ستة مليون اعتذار بقلم : حمدي فراج

بعد بضعة ايام تحل ذكرى مرور مئة عام بالتمام والكمال على وعد بلفور المشؤوم ، لم تكن كافية على ما يبدو ان تراجع بريطانيا العظمى نفسها إزاء الظلم التاريخي التي اوقعته على الشعب الفلسطيني ، بل على العكس تماما ، فاخرت حكومتها بهذا الوعد الذي اسس لانشاء دولة اسرائيل وفاخرت بالعلاقات النوعية التي تربطها بها ، ومن أجل ذلك اعلنت انها ستقيم احتفالات خاصة بالمناسبة المئوية ، ما يكشف بوضوح أكاذيب بريطانية امتدت لثلاثين سنة ما بين الوعد عام 1917 وبين قيام الدولة عام 1948 ، من انها كدولة انتداب في فلسطين كانت تقف على الحياد ازاء الصراع بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي ، إذ ان افتخارها بالوعد بعد مرور مئة عام واقامة الاحتفالات الرسمية يكشف دورها التاريخي التأسيسي التمويلي التسليحي التهجيري لهذا الكيان ، بما في ذلك صك العملة و شعار الدولة والوان العلم .
لم تكن بريطانيا بالطبع هي الدولة الوحيدة التي عمدت على انشاء هذا الكيان ، فلقد ساعدتها فرنسا بإنشاء اول مفاعل نووي بعد اقل من ثلاث سنوات على قيام هذه الدولة ، وألمانيا التي التزمت بتقديم ما يزيد على مئتي مليار دولار تعويضا عن افران هتلر ، ثم جاءت امريكا لتحل محل كل هذه الدول مجتمعة واعتمدت اسرائيل الولاية الحادية والخمسين من ولاياتها ، بل ان احدهم وصفها بما هو اهم من ذلك وأخطر : الحزب الثالث في امريكا بعد الديمقراطي والجمهوري . ولهذا ليس غريبا ان نرى الاحتفالات بوعد بلفور تتخطى بريطانيا واسرائيل .
في فلسطين ، التي لربما لم يبق احد على قيد الحياة قد شهد الوعد ، لكننا شهدناه نحن على جلود اجدادنا وجداتنا ، ابائنا وامهاتنا ، فقرا مدقعا ، جوعا بهيما ، عراة حفاة ، في عشرات مخيمات اللجوء التي انتشرت في اصقاع المنطقة العربية يناهزون ستة ملايين لاجيء مسجلين رسميا لدى وكالة الغوث الدولية لم ينفع معهم التجنيس ولا التوطين البديل لفلسطينيتهم المسلوبة .
إن مطلب القيادة الفلسطينية ان تتقدم بريطانيا العظمى بالاعتذار عن وعد بلفورها ، هو مطلب متواضع يحمل في ثناياه مسحة البحث عن مسامحة مفترضة ، هي اقرب الى المستحيل ، رسخته بريطانيا باعلان فخرها بالوعد والاحتفال به ، والاعتذار سيتسبب في استحقاقات جديدة اقلها ان تعترف بريطانيا بدولة الشعب الفلسطيني ، وتعمل على اعادة اللاجئين الى وطنهم ، وهذا بدوره سيخلق اشكالات اخلاقية مع الدولة العبرية . دون ذلك لن يكون للاعتذار اي قيمة ، حتى لو قدمت بريطانيا ستة ملايين اعتذار ، فهناك مثل هذا العدد قد اصبحوا تحت التراب لا تنفع معهم الاعتذارات .

Print Friendly, PDF & Email