تسكع-قلم

معادلة عن المقال القصير 21-11-2016

بقلم/ حمدي فراج

أكتب مقالا صحفيا قصيرا منذ نحو خمسة وثلاثين سنة ، بدأته في مجلة الشراع المقدسية على غلافها الاخير وكان تحت عنوان “الموجة الاخيرة” ، وبعد ان تم اغلاقها ، انتقلت لكتابته في جريدة الميثاق على صفحتها الاخيرة ايضا بعنوان “الى ان نلتقي” حتى تم اغلاقها بدورها ، ثم في جريدة القدس في صفحة الرأي تحت هذا العنوان “معادلة” منذ عام 1987 حتى اليوم .
كنت ادرك ان المقال القصير ، اذا ما اكتملت فيه العناصر المتوخاة ، يستقطب القراء اكثر بكثير مما يستقطبه المقال الطويل ، فخلال بضعة دقائق يكون القاريء قد فرغ منه ، ولا يضطر ان يؤجله حتى يعود الى البيت او يبحث عن بقيته في صفحة اخرى ، بعض المقالات الطويلة كنت تبحث له عن بقية للبقية .
وبغض النظر عن كيف ينظر الناس في بلادنا الى الاشياء الصغيرة ، بما فيها المقالات ، فإنهم في الغالب ينظرون الى الاشياء الكبيرة نظرة وازنة “هذه المقالات التي تعبيء الرأس” ، وهي نظرة مستندة الى المأثور الشعبي “استكبرها ولو عجرة” ، وعلى هذا الهدي ، حدثني صديق مقدسي عن ان زوجته وضعت رضيعها في حضنها في المقعد الامامي اثناء قيادته السيارة ، فأوقفهما الشرطي واشار الى مخالفته ، فرد عليه : انه مجرد طفل صغير ، فطلب منه الشرطي ان يترجل وان يفتح صندوق السيارة ولما فتحه قال له ان يضع الطفل هناك في الصندوق ، لطالما انه مجرد طفل صغير وغير ذي أهمية . الشرطي لم يحرر له اي مخالفة ، لكنه اضاف بأنه تعلم درسا لن ينساه مدى الحياة .
الصحيفة الثالثة في الولايات المتحدة هي “يو اس تودي” التي نافست الصحيفتين التقليدتين “نيويورك تايمز” و”لوس انجلس تايمز” ، اصبحت توزع ثلاثة اضعاف ما توزعه الصحيفتان – ثلاثة ملايين نسخة يوميا – والسبب انها اصبحت تنشر القطع الاخبارية بدون تتمات ، وفق احد مسؤوليها .
قبل بضع سنوات ، زارني الملحق الثقافي في القنصلية الامريكية ، وكان يجيد العربية بشكل جيد ، وسألني لماذا اكتب مقالا قصيرا ، بين الغالبية العظمى من بقية الزملاء كتاب الاعمدة ، فقلت له بأنني احرص على كل قاريء يرى مقالي ان يقوم بقراءته فورا ، لا داعي للتأجيل ، ولا يعرف احد بمن فيهم القاريء نفسه ، ان كان سيسنح له التأجيل قراءته ام لا ، ناهيك اليوم عن الوتائر السريعة ، والمقالات في كل مكان تقريبا ، وتستطيع ان تقرأ ما تريد وقت ما تريد . فقال لي ان كاتبا شهيرا في امريكا يكتب مقالا قصيرا ، وفي احد المرات كتب مقالا طويلا ، ووضع في مقدمته اعتذارا للقراء مفاده انه في سرعة اليوم من أمره ، ولهذا كتب مقالا طويلا .

Print Friendly