الشريط الاخباري

أبو دوّاس: حارس انتفاضة الحجارة...

نشر بتاريخ: 12-04-2017 | أسرى
News Main Image

طوباس/PNN - يفتح يوم الأسير ذاكرة فواز أبو دوّاس على مصراعيها، فقد كان أول حالة اعتقال تنفذها وحدات المستعربين خلال انتفاضة الحجارة في الضفة الغربية وغزة، ويومها، تدرب عناصر "الدوفدفان" و"شمشون" على التنكر للإيقاع بالشبان بطرق كثيرة.

يروي خلال الحلقة (64) من سلسلة "أصوات من طوباس" لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، بشعر اصطبغ بالأبيض: لا أنسى طريقة اعتقالي، ويومها تم اختطافي أنا ومحمد عودة من بيت فوريك، وعبد الغني أبو الهيجاء من اليامون، وشاب رابع من بلدة قباطية، وحينها كانوا يفحصون مدى نجاح القوات الخاصة في مهماتها الجديدة.

مستعربون

يتذكر يوم 21 أيلول 1989، كنت أبيع الدواجن، وشاهدت سيارة (فولكس) تتوقف أمام المحل، فنزل منها ثلاثة يلبسون الزي المدني، وسألوني عن أسعاري، وحين تأكدوا مني، اعتقلوني، ونقلوني إلى معسكر فحمة، ثم جنين، والفارعة، وصولاً إلى النقب. وعلمت لاحقًا أن دوريات الجيش كانت تطوّق الشارع.

ويتباهى أبو دوّاس، الذي أبصر النور مطلع عام 1960، بتوثيقه لأحداث الانتفاضة الشعبية، وجمع بيانات القيادة الوطنية الموحدة لها، وحفظه لقصاصات جرائد غطت فعالياتها، مثلما يصون ذكرى شهداء طوباس، بملصقات أُعدت بخط اليد.

يسرد: بدأت بجمع أرشيف الانتفاضة، كونها محطة كفاحية مهمة في تاريخ شعبنا، وأيقنت يوم اشتعالها من جباليا أنها ستكون منعطفاً لقضيتنا، ولذا فهي بحاجة لأن ننقل تفاصيلها لحظة وقوعها إلى الأجيال القادمة، وأن لا نغفل عن توثيق يومياتها وفعالياتها وواقعها. ويقدم الأرشيف إضاءة للهبة الشعبية الطويلة، وبدأته به لأنني أعتبر الماضي بالغ الأهمية، وحجر الأساس للمستقبل، وعلينا جمع ما نعاصره من أحداث.

ووفق الشغوف بالوثائق، والذي تعرض لاعتقال إداري لعامين، فإن أول محطة وثقها كانت لأحداث يوم الأرض عام 1976، حين كتب بخط يده مجرياتها، وجمع قصاصات من الصحف تحدثت عنها، ويومها كان في التاسعة عشرة.

خسارة

يتابع أبو دوّاس: المضحك والمبكي أنني فقدت كثيراً من وثائقي وما ساعدني زملاء وأصدقاء على جمعه، فقد أخفيتها في مدخل الطابون خشية أن تقع في يد الاحتلال، الذي كان يقتحم بيتنا بحثًا عن أخي الراحل صلاح، ولم أخبر أمي بأمرها، إلى أن اعتقلت لأول مرة عام 1989. وحين خرجت، رحت أبحث عن أوراقي، فلم أجدها، فذهبت إلى والدتي، التي قالت مبتسمة إنها استخدمتها كوقود للطابون، وخافت من أن يهدم الاحتلال بيتنا بسبب البيانات وصور الشهداء والجرائد، فتحسرت على فقدانها.

خسر الراوي الكثير من البيانات الأصلية للقيادة الوطنية الموحدة، وقصاصات من صحف "القدس" و"الشعب" و"الفجر" و"الاتحاد"، ومجلة "البيادر السياسي"، وكتب كان يلاحقها الاحتلال كـ"الضحية تعترف"، و"فلسطيني بلا هوية"، و"خط المواجهة"، وغيرها.

يقول أبو دوّاس: تغير المفهوم الوطني بين واقع الانتفاضة، وما هو عليه الحال اليوم، فالالتزام الشعبي بالقرار الوطني كان متينًا، وكان للنداءات التي تلقى في الشوارع وقع خاص، وقوة قرارات تستطيع توجيه البلد بأكملها، وتسيّر أمورها، وسبب ذلك الحالة النضالية السائدة، والوحدة والتلاحم، والعمل الجماعي.

ويعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي لو كانت متوفرة حلال الانتفاضة، لما استطاعت فعل شيء، لأن (الفيس بوك) "كذبة كبيرة"، وبوسع من يحتسي القهوة، أو يجلس تحت جهاز تكييف أن يكتب ما يريد من بيانات، بينما كان التشاور لإعداد وتوزيع البيانات وطباعاتها عمل خطير، يعرض صاحبه للاعتقال والقتل، ولم يكن التداول بالبيانات أمرًا وهميًا، أو متاحًا لأي أحد لصياغته، بعكس البيانات الافتراضية اليوم، التي لا تخرج إلى الميدان أو تتحول إلى فعل أو تملك قوة. بيانات

يستعيد أبو دوّاس: كان الناس يتسابقون للحصول على نداءات الانتفاضة، التي توزع في جوف الليل، وكانت مجهولة المصدر وطريقة النقل، وأذكر أن شوارع طوباس كانت تخلو من البيانات مع أول بزوغ للفجر، وكانت الفصائل الوطنية كلها تساهم في توزيعها، ويُعاد إلقاء أبرز الفعاليات، وبخاصة الدعوة إلى الإضراب التجاري في مكبرات الصوت والمساجد، إضافة إلى الحرص على رقم البيان.

يتابع: كان للبيان رقم (6) قصة مختلفة، وانتظرناه بفارغ الصبر لأضيفه إلى أرشيفي؛ لأنه حمل التحدي لما يسمى قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال (عمرام متسناع)، الذي راهن على أن القيادة الموحدة لن تستطيع إصدار بيان تالي، بعد الوصول إلى مطبعة في أبو ديس، اتهمت بطباعتها. يضيف: لم تكن هوية القيادة الموحدة، التي شاع اختصارها (ق.و.م) معلومة لنا، وكان الفضول كبيراً لمعرفة آلية توزيعها، ولجنة صياغتها، وطرق نقلها وإيصالها للمناطق كافة في وقت متزامن.

وبحسب الراوي، فإنه عرف لاحقًا طريقة التمويه في توزيع البيانات، التي كانت تتم بمساعدة فتية، وباستخدام مركبات، وإشارات بسيطة كرمي سيجارة على الأرض في مكان ما، للدلالة على أمان المنطقة.

ومما يقرأه من البيان رقم (1):" على جميع قطاعات شعبنا البطل في كل مكان، الالتزام بالدعوة إلى الإضراب العام والشامل من تاريخ 11/ 1/ 1988، ولغاية مساء الأربعاء 13/ 1/1988، يشمل الإضراب كافة المرافق التجارية العامة والخاصة، وقطاع العمال، والمواصلات...وسيكون شعار الإضراب فليسقط الاحتلال عاشت فلسطين حرة عربية.

وجع

ومما لا يسقط من ذاكرة أبو دوّاس ووثائقه وتدويناته: اجتماع نساء طوباس على تخليص الشاب جهاد مساعيد من قبضة الجنود، وإفشال النساء لخطط اقتحام المنازل ومساعدتهن في توفير طرق آمنة بين البيوت، وحكاية الشهيدة رشيقة دراغمة التي حمت بجسدها الشبان من رصاص الاحتلال، وقصة الشاب عمار عبد الرازق، الذي أخبر أهالي الحي أنه سيرتقي شهيدًا بعد صلاة الجمعة، وأعد نفسه واغتسل قبل الصلاة. وحكاية الشهيد حكمت دراغمة، الشاب العائد من إجازته الدراسية في رومانيا، الذي قتله جنود الاحتلال، وألقوه بين حقول الزيتون وسمعهم المتوجهون إلى العمل يتحدثون بالعبرية عن شهيد في بلدهم، ولم يصل المواطنون له إلا بعد ساعات من البحث. وتسكنني قصة الشهيدين باسم ونازك صوافطة، حين قتلهما القناص ذاته في حارتنا يوم 21 كانون الأول 1987، بفارق وقت قصير.

درس أبو دوّاس في طوباس للصف الخامس، ثم انتقل إلى جمعية المشروع الإنشائي العربي في أريحا، بعدها تعلم فني طباعة في دار الأيتام الصناعية بالقدس، وعمل في السعودية والأردن خمس سنوات، وحصل قبل ذلك على المترك الإعدادي، وعاد إلى دراسة الثانوية العامة بعد انقطاع 13 عاماً، وانضم للدراسة الجامعية عقب عشرين سنة، لكنه لم يكمل، وانتقل إلى الأمن الوطني، والتحق بالعمل الإداري في جامعة القدس المفتوحة منذ عام 2004، وهو اليوم أمين سر جمعية الهلال الأحمر، وأمين الصندوق لجنة الزكاة، ورئيس جمعية طوباس التعاونية للثروة الحيوانية، وناشط مجتمعي.

توثيق

بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس والأغوار الشمالية عبد الباسط خلف إلى أن الوزارة تعكف على إنتاج سلسلة ومضات مرئية لمناسبة السنوية الخمسين للنكسة، من خلال سرد حكايات لأول الشهداء والأسرى والجرحى، ولوصف أول قصف لشاحنة كانت تقل نازحين إلى الأردن، ولرصد تدمير تجمعات الحمة والدير والساكوت في حزيران 1967.

وأضاف: أنتجنا قبل أيام فيلمًا قصيراً تتبع عطش الأغوار ونهب الاحتلال لمياهها، قدمته 14 من صحافيات طوباس الصغيرات، المشروع الذي ترعاه الوزارة وجمعية طوباس منذ خمس سنوات، بالشراكة مع مركز التعليم البيئي، وجاء الفيلم بالتعاون مع مجموعة الهيدرولوجيين.

شارك هذا الخبر!