الاسير كريم يونس لم يدخل عام 2017 لا زال خلف الزمن

بقلم/ عيسى قراقع

رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين

لأن ساعته توقفت منذ تاريخ 6/1/1983 عندما اعتقلته سلطات الاحتلال ، والبسته بدلة الاعدام الحمراء لمدة 75 يوما، وظل في عالمه السابق يركض بين الكرمل وعكا والناصرة ويعيش في تلك الذكريات، لم يدخل الاسير كريم يونس ككل العالم عام 2017 ، ظل واقفا متجمدا خلف زمنه الخاص.

اعتقلوه عن مقعده في الجامعة ، ترك الكتاب والدرس والاصدقاء والامنيات القادمات، وترك امه تفتش عنه في براري الجليل، ومن كل بيت بدأت ، ومن كل مرفأ وشجرة وحجر تبحث عن محارب غاب في ثنايا الطريق.

اعتقلوه لأنه كان حالما، لم ير احلامه تكتمل ليقترب اكثر قبل ان تبعثر وطنه وجسده النكبة والتهجير وتزوير المكان، حاملا خياله على ركبتيه وفي قلبه، وغاب خلف القضبان تاركا على بصمات خطواته اسئلته وكل الكلام.

إن يوم اعتقال كريم يونس يأتي عشية عيد ميلاده ، ويوم ميلاده احتفل العالم باعياد الميلاد المجيدة، لكن هذا العام نرى السماء ملبدة وحزينة، فقد استشهد المطران الفدائي كبوتشي والذي كان ينتظر كريم على بوابة كنيسة القيامة في القدس كما اوعده عندما غادر السجن عام 1978، أخذ الموت المطران في غياهب المنفى، وظلت ايدي كريم مكبلة في ظلمات السجون، لم نسمع الاجراس تدق، ولم يلتق الشهيد مع الحيَ في الصلاة هذا العام.

الاسير كريم يونس يدخل عالمه المظلم منذ 35 عاما في سجون الاحتلال، لم يدخل السنة الجديدة، لم يرها ويحتفل ككل البشر في منتصف ليلها، لم يؤد الصلاة، ويمشي في توقعاتها وتباشيرها ورجائها ويشحن جسمه بكل ما يأتي من تجليات، لم يقرأ برجه للعام الجديد، اغلق عليه الباب وحدق في الجدران الصّماء.

الاسير كريم يونس يعيش في فراغ الزمن، لم يتفاعل مع التنبؤات الآتيات ، في وجهه سجان ومفتاح وقيد وصمت طويل، وكل ما حوله صدى الاعتقالات والاوجاع والدوران بين الاسلاك، من سجن الى آخر، من زنزانة الى أخرى ، هي بوسطة تلف بين سجون هداريم الى عسقلان الى شطة الى جلبوع الى النقب، وليس معه سوى قمصانه البنية وبضع بطاطين ليتقي برد الشتاء.

الاسير كريم يونس يعرف عالم السجن ولا يعرف عالم البشر خارجه، يعرف ان 209 قتلوا في حضنه داخل السجون قهرا وتعذيبا ومرضا، ترك على وجوههم قبلاته وبسملاته ودمعاته واختفى في حزن واكتئاب، يعرف ان مليون فلسطيني مروا عنه، صافحهم وعاش معهم طويلا او قليلا وتركوه وحده يحرس نوم الراحلين الشهداء.

الاسير كريم يونس لم يدخل عام 2017، ربما الآن يتوه عن البيت ، يدخل الى نفسه دخول الغريب الى فراغ الوقت، لا يغادر ، بل دائما ينتظر أحدا: طفلا اعتقلوه وعذبوه، مريضا استفحل المرض في جسده لا يتلقى العلاج، جريحا اصابوه بالرصاص ففقد قدمه وجاء بلا عكازات ، ومعتقلا إداريا ينفجر قهرا ويعلن الاضراب عن الطعام.

الاسير كريم يونس يستدعي بمخيلته الحرية، تأتيه الى السجن ، يدرب ذاكرته بالكلمات والمترادفات، يحرس الضباب بالصورة والرؤيا، ينزل عن صنوبر الكرمل ويستحم في البحر المتوسط، يغني مع الطيور العائدات والمهاجرات ، يحلق في السماء.

الاسير كريم يونس لم يدخل عام 2017 ، الاسرائيليون دخلوا الى عالمه المغلق، عبأوه بآلاف المستوطنين الحاقدين، وعبأوه بآلاف الاسرى صغيرا وكبيرا، وعبأوه بمشاهد القتلى المعدومين على الحواجز، وعبأوه بآلاف الاطفال المعذبين، وبالنساء والامهات وبصدى الاحكام التي تصدح في محاكم الاحتلال العسكرية، وعبأوه باصدقاء سقطوا واحتجزوا جثامينهم في مقابر الارقام او في الثلاجات، عبأوا عالمه بالحرب والفاشية والكراهية، أدخلوه قبرا واسعا وقطعوا صلته بزمن الأحياء.

الاسير كريم يونس يعيش مع قديمه الزاحف منه واليه، متحولا سنة وراء سنة الى فكرة وصورة تتناوبان، يزرع الشجرة، ينقش حجرا ويرسم شمسا على رمل النقب، يرسل رسائل الى مجهولين لا يردون عليه، يحتفل بالغموض وبالوضوح لا يعرف التقويم الجديد، لكنه يعرف العلاقة الروحية بين الحرية ودورة الفصول.

الاسير كريم يونس لم يدخل عام 2017، فقد حاسة الشم وهو يشتاق للميرمية والبابونج ورائحة خبز الطابون ، ليس في زمنه يوم جديد، كل الايام متشابهة، حجم الارض هنا متران مربعان لهما باب حديدي دائم الاغلاق، لا سماء ولا قمر ولا نجوم، اصوات احذية السجانين توقظه من النوم ، لم يسمع ان هناك مطرا او ثلجا او برقا او احتفالات في عيد الميلاد، ولا يدري ان كان يسكن الخريف ام الصيف، يبرد او يسخن ، ينصت بثقل الى الزمن، ويستعد لرصد مداهمة لغرفته على يد قوات قمعية تعتدي بالعصي على الاسرى النائمين كل مساء.

كريم يونس لا يملك ساعة ذرية لضمان توقيت مستقر ودائم في عالم السجون، وهو يعتمد على حركة دورانه بين السجون والمعسكرات،عقارب قلبه تعرف المكان الجديد وبعد تأخير يستغرق عشر ساعات عن التوقيت العادي، والاتجاهات تكهنات، يرى من نافذة البوسطة المشيكة غرسة دوالي في الجنوب، او يشاهد مرجا أخضر في الشمال، وما بينهما قبة الصخرة في القدس، وينشغل في تعديل ذاكرته ما شوهه الاستيطان، ويستدعي اسماء النبات والجماد ليرى المكان يقف في المكان.

كريم يونس لم يدخل عام 2017 ظل واقفا خلف الزمن، يبحث مع 42 اسيرا مضى على اعتقالهم اكثر من عشرين عاما ما انقطع منهم ، يتفقدون لغتهم واحاسيسهم وأصواتهم واضواء عيونهم وخفقات قلوبهم، ويسألون ان كان يجب ان يموتوا حتى يراهم الناس ولو جثثا، يقولون: لقد اعتقلنا كي تتغلب الحرية والحياة على العدم والاحتلال، فخذوا منا ما تبقى من حياة وافتحموا باب الزمن.

ايها الزمن الشيخ

كيف قدرت ان تحمل اعمارهم

ارضا واملا وكبرياء؟

كيف تحملت اشتعالهم في السجون؟

ظلوا يمتطوا افراس الساعة

لم يسقطوا…

دخلو السنة الجديدة أحياء

 

Print Friendly