عرس المصالحة في غزة، ماذا بعد؟

رشيد شاهين

أما وقد انفض “سامر” زيارة الوفد الحكومي إلى قطاع غزة، واللقاءات “الودية” و”تبويس” اللحى الذي جرى هناك بين قطبي “كارثة” الانقسام فتح وحماس، انقسام دفع ثمنه بشكل أساس الأهل في القطاع، فان الأنظار باتت الآن معلقة بانتظار ماذا سيجري في القاهرة.

لا بد من الإشارة إلى ان العديد من القضايا ما زالت “تتعارك” في عقل المواطن تحتاج إلى إجابات شافية عافية، لا يجوز المرور عليها و”المغمغة” أو “الغمغمة” عند طرحها.

الترحيب الذي شاهدناه من أهالي غزة للوفد الحكومي، كان بمثابة مؤشر على رأي الشارع في الانقسام الذي استمر لعشرة أعوام حيث عانى اهالي القطاع الأمرين، وعليه فمن غير المستبعد خروج الناس مرحبين مهللين، فالغريق يتعلق بقشة من اجل النجاة.

يذكرني موقف أهالي غزة بذاك الذي كان يحدث في بغداد خلال سنوات الحصار على العراق، وكيف كان الناس يراهنون على كل ما يمكن ان يكون مجرد بارقة أمل قد تسهم بإنهاء الحصار الذي كانوا يعانون منه.

المواطن الغزي بخاصة والفلسطيني بعامة ما زال يتساءل عن لماذا استمر الانقسام كل هذه المدة؟ ولماذا تشن ثلاثة حروب على القطاع خلالها؟ ولماذا يسهم طرف فلسطيني في معاناة القطاع عبر سياسات غير مفهومة كقطع الكهرباء والرواتب،،الخ؟ وهل كان القطاع بحاجة لكل ذلك حتى نصل الى “المصالحة”؟ وأين هو دور الفصائل الفلسطينية في المنظمة، ولماذا يتم جر الشعب الفلسطيني برمته الى انقسام بسبب خلافات بين حماس وفتح؟.

هل كان صعود حماس ونجاحها المدوي في الانتخابات التشريعية هو احد الأسباب الرئيسة لذلك؟ وهل كان ما تطرحه حماس من شعارات مقاومة ومحاولتها بناء “ترسانة” عسكرية لمقاومة الاحتلال السبب الأكثر أهمية؟ ام ترى عدم اعترافها بدولة إسرائيل هو السبب الأهم؟

هذه الأسباب وغيرها أدت الى ما حدث خاصة في ظل “تماهي” طرف فلسطيني مع رغبات الكيان وعديد من الأطراف “عربية وغير عربية”، وخاصة فيما يتعلق بموضوع السلاح والاعتراف بالكيان.

بعيدا عن كثير من القضايا التي تمت خلال عقد مضى، والتي منها موقف حماس من سوريا وموقفها من الإرهاب في مصر، إلا اننا لا نرى ان حماس تغيرت كثيرا عما كان عليه الحال قبل أشهر معدودات.

المتغير الرئيس الذي حدث هو التقارب بين حماس ودحلان، وهذا بتقديرينا احد أهم الأسباب التي دفعت بالغريم الفلسطيني” أبو مازن” للمسارعة الى اتخاذ قرار بضرورة الإسراع في “المصالحة”، (وهو يذكرنا هنا بهرولة عرفات الى اوسلو خوفا من تشكل قيادة بديلة خلال الانتفاضة الأولى)، الأمر الذي أدركته حماس والتقطته بشكل سريع، فأعلنت عن حل اللجنة الإدارية، الأمر الذي اعتبره عباس مؤشرا على صدق نوايا حماس.

ليس من المصلحة ان يتم رفع التوقعات فيما يتعلق بالمصالحة، خاصة في ظل تصاعد التصريحات في الجانب الفتحاوي والتي كان آخرها من جبريل الرجوب فيما يتعلق بسلاح المقاومة، حيث الإصرار على موضوع السلاح الواحد أو لا سلاح سوى سلاح السلطة. الأمر “أي السلاح” الذي نعتقد أنه المطلب الأساس لدولة الاحتلال وما عداه لا يمثل أية مشكلة، حيث يمكن التعامل معه بمرور الوقت.

الحديث عن المصالحة لا يكفي عبر تصريحات تؤكد على الحرص عليها، في ظل تصريحات “مسمومة” لا تشير الى نوايا طيبة، وإنما الى ان هنالك من لا يريد ان تتم هذه المصالحة بشكل حقيقي، فبدلا من اعتبار سلاح المقاومة عامل قوة وضغط على الاحتلال، يسهم طرف فلسطيني عمليا من خلال المواقف والتصريحات بمحاولة الإساءة الى هذا السلاح.

الخشية من عدم إتمام المصالحة تأتي بسبب وجود برنامجين متضادين، أحدهما يؤكد ان لا مقاومة إلا المقاومة السلمية، وهو برنامج فتح، والآخر برنامج مقاوم يؤمن بان من حق الفلسطيني استخدام كل أنواع المقاومة بما في ذلك الكفاح المسلح وهو برنامج حماس.
هذا التناقض “الصارخ” بين البرنامجين قد يكون احد أسباب عدم اكتمال المصالحة، برغم ان حقيقة “الانفصال” الجغرافي بين الضفة والقطاع، قد يساعد على تلافي هذه المشكلة من خلال التوصل الى “توليفة” ما، تخدم هذا الانفصال، ويتم الإبقاء على سلاح المقاومة في القطاع.

على أية حال، وحيث يتطلع الفلسطيني لوضح حد للانقسام، فلا بد من ممارسات ملموسة على الأرض كي يقتنع بأن “عجلة” المصالحة “تدور”، وقد يكون من بين تلك المسائل إلغاء حقيقي لكل ما اتخذ من خطوات سابقا بحق القطاع مثل الرواتب والكهرباء ،،،الخ.

كما ان من الضروري ان يتوقف “الجانب الفتحاوي” عن التساوق مع مطالب الاحتلال والضغط على حماس ل”تليين” او “تغيير” مواقفها مثل الاعتراف بالكيان، علما بان الكثير من الأحزاب الصهيونية لا تعترف حتى بوجود شعب فلسطين. بالإضافة الى ذلك فان أهم ما سيميز المصالحة هو تفعيل دور المجلس التشريعي حيث بدون سلطة تشريعية لا يمكن للحياة السياسية ان تستقيم، خاصة وان عشرات القوانين تم سنها في غياب وجود مجلس تشريعي بشكل صحيح.

Print Friendly, PDF & Email