لماذا ترفض اسرائيل حل الدولة الواحدة

بقلم/ سمير عباهرة

الخطاب الذي القاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الامم المتحدة وأمام الجمعية العامة كان رسالة واضحة للمجتمع الدولي وتحديدا لإسرائيل والولايات المتحدة وبقية دول العالم الاخرى سواء التي تتعاطف مع اسرائيل او تلك التي تطالب بحل عادل للصراع على اساس حل الدولتين. وكان الخطاب بمثابة الصاعقة التي نزلت على رؤوس هؤلاء في اسرائيل عندما اشار الرئيس الفلسطيني الى ان حل الدولة الواحدة في فلسطين التاريخية هو الخيار الاخر في ظل رفض اسرائيل لحل الدولتين. فقد خيم على قاعة الجمعية العامة صمت رهيب اثناء اطلاق الفلسطينيين سلاحهم الجديد ضد الاحتلال الاسرائيلي من على منبر الامم المتحدة وأكدوا للعالم اجمع بأن الفلسطينيون طلاب سلام وليسوا طلاب حرب فقد رفضتم حل الدولتين والآن بات على المجتمع الدولي التعاطي مع حل الدولة الواحدة.
لفترة طويلة ماضية من الزمن كنا لا زلنا نقرأ ونسمع التزام دول العالم وتحديدا الدول الكبرى ذات المكانة والتأثير في السياسة الدولية بحل الدولتين وربما نأتي على ذكر روسيا والصين وفرنسا وعموم دول الاتحاد الاوروبي ومنهم من يقف على مسافة واحدة من طرفي الصراع ومنهم من يقترب اكثر من إسرائيل حتى باتت المواقف السياسية ذات الطابع النظري لتلك الدول غير كافية لإحداث نقلة نوعية على الصراع الفلسطيني الاسرائيلي فهذه التصريحات عمرها الزمني انتهى وربما يزداد عمرها الافتراضي الى سنوات طويلة قادمة.
صحيح ان الامم المتحدة استجابت لوعد بلفور وأعطت الضوء الاخضر لقيام دولة اسرائيل على مساحة واسعة من فلسطين، لكن من يستطيع تصحيح مسار ذاك القرار هو مجلس الامن الدولي والتي تمتلك الخمسة دول الكبرى حق النقض الفيتو لتعطيل اي قرار او تمريره وإنجاحه وبات مجلس الامن المسئول الاول عن حفظ الامن والسلم الدوليين والعمل على حل الصراعات والنزاعات الدولية بما فيها الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.
نعم الدول صاحبة الحق في استخدام الفيتو هي المسئولة المباشرة الان عن مأساة الشعب الفلسطيني وما دامها ليست قادرة على فرض حل الدولتين فالفلسطينيون تقدموا بطلب لاعتماد حل الدولة الواحدة.
اسرائيل كانت اعربت عن مخاوفها مبكرا من ان تصل الامور الى ما وصلت اليه في مطالبة الفلسطينيين بحل الدولة الواحدة بحكم ان ذلك يشكل ضربة موجعة للهوية “اليهودية” فلذلك سارع سياسيون ومثقفون اسرائيليون واستبقوا الاحداث بتوجيه سهام نقدهم لأوروبا عندما فتحت باب الهجرة امام الجماعات الاسلامية بعد احداث سوريا وحاولت التواصل مع حركات اليمين في اوروبا للوقوف ضد هذه التوجهات الاوروبية لئلا تصبح اوروبا نموذجا يحتذى به دوليا ويضم في جوانبه هويات وقوميات مختلفة تمس بالهوية الثقافية للدول القومية الاوروبية وتنطوي على مخاطر امنية مستقبلية.
ان الجدال بين المؤيدين بأنه سيكون ممكنا ان يدمج في الدول الأوروبية سكان مسلمون كثيرون والساعين إلى الحفاظ على التعريف الوطني التقليدي للدول الاوروبية اتسع كثيرا. وفي إسرائيل أيضا يدور جدال كهذا بين أولئك الذين يريدون تغيير طابعها اليهودي وأولئك الذين يريدون تعزيزه.وانطلق اليمين الاوروبي في معارضته للهجرة العربية والإسلامية من معطيات المساس بالطابع الثقافي لأوروبا عندما يتحول المهاجرون الى قوة انتخابية تؤثر على مستقبل البلاد السياسي بما يشكل انتحارا وطنيا. ومن هنا انبرى الساسة الاسرائيليون لمقاومة الاندماج الفلسطيني ضمن حل الدولة الواحدة باعتبار ان ضم نحو ما يقارب اربعة مليون فلسطيني من سكان المناطق لإسرائيل سيجعل نحو 40 في المئة من مواطني الدولة اليهودية عربا مسلمين مما سيؤثر على الطابع اليهودي لدولة الكيان ومن هنا كانت المطالبة بالاعتراف بيهودية دولة اسرائيل لقطع الطريق على حل الدولة الواحدة. ويشير الساسة الاسرائيليون الى ان هذه الدولة في غضون وقت غير طويل ستصبح جزءاً من العالم العربي؟ الجالية اليهودية فيها ستصبح أقلة عرقية ودينية، مثل الأكراد في العراق أو المارونيين في لبنان وسيكون من الصعب ان نتوقع من أغلبية جمهور الناخبين التي ستحكمهم هويتهم الوطنية، حيث يحلم اليمينيون ان تبقى اسرائيل معقلا صهيونيا يدافع عن مصالح العالم الغربي ضد الاسلام الراديكالي وضد القومية العربية.
ويتذرع الاسرائيليون بأن استيعاب السكان ذوي الهوية العرقية، الدينية والثقافية المختلفة تماما عن السكان الأغلبية، هو تحد قاس للدولة القومية الليبرالية، وان كان مثل هذا المشروع يمكن أن يتحقق بالتدريج وعلى مدى فترة طويلة نسبيا، ويعتبرون ان فكرة تضاعف إسرائيل التي تعرف نفسها دولة يهودية وغربية عدد سكانها المسلمين، وتحافظ على هويتها ليست عملية سهلة بل وخطيرة وهذا يفسر الصعوبة في جعل أجزاء اسرائيل مع الفلسطينيين وحدة سياسية واحدة.
الذين يتنكرون لحل الدولتين ويقفون ضد توجهات الدولة الواحدة من زعماء اليمين عليهم لن يدركوا جيدا ان سياسة معسكر اليمين هي التي باتت تشكل الخطر الوجودي على اسرائيل والاعتراف بان سياسة الحكومة الحالية هي التي ستجعل إسرائيل دولة عربية ـ إسلامية.

المقالة تعكس وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة أن تعكس وجهة نظر شبكة فلسطين الاخبارية PNN

 

Print Friendly, PDF & Email