غريب عسقلاني حكاية الوجع الفلسطيني بقلم/ نعمان فيصل

القلائل من أهل الشهرة ونباهة الذكر مَن صاغوا مستقبلهم بإبداعاتهم دون مساعدة الغير، حتى أصبحوا أرقاماً كبيرة، وحروفاً بارزة في أسفار الزمن، ونبراساً يضيء طريق المعرفة والثقافة في دروب المجد والشهرة، ومن هؤلاء الكاتب والأديب غريب عسقلاني، الذي حركت النكبة – بكل تداعياتها فيه – الطاقة المتفجرة في وجه الظلم، وحياة التشرد في المخيمات، والتي بلورت شخصيته الأدبية، وزرعت فيها قيم الانتماء الوطني الصادق، فانتفض على القهر والجور والهوان؛ بسبب ما لحق بوطنه، ليستبدل به الأمل من خلال تراثه وإبداعاته، حين ولج ميدان الكتابة، ولوج الرائد والراوي في حركة دائمة، وأفكار متجددة.
تسنى لي مقابلته في منزله عدة مرات، وكم كنت مرتاحاً لابتسامته العريضة، وحديثه العذب، وبالرغم من أنه يركض نحو السبعين، شعرت أنني أمام طاقة فريدة لم تقهرها السنون.
ولد القاص والروائي إبراهيم عبد الجبار الزنط، والشهير بلقب (غريب عسقلاني)، في الرابع من نيسان/ أبريل 1948م في مدينة المجدل، وكان سادس اخوته العشرة لوالد يعمل تاجراً للحبوب والمواد التموينية، وفي عام نكبة فلسطين (1948) لجأت عائلته إلى مخيم الشاطئ بمدينة غزة، وكان عمره آنذاك أقل من سنة، وكغيرهم من الفلسطينيين يتخبطون ولا يدرون شيئاً عن مصيرهم، إذ كانت النكبة هي الحدث الأهم في حياة كل إنسان فلسطيني عاصرها، أو عايشها، وقد صاغت تجربة اللجوء وحياة المخيم وعي غريب عسقلاني، كباقي أترابه، وتركت تلك المؤثرات آثارها البيّنة في تفكيره.
وفي ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة نشأ الأديب غريب عسقلاني، وتلقى دراسته الابتدائية في مدرسة هاشم بن عبد مناف (الهاشمية)، في فترة ما بعد الظهر، ودرس الاعدادية في مدرسة غزة الجديدة للاجئين بمخيم الشاطئ، وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة فلسطين عام 1965م، وكان محباً للغة العربية وآدابها وثقافتها العريقة العظيمة.
وآثر الأديب غريب عسقلاني أن يسلك سبيل التخصص العلمي، فغادر غزة يدفعه العزم والأمل، ميمماً وجهه شطر مصر العروبة، والتحق بكلية الزراعة في جامعة أسيوط، ثم انتقل إلى جامعة الاسكندرية، واستطاع بعد تصميم وعزم، وإرادة قوية أن يحوزَ على شهادة البكالوريوس في (الاقتصاد الزراعي) عام 1969م، بتقدير جيد جداً.
وأثناء دراسة عسقلاني الجامعية، وقعت حرب حزيران عام 1967، واحتلت إسرائيل قطاع غزة، فاعتبرت كل مَن كان خارج القطاع بعد احتلاها يوم 5 حزيران 1967م في عِداد النازحين، ورفضت قوات الاحتلال السماح لهم بالعودة إلى القطاع، وبهذا المقياس الإسرائيلي أصبح غريب عسقلاني نازحاً، ليعيش حياة اللجوء مرة أخرى، وتتقطع به السُبل.
وبعد تخرجه من الجامعة، تأزمت الأمور في وجه عسقلاني، حيث لم يجد مفراً إلا السفر إلى الأردن، أسوة بأخته الكبيرة التي هاجرت إلى مخيم الوحدات، ولعلَّ الرجل يجرب حظه مع المهاجرين الذين كانوا في ذلك العهد يرحلون عن البلاد؛ بسبب الظروف القاسية التي يعيشونها طلباً للرزق في أرض الله الواسعة، أو هروباً من مطاردة الاحتلال، ولكن المناخ العام بالأردن كان ملبداً بالغيوم والعواصف في تلك الفترة الدقيقة، إذ صادف انتقال عسقلاني إلى حياة المخيم هناك بداية الغليان الذي تطور بشكل دراماتيكي، وقُدر له أن يعيش أحداث أيلول المؤلمة، التي قلبت الموازين رأساً على عقب، فكان ينفعل ويتألم لما يجري، فانخرط في العمل الوطني في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، ككادر سياسي.
لم يجد الأديب غريب عسقلاني سبيلاً سوى مغادرة الأردن، فسافر إلى سوريا، والتحق بتنظيم حركة فتح في شمال سوريا، ما أتاح له زيارة معظم مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان، والتعرف على أوضاعهم البائسة، فكان دائم التأهب للمساعدة والخدمة، وسجل الرجل إسهاماً ملموساً في تطوير التنظيم هناك، وبالتوازي عمل مهندساً زراعياً في مؤسسة (استثمار حوض الفرات) في مدينة الرقة بسوريا، لتوفير العيش الكريم؛ إلا أن شوقه وحنينه إلى مدينته غزة ما برح فؤاده، وتزوج من ابنة خاله القادمة من غزة بتصريح زيارة عام 1972، واغتنم عسقلاني مناسبة ميلاد ابنه الأول (سامر) الذي ولد في غزة، فكان من حسن طالع الابن على أبيه، أن يكون هذا الابن سبباً في عودة أبيه إلى الوطن المحتل.
عاد عسقلاني إلى الوطن بعد اغتراب قسري، بواسطة طلب (جمع شمل العائلات)، تقدمت به زوجته نيابة عن الابن الرضيع (القاصر)، للسلطات الإسرائيلية المحتلة في قطاع غزة، والتي كانت تفرض قيوداً ثقيلة على عودة النازحين الفلسطينيين إلى وطنهم المحتل، ولم تسمح بالعودة إلا في حدود ضيقة جداً، ومنها أنه: (يحق للابن أن يطلب عودة أبيه).
وفور عودته إلى القطاع، كان متلهفاً للعمل في مجال تخصصه النادر، وهو (الاقتصاد الزراعي)، لخدمة بني وطنه، غير أن سلطات الاحتلال رفضت هذا الطلب، إذ كانت معظم أعمال هذا التخصص توكل للموظفين الإسرائيليين فقط، ضمن سياسة الحرمان الممنهجة التي كانت تمارسها سلطة الاحتلال منذ عام 1967م.
وبدأ الأديب غريب عسقلاني حياته العملية مدرساً في حقل التعليم لطلبة الثانوية العامة، خلال الأعوام (1974-1994م)، ودرَّس مادتي الاحياء والفيزياء في مدرسة عبسان الثانوية للبنات، ثم الفالوجة للبنين، فمدرسة فلسطين، وأخيراً في مدرسة الكرمل الثانوية، وكان معلماً من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وهو يبث علمه الغزير بعزيمة جبارة لا تلين، وهمة عالية لا تعرف الكلل أو الملل؛ لبناء شخصية عربية تحب الفضيلة والخير، وتعزف عن النزوات، وقد تعلمت أجيال على يديه، تحلت بهذه الصفات الفذة، ممن انعقدت لهم في الأدب والعلم ألوية، واستقام لهم في الفكر العربي مكان.
وأثناء عمله كمعلم تهيأت له فرصة للحصول على دبلوم الدراسات العليا من معهد البحوث والدراسات الإسلامية بالقاهرة عام 1983م، وكان يعمل بصمت وسكينة بعيداً عن الأضواء، ويؤمن بالتطوير واللحاق بركب العلم والمعرفة.
وبعد توقيع اتفاقية أوسلو، وعودة السلطة الوطنية الفلسطينية لأرض الوطن، عمل أديبنا غريب عسقلاني في وزارة الثقافة الفلسطينية، وتولى مع أضرابه مسؤولية النهوض بالثقافة في هذه الفترة المهمة، فكلف بالعديد من المهام، فكان مديراً للإبداع الأدبي، وناطقاً إعلامياً لمعرض فلسطين الدولي للكتاب، ومديراً لدائرة الإعلام الثقافي، ومشاركاً في الكثير من النشاطات الثقافية في فلسطين وخارجها، ومثَّل فلسطين في موسم ربيع الثقافة الفلسطينية في باريس عام 1997م، وكان غيوراً ونموذجاً للمثقف الفلسطيني ما أكسبه احترام وتقدير الجميع.
غريب عسقلاني القاص والروائي:
أدرك الأديب غريب عسقلاني بفطرته العارفة أن المطالعة والقراءة هما سبيل المعرفة والثقافة، متمثلاً قول أبي الطيب المتنبي شيخ شعراء العربية، الذي أشاد بالكتاب ومجده، واعتبره خير جليس، وخير أنيس، حيث قال في قصيدة له قبل أكثر من ألف عام:
أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب

وكانت تستهوي عسقلاني كتب الأدب والفكر والتاريخ، فنهل من هذه المناهل، وروي عن سعة، وقد ساعده ذكاؤه وعزيمته على الإدراك الفطن، والنضج العقلاني المبكر، ليكون مثقفاً واعياً، ومن روافد الثقافة الفلسطينية، فانضم مع نخبة من أبناء جيله منذ عام 1976م إلى اللجنة الثقافية في جمعية الهلال الأحمر بقطاع غزة، يجمعهم الهم الثقافي، ويؤرقهم مصير أمتهم المشردة، وكان السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ماذا نكتب في جو الاحتلال الخانق الضاغط للتعبير عن الشقاء والبؤس في ظل الظروف الصعبة التي خلفها الاحتلال؟ فلكل مواطن في غزة قصة ومشكلة، فاقت كل الحدود، وأكبر من أن تكون حكاية؛ كانت بداية قصيدة لم تكتمل.
وما من شك، أن اللجنة الثقافية بجمعية الهلال الأحمر بقطاع غزة بقيادة الدكتور حيدر عبد الشافي منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين اجتذبت ضروباً متعددة من أبناء قطاع غزة من طلاب العلم والكتّاب والمثقفين، فكانت الحاضنة للمشهد الوطني والفكري، والمنارة التي تسهم في نشر الثقافة، وتخدم الأدب والأدباء، والجسر المتواصل مع الكتّاب الفلسطينيين في القدس، ورام الله، وحيفا، وعكا، والناصرة.
ولا يفوتني أن أذكر في هذا السياق أن عسقلاني شارك في سلسلة من الأعمال التطوعية منذ عام 1976م، والتي كانت تنظمها جمعية الهلال الأحمر مع العديد من البلديات والجامعات في الضفة الغربية وفلسطين المحتلة عام 1948م، مثل: (جامعة بيرزيت، وبلدية الناصرة).
ومن خلال هذه الجمعية الرائدة، تهيأ لغريب عسقلاني أن يلتقي برجال بارزين في الأدب والشعر من أمثال: أميل حبيبي، وتوفيق زيّاد، وسميح القاسم، وأميل توما، وغيرهم، فتفتحت مواهبه الإبداعية القصصية، فنال الإعجاب، خاصة عندما خاض غمار مسابقة جامعة بيت لحم عام 1977م في القصة القصيرة، ولفت إليه أنظار أميل حبيبي الذي كان يرأس لجنة تحكيمها.
ومن هنا بدأ مشوار غريب عسقلاني الأدبي، واستلهم الطريق الذي اختطه لنفسه نحو الصعود إلى القمة، وصوّر بقلمه أروع اللوحات الأدبية، والمقالات النقدية التي تدور في فلك الوطن، وتنبض بآلامه، وتنزف لأوجاعه، ولاقت كتاباته رواجاً في العديد من الجرائد والمجلات الفلسطينية، ومنها (القدس، والفجر، والشعب، والبيادر السياسي، والاتحاد، الغد، والجديد في حيفا)، وقد استقبل القراء نصوصه بالحفاوة والترحاب، وذلك لتفرده بأسلوب مميز وممتع، ومعبّر في ذات الوقت، وعمق المقاصد الثقافية والوطنية في فكره المستنير.
ومن المعروف أن الاسم الحقيقي لغريب عسقلاني هو (إبراهيم الزنط)، وأما عن سبب تسميته باسم مستعار (غريب عسقلاني) الذي صار معروفاً وينادي به، فلذلك قصة ودلالة ذات مغزى، فكان معظم الكتّاب الفلسطينيين يعملون تحت بيئة صعبة في ظل احتلال إسرائيلي ظالم، والذي كان يفرض رقابة صارمة على كل المنشورات والمطبوعات وقتئذ، رغم المحاذير الكثيرة لذلك، لا سيما وأن معظمهم كانوا يعملون في وظائف حكومية، وتحاشياً للرقيب الإسرائيلي المحتل اختار معظم الكتّاب أسماء مستعارة، للتخفي عن رقابة قوات الاحتلال، فاختار كاتبنا اسماً مركباً هو (غريب عسقلاني)، أما “غريب”، فهو مشتق من الغربة عن وطنه الأم (مسقط رأسه)، وأما “عسقلاني” فتدل على مدينته التي هاجر منها، وهي (مجدل عسقلان).
ولغريب عسقلاني مكان الروّاد من بين الذين عرفناهم، أو قرأنا لهم في تاريخ الرواية الفلسطينية، والتي تدور موضوعاتها حول الوطنية والكفاح الوطني وحب الوطن والواجب نحوه، وتلمس المصداقية في كتاباته، والبُعد عن التنمق في الألفاظ والعبارات.
ويسّر الله له أن ينشر أعماله الأدبية المتعددة، ليتسنى للقارئ والدارس الاطلاع عليها والرجوع إليها وهي: (رواية الطوق)، وكان الغرض من إصدارها إلقاء الضوء على الطوق الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي على جزء من مخيم الشاطئ في عام 1970، لمطاردة مجموعة فدائيين حوصروا في المخيم، إذ كان أسلوب فرض سياج من الأسلاك الشائكة حول جزء من المخيم، وعزله عن الحياة حدثاً هاماً وتحولاً لافتاً في الممارسات الإسرائيلية أثناء مطاردتها للفدائيين، وقد لاقت هذه الرواية ترحيباً كبيراً في فلسطين وخارجها، ما شجعه على المضي في الكتابة.
وفي عام 1982م أصدر كاتبنا عسقلاني روايته الثانية، وهي (زمن الانتباه)، والتي تناول فيها مشاركة اليسار “الحزب الشيوعي” في الثورة المسلحة، كما أثرى غريب المكتبة العربية والعالمية بالعديد من رواياته القيمة والمفيدة، وهي: (نجمة النواتي 1999، وجفاف الحلق 1999، وزمن دحموس الأغبر 2001، وليالي الأشهر القمرية 2001، وعودة منصور اللداوي 2002، وأزمنة بيضاء 2005، وضفاف البوح 2006، الأميرة البيضاء 2007، أولاد مزيونة 2009، وهل رأيت ظل موتي 2011، والمنسي 2016).
وقدم أديبنا عسقلاني للخزانة العربية العديد من المجموعات القصصية الهادفة التي تتابع القضية الفلسطينية في جميع مراحلها، وتعبر عن رأيه وأحلامه، وهي: (الخروج عن الصمت 1979، ومجموعة حكايات عن براعم الورد 1991، النورس يتجه شمالاً 1996، وغزالة الموج 2003، وعزف على وتر قديم 2005، ومذاق النوم 2010).
كما نشر عسقلاني الكترونياً مجموعات قصصية هي: أول المرايا، ومقامات الوجد، والعزف على الوتر الثامن، وغناء لقمر بعيد، والتي ضمها كتاب أعماله القصصية الكاملة الذي صدر عام 2017.
وقد شارك أديبنا عسقلاني بقصص قصيرة في أكثر من مجموعة مشتركة باللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وكذلك في موسوعة الأدب الفلسطيني الحديث في الولايات المتحدة الأميركية باللغتين العربية والإنجليزية، الصادرة عن مؤسسة (بروتا)، والتي تشرف عليها الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي.
وتأتي الصعوبة من إصدار أحكام وتقديرات غير صائبة، أو صادقة منصفة، خاصة أننا نعيش في عصر مشبع بالأقاويل إلى درجة التخمة، فلم تسلم روايات عسقلاني من النقد والاتهام، فقد اتهمه البعض بمحورية المخيم في كتاباته، ولم يكن غريب يضيق من هذا الاتهام، بل أوجز في رده على منتقديه في جرأة ووضوح قائلاً: (أعترف بأني سعيد بهذه التهمة، والمخيم هذا الطارئ المقيم الذي زودني بالخمائر الأولى للقصة والرواية، وربّاني على فطرة الحكاية البكر، وتجلياتها الإنسانية، فامتدت في وجداني ذاكرة لا تغيب، كما الوطن الذي لم يغب، فهل أغادره؟).
وقد تعزى الأستاذ غريب فيما وجه إليه من اتهامات بما لاحظه وقرره من أن المرء لا يكاد يجد كتاباً واحداً لم يتناوله الأدباء بالنقد؟ وأقول: حتى لا يُبخس الناس أشياءهم، وحتى يرد الفضل إلى أهله وذويه، فالعمل الأدبي ثمرة من ثمار الحب والحنين إلى مرتع الصبا، فالصبا ليس فترة من فترات الحياة، بل هو حالة من حالات الفكر، والرواية هي تعبير عن المجتمع.
فالمخيم في كتابات عسقلاني هو ابن النكبة وأهوالها، وهو الهاجس المؤرق، ومصدر الألم المستديم، الذي كرَّسَ له من جهده ووقته الشيء الكثير، وعُني به خير عناية، يعطيه قلبه وتفكيره وحديثه، كما قال الشاعر:
مدينتي أحبَبْتُها محبةَ البنينْ
وإن نَسِيتُ عهدَها لِتَنْسَنِي اليمينْ

وقيل لأعرابي: أتشتاق إلى وطنك؟
فقال: (كيف لا أشتاق إلى رَمْله، فقد كنت جنين ركامه، ورضيع غَمَامه). وهذه أيضاً قناعة غريب عسقلاني.
ولا شك أن كل ما كتبه وسجله غريب عسقلاني من تراث كان (الحكاية) التي تدور في أجواء الوطن، ويتناقله أبناؤه جيلاً بعد جيل، وتشكل قسماً من الذاكرة الفلسطينية في تلهفها للتعرف على الجذور، وتأكيد الذات، وتسجيل حلم كبير لشعب كبير، ما زال يناضل للوصول إلى جميع حقوقه.
وحظيت قصص وروايات غريب عسقلاني بشهرة وشعبية واسعتين في فلسطين والعالم العربي، وترجم كثير منها إلى لغات دول مختلفة، وحاز على العديد من الجوائز وهي: جائزة القصة القصيرة من جامعة بيت لحم في عام 1977م، وجائزة اتحاد كتّاب فلسطين عام 1991م، وجائزة اتحاد الكتّاب العرب عام 2016م، وقلّده الرئيس محمود عباس (أبو مازن) رئيس دولة فلسطين وسام الابداع والتميز في عام 2016م، تقديراً لإسهامه الإبداعي في مسيرة الثقافة الوطنية الفلسطينية.
كما قُدمت عن أعماله الإبداعية ثلاث رسائل ماجستير، حتى كتابة هذه السطور، في مقدمتها الرسالة التي قدمت في جامعة أبو ديس بالقدس، والتي أشرف عليها الدكتور حسن السلوادي، والثانية التي قدمت في الجامعة الإسلامية، وأشرف عليها الدكتور نبيل أبو علي، والثالثة التي قدمت في جامعة الأزهر، والتي أشرف عليها صلاح حميدة، كما كتب عنه العديد من الكتّاب والأدباء والمؤرخين.
وكان القاص والروائي غريب عسقلاني عضواً مؤسساً لاتحاد الكتاب الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، ويتولى الآن رئاسة اتحاد الكتّاب والأدباء الفلسطينيين في قطاع غزة، كما يشغل منصب الأمين العام المساعد للاتحاد حتى يومنا هذا، ومثّل الاتحاد في العديد من المؤتمرات والمنتديات الأدبية في الدول العربية والأجنبية.
ولا أنسى، في هذا السياق، أن أشير إلى أكثر المظاهر مدعاة للحيرة من وجهة نظر الأديب غريب عسقلاني ما عبّر عنه بالقول: (أُطل على الدنيا من شرفة قطار السبعين، حاملاً مشكاتي، وأسئلتي الأولى تطن في رأسي عن دور الكاتب والأديب في الحياة، وهل ما قدمته وجيلي سيصمد في وجه عاتيات الزمن الآتي؟ يلازمني الأرق بكتابة الأجمل والأجدى الذي لم أكتبه بعد، فيطل وجه أمي التي هرب حليبها خوفاً في الهجيج الأول، تحضنني بدموعها، تتحسس فقراتٍ عظم ظهري، وتحدث نفسها “ليش جيتوا في زمن النحس؟”. هل رافقنا النحس؟ وعلى أي صور؟ ربما التفرس في وجوه الناس في الأحياء الفقيرة، وتجمُّع بيوت الصفيح، وحواري المخيم بعد كل حرب، وقراءة أسئلة توفير الحد الأدنى للحياة، تجيب على أسئلة المفارقة، وترجُم الأديب بأسئلة جديدة: فهل أنا فاعل؟ وهل من ركب قطار الكتابة من بعدنا فاعلون؟).
وأقول لكاتبنا رداً على تساؤلاته تلك: بالرغم من كل هذه المعاناة، والإبحار وسط أمواج هائجة في بحار مضطربة للوصول إلى بر الأمان المنشود، إلا أن تساؤلاتك، وبالرغم من المتغيرات الأيديولوجية والحياتية والسياسية وغيرها، إلا أنها ما تزال كما كانت قبل دقات ساعة السبعين عندك؛ ولكن بقوة الإرادة والإيمان بالحق التاريخي لنا، سنهزم الواقع المرير، وستزهر الأرض القاحلة بأزهار الحنون بألوانه المختلفة، وسيغني الربيع أغاني وأهازيج الانتصار، وكلنا ثقة بأن الشعب الفلسطيني الذي صمد طوال ألوف السنين، وبرغم جميع المآسي والكوارث والحروب والاحتلالات، لا تنطبق عليه قوانين الهزائم، ولن يُقضى عليه، بل سيعود مهما تلبد الأفق بالغيوم، وطال الدرب، وتأخر زمن القطاف، كما عاد بعد كل محنة مرت به!! ويبقى الأمل والخير في الغد:
يعيش بالأمـــلِ الإنسانُ فهــــــــو إذا
أضاعَهُ زال عنه السعيُ والعملُ

لم يعبدْ الناس، كل الناس في زمنٍ
سوى إلهٍ له شــــأنٌ هــــو الأمل

فهنيئاً لكاتبنا وأديبنا الكبير غريب عسقلاني بما حققه من نجاح، ودعوات من القلب لسنوات عديدة قادمة يعيشها، وهو يرفل بالصحة والتوفيق، ليبقى نبراساً وقدوة في ذاكرة الأجيال الفلسطينية الناشئة.

Print Friendly, PDF & Email