صباح الخير يا جمال بقلم : حمدي فراج

“صباح الخير يا جمال” ، لن يحول موتك ان اوجهها لك في القبر ، لأنك كنت تعرف ان الموت لا يستطيع احتواء الحياة ، لا يستطيع احتواء خرير جدول يعكف على غسيل ارضه المحتلة ، لا يستطيع احتواء زقزقة عصفور صغير جائع ينشد منقار امه ، ولا جمال فتاة تتفجر انوثتها في ريعان بلوغها ، لا يستطع احتواء افكار الناس و ابداعاتهم وتضحياتهم منذ ان انتصبوا على قائمتين وامتشقوا قلم .

كنت تعرف أن الظلم من الانسان على أخيه الانسان ، انما هو بحد ذاته موت ، وأن الثورة عليه انما هي حياة ، بل هي الحياة ، وأن اي تساوق مع هذا الظلم ، أيا كان هذا التساوق ، تساوما وتحايلا وتقايضا انما هو شكل من أشكال الموت ، يؤجل احيانا ذهابنا الى القبر بعض الوقت لا أكثر ولا أقل فأخترت انت الحياة (الثورة) منذ نعومة أظفارك كما يقولون ، على هذا الظلم ، الظلم الذي لم يقتصر على شكل واحد او طعم واحد او جنس واحد ، ظلم شامل عابر للقارات والحدود والمحيطات ، عايشت هذا الظلم المركب ، ظلم الفقر واللجوء والجوع والزيف والخداع والتجهيل والفهلوة والسجن والابعاد والمرض ، عايشته من خلال فكرك الثاقب متجسدا في عينيك الجميلتين السوداويتين تسبر ببصيرتك غور حالات مئات المظلومين بل ربما الالاف على امتداد ما يطول بصرك وتصل قدمك وتمد يدك ، رافضا ما يتلفظ به البعض من ان “العين بصيرة واليد قصيرة”

وسيتفاجأ الكثيرون من مبغضيك ومحبيك على حد سواء بالكثير من موجات مجابهاتك ، ما كشفه الرفيق النوعي ممثل الجبهة في لبنان مروان عبد العال ان الحكيم جورج حبش ، ضمير الثورة وفق رئيسها ياسر عرفات ، وقد سبقاك الى حيث انت اليوم في القبر ، انه – حبش – قد فاخر كل ثورات العالم المعاصرة ان لديه في ملاكه القيادي ثائرا صغيرا تقوم دولة اسرائيل القوية العتية بإبعاده عن ارضه وبيته لانها لم تستطع احتواء خطره ، ويهمس عباس زكي منسق الانتفاضة الاولى :” كان جمال مغلبني ومجنني ، ولكني والله كنت أحبه” ، سيكتشف حتى اقرب مقربيك ، انك وضعت كتابا ثقيلا عن دار الفارابي اللبنانية وهي من اشهر دور النشر العربية – على حد علمي – بتقديم مفكر فلسطيني وعربي بحجم عادل سمارة ، وانت الذي لم تطأ قدمك الجامعة ولا حتى التوجيهي مقياس التعلم والتقدم في بلادنا ، وكأنك اردت ان تقول لنا هذا بطلان ، هذا ظلم ، وها انذا أثور عليه وأفضحه . وهو ما فعله ستيف هاوكنغ بسقمه وابراهيم ابو ثريا الذي كان يسير في مسيرات العودة بدون اقدام .

لا عزاء في مثل هؤلاء ، التي تعج فلسطين بأمثالهم ، لان الموت لن يستطيع احتواءهم وإن رحلوا ، ولهذا يا جمال هب الناس من كل اصقاع فلسطين على مختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية في ثلاثة ايام عزائنا ، يعزون أنفسهم ، ويصبحون عليك في القبر : صباح الخير يا جمال .

Print Friendly, PDF & Email