بريطانيا لا تعتذر نحن نعتذر بقلم : حمدي فراج

أما وأن بريطانيا العظمى رفضت ان تعتذر عن وعد بيلفور في ذكرى مرور مئة سنة على تقريره وصكه ، بل انها تعتبره مفخرة من مفاخرها و احياء احتفال كبير في عاصمتها دعت اليه بالطبع رئيس وزراء اسرائيل ، فإنه يترتب على الطرف الآخر المتمثل هنا في الشعب الفلسطيني الذي صدر الوعد بحقه وحق ارضه ان يتقدم هو بالاعتذار لبريطانيا ولاسرائيل معا .

نعم ، لا بد حين يختلف طرفان في موضوع واحد ، من ان يكون احدهما على خطأ والثاني على صواب ، وها هي بريطانيا ترفض الاعتذار رغم مرور كل هذا الزمن الطويل ، في اشارة واضحة انها لم تكن على خطأ ، بل ان فخرها بالوعد يؤكد انها كانت على صواب ، هذا يعني اننا كنا ، وبالطبع ما زلنا ، على خطأ .

نعتذر نحن ابناء الشعب الفلسطيني الاحياء منا لبريطانيا العظمى ملكة وحكومة وشعبا على ما اقترفناه بحقها ، حين قامت باستعمارنا لنحو ثلاثة عقود ، نعتذر للسير آرثر بيلفور على عدم رضوخنا للوعد الذي يمنح فيه اعداءنا وطنا قوميا لهم في بلادنا ، نعتذر اننا قاومنا هذا الوعد مئة عام ، ما يوازي ثلاثة أجيال الى اربعة ، رحل خلالها الاجداد والاباء والابناء ، غالبيتهم العظمى في مخيمات اللجوء ، على محياهم مسحة حزن مؤبدة ، ودمعة غائرة في المآقي ان أحلامهم في العودة الى مسقط رأسهم قد تبدد ، نعتذر عن ان الاحفاد الصغار قد كبروا دون ان ينسوا كما راهنت الصهيونية ، نعتذر عن ذاكرتهم الجمعية التي من الواضح انها كانت فوق طاقتنا لانه قد تم توارثها على ما يبدو واصبحت جزءا من الجينات ، نعتذر للدول الشقيقة والصديقة التي تحملت اعبائنا في الخيام التي آوتنا عشرات السنين ثم تطورت الى مساكن من صفيح ، نعتذر لوكالة الغوث الدولية التي قدمت لنا الطحين وعلب السردين والزيت والعجوة والملابس البالية والتي كان يطلق عليها “البكجة” ، مما ارهق ميزانية هذه الوكالة وجعلها تتوقف عن تقديم ذلك ، نعتذر عن مقاومتنا للدولة الوليدة سبعين سنة ، نعتذر عما يناهز مليون فلسطيني انخرطوا في مقاومة الاحتلال واضطره الى الزج بهم في سجونه ، نعتذر عن ثلاث انتفاضات شعبية معاصرة خلال الثلاثين سنة الاخيرة ، وخاصة انتفاضة اطفال الحجارة ، فهؤلاء مجرد أطفال لا يجب ان يؤاخذوا على جرائرهم وجرائمهم .

نعتذر عن نخبة طلائع شعبنا في الفكر والادب والابداع والتميز ابراهيم طوقان عبد الرحيم محمود ، غسان كنفاني كمال ناصر ابي سلمى توفيق زياد ماجد ابو شرار فدوى طوقان ناجي العلي راشد حسين سميح القاسم ادوارد سعيد اميل حبيبي عبد اللطيف عقل عز الدين المناصرة وديع حداد اميل توما احمد حسين اسماعيل شموط جبرا جبرا معين بسيسو ، والقائمة تطول ، شكلوا احراجا لعظمة بريطانيا ما دفعت اسرائيل الى اغتيال الكثيرين منهم .

في احتفال اتفاقية اوسلو بحديقة البيت الابيض قبل ربع قرن قال رابين : “جئناكم من البلاد التي يدفن فيها الاباء ابناءهم” ، يقصد من الوطن الذي منحه لهم بيلفور ، لم يكن بعد قد قام يهودي آخر اسمه ايغال عامير بوضع حد لحياته .

Print Friendly, PDF & Email