

محمود عبد العزيز: الشيخ حسني ذلك الساحر الباقي

بقلم/ تحسين يقين

– “ما علينا”، في “بلد جميلة” أن نقول؟
– “سمك لبن تمر هندي”!
لغتك بقيت فينا، تثير الابتسام والتفكير النقدي باتجاه خلاصنا!
جمعنا في حياته الفنية الدرامية، وفي رحيله الذي كان دراميا كما ينسجم مع الدراما نفسها. جمعنا مصريين وعربا ننطق بالعربية من المحيط إلى الخليج، جمهورا عريضا ونخبا فنية. ولمن عاش في مصر، وبعض الحواضر العربية، كان يرى كيف كانت الشوارع المصرية والعربية تكاد تتوقف الحركة فيها وقت بث المسلسلين الدراميين الشهيرين: رأفت الهجان وليالي الحلمية، كان ذلك بين الأعوام 1986و 1992. وحين توجهت لأشاهد إحدى الحلقات لانقطاع الكهرباء في حينا، سألت السائق: وأنت ألا تشاهد المسلسل؟ فقام برفع صوت التلفاز الصغير في السيارة، قائلا: كيف لا أشاهده، إنه هنا!
كان الفنان الراحل محمود عبد العزيز واحدا من أعلام الثقافة العربية الذي استطاع من خلال إبداعه جمع أكبر قدر من الجمهور، كاسرا ما تم إشاعته من مقولة “الجمهور عايز كده” التي نشرها القطط السمان تبريرا لإنتاج أفلام سطحية ركيكة بدون مضمون، اعتمادا على ما توهموه بأن ما يهمّ الجمهور العام هو الكوميديا والجنس الرخيص. كان محمود عبد العزيز وما زال بأعماله الخالدة في تاريخ السينما العربية.
ماذا يعني ذلك ذاتيا وموضوعيا؟
في سبعينيات طفولتي كان محمود عبد العزيز فنانا شابا يؤدي الأدوار الرومانسية، كنت ابن سبع سنوات وأكثر حينما شاهدنا فيلم الحفيد، الذي يعد من كلاسيكيات السينما المصرية الواقعية، ثم ونحن نغادر الطفولة قليلا شاهدنا النجم في أدوار أخرى، من خلال أفلام كالعذراء والشعر الأبيض 1983، من رواية إحسان عبد القدوس، حيث أبدع في دوره مجسدا النص الأدبي ومتفوقا عليه. ولا ننسى فيلم “العار” قبله بعام 1982 الشهير ذا التفاصيل الإنسانية في تبيان ردود فعل البشر تجاه الملكية، ونهايته المفجعة، الفيلم الذي كان محمود عبد العزيز أحد أركانه الرئيسيين، بدوره الذي أداه من عمق نفسه وشعوره. ولعله الفيلم الذي لفت نظر نقاد السينما تجاه أحد الممثلين المتميزين، الذين اندمجوا في أدوراهم لدرجة عظيمة.
ولنا أن نتذكر كيف استطاع الفن جذبنا نحن الشباب الصغار نحو مواضيع غير رومانسية؛ فكيف ننسى فيلم “البريء” الصادم، والذي أبدع في تمثيل رجل الأمن القمعي المبرمج والذي يستخدم القمع لخدمة السلطة، والأب الحنون مع أطفاله. أظهر الفيلم لمحات من الفساد السياسي في مصر بعد سياسة الانفتاح، وبالتحديد خلال فترة ما سميت بانتفاضة 17 و18 يناير 1977. لقد وصل جدل الرقابة إلى جدل الساسة من أهل الحكم، حيث أنه بعد إجازة عرضه تم حذف عدة مشاهد منه. والمهم في الأمر أن اشتراك محمود عبد العزيز في الفيلم والجدل الذي ظل ملازما له حتى بعد عرضه كاملا بعد عشرين عاما على إنتاجه، في مهرجان السينما القومي تكريماً للفنان الراحل أحمد زكي عام 2005، دفع الفنان محمود عبد العزيز إلى اختيار المضامين النقدية اجتماعيا وسياسيا أيضا. ورغم ذلك فقد ظل الجميع يحترمونه لإبداعه ووطنيته وموضوعيته رغم الاتجاهات الناقدة للسلطة.
“الحدق يفهم” كان صادما لنا أيضا، والذي كان من بطولته: يبحث كبير اللصوص عن أي طعام، فلا يجد، وتقوده الطريق لقرية وادعة في البرّ المصري، حين يحلّ ضيفا، كشيخ يبحث عن مساعدة لقريته المنكوبة، وحين يعمل المولد بعد توقفه بمجرد وضع يده عليه صدفة، تظهر ردود الفعل المقدرة لبركة الشيخ-لص، فيقدم له الأهالي الفقراء كل ما يستطيعون، حتى الطفلة تحضر مصاغ أمها، فما يكون منه إلا القول: “بلد جميلة” سخرية منها، ورضى بالواقع. وحينما يضطر الشيخ-لص لصلاة الجمعة، يفاجأ بالإمام يطلب منه أن يخطب فيهم تبركا به، وحينما يرتقي درجات المنبر، يفاجأ بالمأمور الذي يعلم الحقيقة، فيبدع الممثل الكبير متطهرا وتائبا وباكيا.
ولم يمض عقد من الزمن، حتى وجدتني طالبا جامعيا في مصر المحروسة، أشاهد في التلفزيون العربي ودور السينما الكثيرة في القاهرة وطنطا والاسكندرية، حيث صرنا رومانسيين في الوقت الذي تنوعت أدوار الفنان الأربعيني.
كانت البداية مع سمك لبن تمر هندي في أول سنة دراسية، عام 88، ومن اسم الفيلم يمكن الاستدلال على النقد الاجتماعي والسياسي، الذي وظف فيه المخرج رأفت الميهي الفانتازيا.
تابع محمود في “يا عزيزي كلنا لصوص” 89 ما بدأه، ونجح الفيلم جماهيريا، وشاهدنا ذلك النجاح، كما أمكننا قراءة ما كتب عنه، واندمجنا في نقاشات عن الفساد المالي في المجتمع، ثم أذكر استمتاعنا بمشاهدة فيلم الدنيا على جناح يمامة” في العام نفسه، الذي كان من بطولته وبطولة ميرفت أمين ويوسف شعبان، للشكل البوليسي المشوق، حيث منح محمود عبد العزيز البعد الكوميدي للفيلم، بما صار يختبر نوعا آخر من الحياة، مع الأمريكية من أصل مصري القادمة لإنقاذ حبيبها نزيل مستشفى الأمراض العصبية ظلما، وصولا للفيلم الكوميدي “سيداتي سادتي” عام 90 الذي اشتهرت به لازمته اللغوية “ما علينا”، حيث ظهرت مفارقة جدوى العلم والتعليم، حيث يكون دخل عامل المقصف أفضل كثيرا من دخل حامل الدكتوراة، والذي لا يجد عملا غير بيع الشاي والقهوة في المؤسسة. يناقش الفيلم أبضا مسالة تأخر الزواج للسبب الاقتصادي نفسه.
لم يشدنا فيلم “ابو كرتونة” 1991مثل الأفلام الأخرى، حتى أن الفنان محمود عبد العزيز بعد سنوات لم يخف تسرعه بالتمثيل فيه، لكن لم تمض سوى أشهر إذا بالفيلم القنبلة “الكيت كات، الذي كتبه وأخرجه داود عبد السيد عام 1991، من وحي رواية “مالك الحزين” للروائي إبراهيم أصلان. وقد أبدع الفنان الراحل في دور الشيخ حسني الكفيف في كل تفاصيل الفيلم خصوصا عندما يموت أحد أبناء الحي، يحضر الشيخ حسنى واجب العزاء، ومع إغفال غلق مكبر الصوت عقب انتهاء تلاوة القرآن يكشف الشيخ حسنى عن فضائح بعض أهالي الكيت كات ليسمعها الجميع، ومنها خيانة المعلم هرم لصديقه المريض مع زوجته الحسناء، وهروب روايح من زوجها الصائغ، وحتى علاقته الخاصة بأم روايح وعلاقة ابنه بفاطمة….وبهذا الفيلم بالذات تصعد نجومية الفنان فيبدأ بحصد الجوائز بعد 20 عاما على عمله في السينما.
نتخرج من مصر المحروسة، لكن لا نترك إبداعات سينما الفنان المحبوب. سيطول خلود محمود عبد العزيز؛ فمع تطورنا الفكري، تتطور ذائقتنا تجاه الفنون، خصوصا بعد تكرار مشاهدة الأفلام كما في فيلم “الحدق يفهم”، الذي كان رمزيا وواقعيا ينتقد الحكم والحكام، في السياسات الاقتصادية.

ولعل فيلم الساحر 2001، أيضا كان ذا عمق إنساني عظيم، عبر عنه محمود عبد العزيز، حيث أنه كان ساحرا فعلا في التمثيل وتأدية الدور، وبلغ ذروة الإبداع في مشهد خطبة ابنته.
لا يتسع المقال للحديث عن مسلسلاته، لكن أحسب أن محمود عبد العزيز صار بعد رأفت الهجان قلقا أكثر في اختيار الأدوار، لما خلع عليه الجمهور من توقير واحترام ما، بسسب الدور الوطني للشخصية التي أدى دورها.
“ما علينا” يا سيدي الفنان، وأنت تخلد في لغتنا، مثيرا الفكر والشعور، وأنت تساهم في الخلاص من الأساطير والخرافات القديمة والجديدة، في “بلد جميلة” ودها اللصوص كذلك منتفعين من خيراتها، مؤثرين لزهدنا فيما نملك ليكون ملكهم.
رحمه الله من فنان سيعيش معنا طويلا.
[email protected]

Print Friendly