عمّروا السلاح… لا تقفوا عند الشارة الحمراء

بقلم/ عيسى قراقع
رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين

تعمير السلاح، ليس في الحرب ولا في صراع الجيوش والغزوات ، وانما في وجه الاطفال الفلسطينيين المعتقلين المكبلين المهانين بعد خطفهم من نومهم وأحلامهم، وهو السلاح الذي يسمونه (السلاح الطاهر) سريع الاطلاق، الجاهز للقتل والدقيق في الاصابة، المغمس بدماء الآلاف من ابناء شعبنا الفلسطيني، وهو دائما عامرا بالرصاص، الاصابع جاهزة وبسهولة للضغط على الزناد.
تعمير السلاح في وجه السكان المدنيين ، وابقاء القناصة على اهبة الاستعداد لإطلاق النار الكثيفة حتى على طيارات الورق في سماء غزة، فالتعليمات ان اقتلوا مطلقي الطائرات الورقية ، يوجد ارهاب الطائرات الورقية، فكل هؤلاء الاولاد الذين يطلقون الطائرات الورقية يجب ان يدخلوا في الفوهة والهدف ، هذا ما دعا اليه العقيد الاسرائيلي “رونين ايتسيك” لمواجهة مسيرات العودة السلمية على السياج الحدودي في قطاع غزة.
تعمير السلاح وتوجيه البنادق نحو اي حركة في الشارع او على الحاجز او خلف شباك ولمجرد الاشتباه، أعدموا كل شيء حتى لو لم يشكل خطرا على حياة جنودهم ، لا رحمة لطفل او فتاة او عامل او مركبة ، فقد اعدمت سلطات الاحتلال الاسرائيلي 250 مواطنا اعداما ميدانيا تعسفيا منذ عام 2015، فكل فلسطيني يسبب الارتجاف والهلوسة والجنون لدولة اسرائيل ومصيره فقط القتل.
تعمير السلاح بالذخيرة الحية وليس برصاص المطاط، ذخيرة فتاكة متفجرة مميتة، والمشهد الاروع لدولة اسرائيل ان ترى الفلسطينيين جثثا مقتولين او جرحى او معاقين على عكازات ، محطمة ركبهم وأياديهم ، جنازات في كل مكان تثير البهجة لدولة تعشق الموت وتقدس الحرب.
الطفل الاسير الجريح حسين اياس شاهين من مخيم الدهيشة، 16 سنة، اعتقل الساعة الخامسة فجرا من بيته ، وجرى الاعتداء عليه خارج المنزل، طرحه الجنود على الارض واجبروه على القرفصة وهو معصوب الاعين ومكبلا، لم يراع الجنود اصابته السابقة بالرصاص التي ادت الى قطع الشرايين والاوردة في ركبته اليسرى، كان يتألم بسبب الضرب المستمر باعقاب البنادق على كافة انحاء جسمه وخاصة على رأسه الذي اصيب بجرح كبير ونزف الكثير من الدماء دون تقديم اي علاج.
التف الجنود حول الاسير شاهين على شكل دائرة وقد عمّروا السلاح واشهروه، وكان يسمع صوت السلاح، الرصاص في بيت النار، حركات الزناد، رعب وخوف وفزع، يسمع اصواتهم وتكالبهم وهم ينعتوه بالارهابي، الجنود كانوا يقومون بالعدّ على مسمعه من واحد الى ثلاثة ويعمّروا السلاح في اشارة بأنهم سوف يطلقون على رأسه النار، جو عسكري وضع فيه الطفل شاهين يشبه حال من هو مقبل على عملية اعدام.
الاسير الطفل عمرو حميدان 15 سنة، سكان قرية بدو قضاء القدس، اقام الجنود حوله حفلة هستيرية للسلاح، ضربوه بوحشية بأعقاب البنادق على رأسه، وكان الجو ماطرا والارض مليئة بالوحل والطين، الجنود ضغطوا على رأس الاسير حميدان حتى انغمس في الوحل، احدهم قام بخنقه وشد رقبته الى درجة ان فقد التنفس، جندي آخر عمّر السلاح ووجه ضربة قوية ببندقيته على ظهر الاسير، ضربات قاسية ببسطار عسكري لإحدى المجندات.
الاسير حميدان كان يشم رائحة البارود ، لا يسمع سوى قعقعة السلاح، وجهه غارق في الوحل تحت وابل الضربات، كل لحظة كان يتوقع ان تطلق رصاصة عليه، فالجندي هو العامل الحاسم الآن في هذه المعركة التي تدور حول جسده في هذا الجو المشحون بالسلاح.
تعمير السلاح ، التعامل الوحشي، جنود يضحكون وجنود يضربون باعقاب البواريد ، جنود يضربون على الظهر والكتف، اعتقال شخص او عشرة، قتل شخص أو عشرة ، هذا امر يوحدّ دولة اسرائيل.
تعمير السلاح، نشوة الدم التي عبر عنها احد الجنود الاسرائيليين عندما قال : اعتقدت انني في داخلي ارغب في اطلاق النار على مخلوق حيّ، ربما لارى حالة الانتقال من الحياة الى الموت، صوبت الى العنق انتابني شعور باللذة والنصر.
تعمير السلاح هي يوميات معارك جيش الاحتلال مع اطفالنا وشبابنا، مضامين وحكايات ذات طابع عسكري ، هنا حاصروا بيتا واحاطوه بالبنادق والمسدسات،وهنا قتلوا طفلة، وداخل الجيب العسكري تنهال اعقاب البنادق بالضرب على اجساد الاسرى المبطوحين المقيدين، هي مهمات تاريخية يقوم بها كل جندي اسرائيلي، انهم يعيدون كيان الدولة اليهودية القوية القائمة على حد السيف، وهي صفحات بطولية وقومية يفتخرون بها تستحق النياشين والاوسمة ، روح عسكرية عنيفة تجعل من وعي الاسرائيليين مغلقا داخل معسكر متضخم بالحديد.
تعمير السلاح هي المحاكم الميدانية التي يكون فيها الجندي هو القاضي والجلاد، لا حاجة للشهود، فاسرائيل دولة مشهد عسكري، جيش ومخابرات وقضاة عسكريون، ورموز عسكرية حتى في الادب والشعر والمسرح والاعياد، الاستعداد المفرط للعنف، استبعاد قوانين الاخلاق والعدل ونزع الصفة الانسانية عن الآخر .
بعد سبعين عاما على النكبة، لا زال صوت السلاح يدوي في الذاكرة الفلسطينية ، قتلى ومذابح وطرد واناشيد عسكرية، صوت جنرالات الحرب تلقى الاوامر: ضعوا الرصاص في بيت النار، اطلقوا النار على الأطفال والرجال والنساء والاشجار.
تعمير السلاح يفتح مذكرات الضباط والجنود الاسرائيليون، البومات صورهم، فقد افرغوا الرصاص بالاسرى المكبلين عام 1948، امطروا الجثث بالرصاص في هستيريا مذهلة، كانت الرصاصات بارزة على الجثث مثل المسامير ، بحر من الدم، دم الواحد يمتزج بدم الآخر ، حمام من الدم، هكذا وصفت الكاتبة الاسرائيلية نتيفا بن يهودا يوميات حرب 1948.
القتل والنهب والسرقة، صكصكة السلاح والصراخ والشتائم خيمت على المكان، الدماء تغلي، رجال الكوماندوا مسحوا البيوت عن بكرة ابيها ،إنهم الابطال الذين يحملون السلاح ويعتمرون القبعات الحمراء، لا رحمة ولا قوانين حرب، شارون يأمر جنوده باطلاق النار على نساء قرية قطنه عام 1948 ، خرج اربع ضباط في الليل وقتلوا امرأتين من سكان القرية خرجتا لجلب الماء، هذا ما كتبه عوزي بنزيمان عن شخصية شارون الذي وصفه لا يقف عند الشارة الحمراء.
تعمير السلاح ، هو نشيدهم في حرب النكبة على لسان شاعرهم العسكري “حاييم حيفر”:
الوجبة الاولى هي البندقية
التي أحببتها مع رصاصات الموت
سنعد لك وجبة مع رصاصات الموت
الوجبة الثانية هي القنبلة
التي أحببتها مع شظايا الموت
سنعد لك وجبة مع شظايا الموت
سنعد لك وجبة ….

Print Friendly, PDF & Email