تقرير جول: كاس العالم من الالف للياء

بيت لحم/PNN- قبل عدة أشهر من إقامة بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، جول يروي في سلسلة خاصة كواليس المونديال منذ النشأة وحتى يومنا هذا.

الحرب العالمية الثانية هي أصعب تجربة إنسانية عاشتها البشرية، خصوصاً وأنها ضربت معظم دول العالم، ومات على إثرها 50 مليون شخص، وقضت على الأخضر واليابس وتوقفت فيها فكرة جول ريمي 12 عام، وماتت أجيالاً ذهبيةً بسببها، وأنهكت الدول ودمرت البنية التحتية الرياضية خاصة في أوروبا.

سوف نسرد ماحدث في مونديال 1950 من كواليس قبل وأثناء البطولة في هذا التقرير الشامل.

فشل الاتحاد الدولي في إقناع الدول الأوروبية في استضافة المونديال، نظراً لعدم وجود موارد اقتصادية تكفي لبناء الملاعب بعد التدمير. وكانت البرازيل تريد تنظيم كأس العالم 1942 وأُجهضت الفكرة بسبب الحرب، وعاودت تقديم الملف وعرضته على الفيفا التي وافقت على عرض السامبا وقامت بالإعلان عن مونديال 1950.

كانت لدى الفيفا مهمة شاقة للغاية، تتمثل في تجميع الدول والمنتخبات للمشاركة في البطولة تحت مظلة كرة القدم، في ظل سوء العلاقات السياسية بين الجميع بسبب ويلات الحرب.

وبوجود منتخب السيليساو صاحب الضيافة، حاولت الفيفا إقناع منتخب إيطاليا حامل لقب كأس العالم 1934 و1938، وكانت ضعيفة للغاية وقتها بسبب تحطم طائرة تورينو 1949 التي راح على إثرها جل نجوم الآتزوري، وبسبب تدمير الأندية والملاعب أثناء الحرب. غير أن الاتحاد الدولي لكرة القدم استطاع إقناع الطليان بالمشاركة بانتظار تحديد مصير 14 منتخباً للمشاركة في البطولة .. سبعة فرق أوروبية وستة فرق لاتينية وفريق من آسيا.

تم منع ألمانيا واليابان من المشاركة بسبب موقفهما في الحرب العالمية، فيما قررت إنجلترا المشاركة في البطولة بعدما انضمت للاتحاد الدولي 1946 عقب سنوات طويلة من العزلة. كما رفضت بلدان الاتحاد السوفيتي والمجر وتشيكوسلوفاكيا رفضت المشاركة في البطولة، وامتنعت الأرجنتين أيضاً بسبب الصراعات السياسية مع البرازيل، بجانب تركيا التي عصفت بها الأزمات الاقتصادية. فيما طلبت فرنسا المشاركة في البطولة وتم الموافقة على طلبها.

جرت القرعة في مدينة ريو دي جانيرو في 22 مايو 1955، وتم تقسيم البطولة لأربعة مجموعات

المجموعة الأولى : البرازيل، المكسيك، سويسرا ويوغوسلافيا
المجموعة الثانية : إنجلترا، تشيلي، إسبانيا والولايات المتحدة
المجموعة الثالثة : إيطاليا، الهند، باراجواي والسويد
المجموعة الرابعة : أوروجواي، بوليفيا وفرنسا.

بعد القرعة قرر منتخب الهند عدم الذهاب لكأس العالم بسبب تكاليف السفر بالرغم من أن الفيفا عرض أن يتحمل جزءً كبيرًا من النفقات، ولأن الهند أعلنت موقفها قبل البطولة بأيام فكان من الصعب دعوة منتخب بدلًا منها. وقد بررت الهند موقفها برغبة اللاعبين في اللعب دون أحذية وهو ما يتنافى مع قواعد اللعبة، ولكن تم تسريب أخبار من الصحافة الهندية تؤكد أن القرار جاء بسبب مشاكل مالية فقط.

انسحبت فرنسا أيضا لعدم توفر المبلغ المطلوب للانضمام للمجموعة الرابعة، فالوقت أيضًا لم يكن كافيًا، ما أدى لانطلاق البطولة بـ13 منتخباً فقط، لتصبح المجموعة الرابعة مكونة من منتخبين فقط.

البرازيل جهزت البطولة بطريقة رائعة عن طريق اختيار ستة ملاعب كبيرة لاستضافة الحدث .. وقد فاجأت العالم بتدشين ملعب الماراكانا قبل البطولة فقط، وقد شارك في تأسيسه 6500 عاملًا ومهندسًا، وأشرف على المشروع أكبر سبع مهندسين في البرازيل، منذ البدء في تأسيسه في يوم 2 أغسطس 1948. وبعدما تأسس جزءً كبيرًا منه قبل كأس العالم 1950، تم تكملة الملعب بعد الملعب.

كان الشعب البرازيلي متأهبًا للغاية. وتوقع الجميع فوز منتخب البرازيل باللقب نظراً لتطور الكرة هناك وضعف الفرق الأوروبية بعد الحرب. وقد كان يقتضي نظام البطولة أن يلتقي متصدر كل مجموعة من المجموعات الأربع في مجموعة نهائية .. هذا النظام لم يحدث إلا في هذه البطولة. ولذلك لم تكن هناك مبارة نهائية ولا مبارة مركز ثالث.

المجموعة الأولى كانت رائعة فيوغسلافيا فاجأت الجميع بانتصارين على المكسيك وسويسرا، بينما انتصرت البرازيل على المكسيك وتعادلت مع سويسرا في مفاجأة غريبة. حيث نجح المنتخب الأوروبي تسجيل الهدف القاتل في الدقيقة 88، وهو ما كشف بوادر معاناة زملاء نيلتون سانتوس، جاير وأديمير من قلة التركيز وعدم القدرة على الحفاظ على التفوق، وهو ما سيتأكد لاحقًا.

وكانت مباراة يوغسلافيا والبرازيل تعد نهائي المجموعة، وقد أبدعت البرازيل في هذا اللقاء رغم الانتصار الصغير نسبيًا بهدفين نظيفين.

بالنسبة للمجموعة الثانية، فقد توقع الجميع أن تكتسح إنجلترا، نظراً لضخامة الكرة الإنجليزية ورفضها سابقاً اللعب في المونديال لأنهم كانوا يشعرون بأنهم أعلى من الجميع. وبالفعل هزم منتخب الأسود الثلاثة تشيلي بهدفين وبدأت إسبانيا البطولة بفوزٍ صريح على أمريكا بثلاثة أهدافٍ مقابل هدف.

وبينما كانت إنجلترا ستواجه أمريكا، توقعت الصحافة البرازيلية أن ينتصر البريطانيون بسهولة … أراح والتر بوتوم مدير إنجلترا الفني ستاني ماثيوس – الذي حصد فيما بعد جائزة الكرة الذهبية 1956 – لتجهيزه لمباراة إسبانيا الفاصلة. وقد أرسلت الصحافة الإنجليزية مراسلين ومصورين لتغطية البطولة ووضعوا كاميراتهم خلف مرمى منتخب أمريكا لتصوير أكبر قدر من الأهداف التي ستسكن مرمى منتخب العم سام.

لكن حلت الصاعقة على الإنجليز بانتصار أمريكا بهدفٍ نظيف، وعندما أرسلت الصحف الإنجليزية بالتلغراف خبر هزيمة إنجلترا أمام أمريكا اعتقد الإنجليز أن الرسالة خاطئة، وأن كاتب البرقية نسي يكتب 10 لصالح إنجلترا! وصفتها الصحف الإنجليزية بأنها مأساة حقيقية واتهمت الحظ أنه ساند أمريكا بعد إهدار منتخب إنجلترا عشرات الفرص.

أما منتخب إسبانيا، فكان قويًا جداً بقيادة تيلمو زارا أسطورة أتلتيك بلباو، وبالفعل لقن إنجلترا درساً قاسياً وانتصر بهدفٍ نظيف لزارا وخرجت إنجلترا بخفي حنين .. وفي النهاية اقتنعت إنجلترا أن العالم تطور وأصبح يلعب كرة قدم أفضل منهم.

المجموعة الثالثة انتهت بتصدر السويد على إيطاليا بعد أن فازت عليها بثلاثة أهدافٍ مقابل هدفين، وتعادلت مع باراجواي، فتصدرت المجموعة التي لعبت بثلاثة منتخباتٍ فقط بعد انسحاب منتخب الهند. فيما سحقت أوروجواي منتخب بيرو بثمانية أهدافٍ نظيفة وتصدرت المجموعة الرابعة.

تأهلت رسمياً للدور الثاني منتخبات البرازيل وإسبانيا والسويد وأوروجواي لتدور بينهم رحلة تحديد البطل.

وبعدما سحقوا السويد (7-1) وبينما تعادلت أوروجواي مع إسبانيا بهدفين مقابل هدفين في أولى جولات الدور الحاسم، صدرت البرازيل الرعب للعالم بالفوز على إسبانيا (6-1) وانتصرت أوروجواي بصعوبة على السويد بنتيجة (3-2).

قبل المبارة ضد الأوروجواي كان يكفي السيليساو التعادل للفوز باللقب، في الوقت الذي ضمنت فيه السويد المركز الثالث بالفوز على إسبانيا (3-1).

أقيمت المباراة التي عُدَّت نهائي البطولة بين أوروجواي والبرازيل في ملعب ماراكانا الرهيب 16 يوليو 1950، وظلت الصحافة العالمية تتحدث عن أن البرازيل ستكتسح أوروجواي وتحقق اللقب بسبب أدائها الهجومي، كما أنه قبل عام تفوقت البرازيل على أوروجواي بنتيجة (5-1) وحققت البطولة.

الغريب أن بلدية ريو دي جانيرو طبعت 22 ميدالية ذهبية بأسماء لاعبي المنتخب .. شوارع المدينة في غاية الجمال وكرنفالات الشوارع وامتلأ ملعب الماراكانا ب200 ألف متفرج …. مدرب منتخب أوروجواي خوان لوبيز طالب لاعبوه بالدفاع وعدم الاستماع إلى المدرجات نهائياً.

البرازيل تتقدم عن طريق فاريسا في الدقيقة 47 .. المدرجات تشتعل .. البرازيل تهاجم وأورجواي تدافع.

فجأة انقلبت المباراة بتسجيل خوان ألبيرتو سكيافينو هدف التعادل لأوروجواي في الدقيقة 66.

الجماهير بدأت تشعر بالقلق الشديد .. حتى الدقيقة 79 البرازيل بطلة كأس العالم لأول مرة في تاريخها، وفجأة انطلق ألسيديس جيجيا لاعب أوروجواي من الناحية اليمنى ليلعب كرة صوب المرمى، مستغلًا تقدم الحارس باربوسا الذي ظن أن منافسه سيلعب كرة عرضية تقدم قليلاً … وفجأة، انقلب الحلم إلى كابوس.

البرازيل تهاجم والجماهير تبكي وتسب حارس منتخب البرازيل باربوسا الذي أصبح بالنسبة لهم ملعونًا للأبد … الغريب أن باربوسا كان أفضل حارس في البطولة، وكان يصنع التمريرات لزملائه وكان مثلاً أعلى للبرازيليين.

خسر المنتخب الأبيض المباراة وخرجت الصحافة تبكي على ضياع الحلم بسبب باربوسا، ليعيش الحارس منبوذا طوال تاريخه ويصبح مدقع الفقر، وقد وصل به الحال قبل كأس العالم 1994 إلى درجة رفض مدرب منتخب البرازيل كارلوس ألبيرتو تواجده في معسكر المنتخب، معتبرًا أنه سيجلب لهم النحس!

قال باربوسا وقتها جملة صعبة للغاية “أكبر عقوبة في البرازيل هي السجن 30 عاماً، لكنني أدفع منذ 43 عاما ثمن جريمة لم ارتكبها”.

أقيمت 22 مباراة في البطولة شهدت تسجيل 88 هدفاً بواقع أربعة أهدافٍ في كل مباراة وهي حصيلة رائعة جداً. وقد تُوِّج نجم البرازيل الأول آنذاك أدمير هدافًا للبطولة بـ8 أهداف، وكانت البرازيل أقوى هجوم في البطولة ب22 هدفًا.

جيجيا صاحب الهدف الأول لمنتخب أوروجواي كان آخر لاعب على قيد الحياة خاض المباراة …. توفي في 16 يوليو 2015 في الذكرى الـ65 من النهائي الذي أصبح يُعرف في البرازيل فيما بعد “الماراكانازو”، والذي قرر بعده الاتحاد البرازيلي الاستغناء عن الرداء الأبيض للأبد واستبداله بلباسه الحالي بالقميص الأصفر والسروال الأزرق.

انتهت البطولة التاريخية بفوز أوروجواي بلقب كأس العالم للمرة الثانية في تاريخها، لتعادل إيطاليا ويبدأ العالم في الاستعداد للمرحلة المقبلة التي ستشهد تطورات كبيرة في عالم كرة القدم، وهذا مانستعرضه في الحلقة المقبلة.

المصدر: جول. 

The Brazilian national soccer team poses before its World Cup first round match against Mexico 24 June 1950 in Rio de Janeiro. (Standing, from L : Ely Do Amparo, Juvenal, Augusto, Danilo Alvim, Barbosa, Bigode; front row, from 2nd L : Maneca, Ademir, Baltazar, Jaïr, Friaca) AFP PHOTO (Photo credit should read STAFF/AFP/Getty Images)
Brazilian forward Ademir (C) watches the ball go into the net as he scores his team’s opening goal past Swedish goalkeeper Kalle Svensson during their World Cup final round match on July 09, 1950 at Maracana stadium in Rio de Janeiro. Ademir scored four goals as Brazil beat Sweden 7-1. (Photo credit should read STAFF/AFP/Getty Images)
Print Friendly, PDF & Email