فلسطين و الطاقة النظيفة

بقلم/ عبد الحق قنداح

تمثل قلة الموارد الطبيعية و الثروات المعدنية معاناة للفلسطينيين ، لكن المعاناة الأكبر تكمن في ندرة مصادر الطاقة التقليدية كالنفط و الغاز و من ارتفاع اسعارها بما يوازي أغلى مدن العالم عدا عن الآثار المدمرة على المناخ و التي تؤثر في المحددات الاجتماعية و البيئية للصحة مثل الهواء و مياه الشرب والغذاء ، لذلك و انطلاقاً من هذه الأسباب يسعى الفلسطينيون لحلّ هذه المعضلة بايجاد مصادر بديلة عن الوقود الاحفوري و قد وجدوا ضالتهم في مصادر الطاقة المتجددة.

يأتي هذا التوجه تماشيا مع التوجهات العالمية المتزايدة لاستغلال مصادر الطاقة البديلة ، أن التوجه في فلسطين يتركز نحو طاقة الشمس والرياح والحرارة الجوفية للأرض؛ وذلك لعدم وجود مساقط مائية في فلسطين ، والاتجاه العالمي يزداد يوما بعد يوم؛ وذلك بعد تفاقم الأضرار الكبيرة الناجمة من مصادر الوقود الأحفوري ومخاطرها الواضحة على صحة الإنسان والبيئة على حد سواء، والتي نرى أبرز تجلياتها من خلال ظاهرة الإحتباس الحراري، وتقلبات المناخ، واتساع ثقب الأوزون، وتساقط الأمطار الحمضية في أكثر من منطقة، بالإضافة إلى تلويث البحار المتكرر من جراء تسرب النفط إليها في حوادث عدة ، فضلا عن ارتفاع أسعار الوقود الأحفوري واحتمالية نفاذه باعتباره من المصادر غير المتجددة؛ وقبل هذا وبعده، مخاطر الأمراض المختلفة، التي تسببها الغازات السامة والضارة الصادرة عن احتراق الوقود .

وتكللت محاولات الفلسطينيين بالنجاح الى حد ما باستغلال الطاقة الشمسية، وبشكل خاص في الحصول على المياه الساخنة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وبات السخان الشمسي مكون اساسي في كل بيت فلسطيني، لكن توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية بقيت تجربته محدودة ومرتبطة بمسائل بحثية او بنشاطات الهيئات المانحة لمساعدة سكان المناطق المحرومة، وهناك محاولات أولية في استغلال طاقة الرياح، وأيضا طاقة الأرض الجوفية ، وما زالت كل هذه التطبيقات في الطور الجنيني ولكنها تعد بالكثير.

وشهدت كل المبادرات والمحاولات الفردية والجماعية في هذا الاتجاه دعماً من المؤسسات الرسمية ، ولكن الطريق ما زال في بدايته ؛ فقد أدركت أهمية البحث عن مصادر للطاقة البديلة ، خاصة إذا عرفنا أن فلسطين تقع على بعد 30 درجة شمال خط الاستواء ؛ ما يعني أن الطاقة الشمسية التي تسقط على كل متر مربع فيها تقدر بثلاثة آلاف كيلو واط/ساعة، وهى نسبة عالية جداً بالمفهوم الايجابي ، كما تتمتع فلسطين بما يزيد عن 300 يوم مشمس في السنة ؛ الأمر الذي يجعلها من أفضل المناطق في استغلال الطاقة الشمسية، ويجعل الاستثمار في هذا الجانب ممكنا .

التكلفة البدائية لاستخدام الطاقة الشمسية احد أكثر مصادر الطاقة النظيفة المستخدمة في فلسطين مكلفة إلى حد ما؛ بحيث يجب على المواطن الذي يرغب في إنتاج الطاقة الكهربائية من الطاقة الشمسية شراء الخلايا الشمسية ، و بطاريات تخزين وملحقاته ويمكن استرداد ثمن هذه التكلفة في سنوات قليلة ؛ بحيث يحصل المواطن بعدها على طاقة كهربائية مجانية لعدة سنوات إذا لم تكن بحاجة للصيانة ، و يعد سعر الكيلو وات الواحد من الكهرباء الناتجة عن الطاقة الشمسية مساوٍ تقريبا لسعر الكيلو وات الواحد الناتج من الكهرباء العادية .

توجد العديد من العراقيل امام تحقيق ثورة الطاقة النظيفة في فلسطين لعل أبرزها ندرة الأبحاث والدراسات الفلسطينية التي تتناول مواضيع الطاقة المتجددة ، وعدم وجود خرائط توضح حركة الرياح وأماكن سطوع الشمس الفصلى، وخصائص التربة والمناخ والجدوى الاقتصادية ، وكذلك عدم توفر أجهزة لتنفيذ القياسات الميدانية لتوزيع الحرارة في طبقات الأرض، وأيضًا أدوات الحفر اللازمة للعمل، وارتفاع تكلفة التجهيزات، وارتفاع تكلفة تخزين الفائض من الطاقة، لعدم وجود آليات لربطها بالشبكة المركزية، بالرغم من وجود بطاريات قادرة على شحن الفائض وتفريغه، عدا عن الحاجة الى تدريب المستخدمين على أعمال الصيانة .
الوقود الأحفوري و المناخ

اعتمدت البشرية لعدة عقود على الوقود الأحفوري الذي يتميز بخصائص، منها سهولة نقله وتخزينه، لكنه تسبب في تغيرات مناخية حادة لكوكب الأرض ، ويعتمد تركيب الوقود الأحفوري على دورة الكربون في الطبيعة ، ويستخرج من المواد الأحفورية كالفحم الحجري، والفحم النفطي الأسود، والغاز الطبيعي، ومن البترول .

ومن سيئات استخدام الطاقة الأحفورية احتراق الوقود الأحفوري الذي يعد من عوامل تلوث الهواء والتسبب في الاحتباس الحراري الناتج بدوره عن غازات تغلف المجال الجوي وتمنع الانعكاس الحراري الصادر عن الأرض من انتقاله إلى خارج الكوكب، مما يسبب ارتفاعا في درجات حرارة الأرض، ويزيد التصحر والجفاف .

ودعت مجموعة من العلماء والاقتصاديين في بيان تزامن مع “يوم الأرض” في أبريل/نيسان 2015 إلى ضرورة أن تظل ثلاثة أرباع احتياطيات الوقود الأحفوري في باطن الأرض إذا أريد للإنسانية أن تتجنب أسوأ تأثيرات تغير المناخ .

وقالت المجموعة في “بيان الأرض” إن ثلاثة أرباع احتياطيات الوقود الأحفوري يجب أن تظل في باطن الأرض إذا أريد لحرارة الأرض ألا تتعدى الزيادة درجتين مئويتين، وهي “الحد الآمن” المتفق عليه من قبل الحكومات .

على مدى السنوات الخمسين الماضية تسببت الأنشطة البشرية ، وخصوصاً إحراق الوقود الأحفوري ، في إطلاق كميات من ثاني أوكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة تكفي لحبس المزيد من الحرارة في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي ومن ثم تؤثر في المناخ العالمي وخلال المائة سنة الماضية ارتفعت درجة حرارة العالم بمقدار 0.75 درجة سلسيوس تقريباً ، وعلى مدى العقود الثلاث الماضية تسارع معدل الاحترار العالمي اكثر من اي عقد منذ 1850، ومستويات سطح البحر آخذة في الارتفاع والأنهار الجليدية آخذة في الذوبان كما أن أنماط الهطول آخذة في التغيّر، والظواهر الجوية المتطرفة تزداد شدة .

يقف العالم اليوم على مفترق طرق شديد الانعطاف ، فلا بدّ له ان يتخذ خياراً حاسماً فإما أن يستمر في سياسة الاستهلاك الكبير للوقود الاحفوري ، و ما ينجم عنه من من مخاطر ستزداد قسوة آثارها مع مرور الزمن ، و إما أن يعطي المجال الأكبر و الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة ، و التي بدأت العديد من الدول الاعتماد عليها بشكل كبير.

على دول العالم و خاصة الدول الصناعية أن تفكر بمستقبل البشرية و الأجيال القادمة ، و أن نسخر كافة الإمكانيات لوقف هذا الموت البطىء الذي يفتك بالكرة الارضيّة .

المقالة تعكس وجهة نظر الكاتب ولا تمثل وجهة نظر شبكة فلسطين الاخبارية PNN
Print Friendly, PDF & Email