أخبار عاجلة

الشفاء النفسي والعاطفي

بقلم/ منظمة أطباء بلا حدود 

تعريف الصدمة من الناحية الجسدية، هي إصابة (مثل الجرح) في الأنسجة الحية ناجمة عن عامل خارجي. وتعريف الاصابة من ناحية الصحة النفسية، هي التي تكمن بين الأحداث والتي تعرف ايضا باسم الصدمة النفسية. وإذا كانت الاصابة نتيجة حدث عنيف وليست عرضية، فإن خطر الصدمة النفسية يكون أكبر.

الصدمة التي يمر بها شخص لا تقتصر على تهديد السلامة الجسدية، بل كذلك تهدد النفسية. قد تكون الخسارة مادية وبذلك فهي مرئية، ولكن عندما يتعلق الأمر بقدرة الشخص على مواجهة الاصابة نفسيا، فإن الأمر يختلف كليا. من الممكن أن يخضع المصاب لكمية هائلة من الإجهاد تتجاوز قدرته على التأقلم، أو الاندماج مع المشاعر المرتبطة بتجربة الإصابة.

المرور بتجربة الشفاء وإعادة التأهيل – الألم وعدم القدرة على مواجهة الواقع وعجز الجسد، قد يثير مشاعر عميقة من الضعف، وهذا الأمر يتطلب من الشخص قدرًا كبيرًا من الصبر والتحمل. غالبًا ما يجد أفراد العائلة والأصدقاء صعوبة في فهم ودعم المصاب بالصدمة بالشكل المناسب والمطلوب.

هنا سنتحدث عن حالة توضح كيف بإمكان أحد المصابين بصدمة أن يسترد عافيته البدنية، ولا يزال هنالك جرحا ترك أثرا في نفسه.

أمير هو طالب في السابعة عشرة من عمره، شاهد الملصق الخاص بخدمات منظمة أطباء بلا حدود المعلقة أمام غرفة الاستشارة، وعندما كان الباب مفتوحًا في ذلك اليوم، قرر الحضور وطلب الاستشارة.

عندما حضر إلى الجلسة الأولى للعلاج النفسي، كان متكئا على عكازات فشعر بالخجل من طريقة مشيه، ولم يقدر على التواصل بلغة العين بسهولة.

في البداية، واجه صعوبة في التحدث مع شخص غريب عما مر به، ومع مرور الوقت بدأ بالانسجام تدريجيا، وتمكن من رواية قصته. وقال إنه أصيب بالرصاص في ركبته خلال مسيرة يوم الجمعة قبل ثلاثة شهور، وخضع لعملية جراحية، وبعد أسبوع واحد خرج من المستشفى. ومكث في السرير لمدة شهر تقريبا، وبعد ذلك بدأ بتلقي العلاج الطبيعي.

لم يتعرض أمير لمثل هذه التجربة من قبل ولم يكن يوما رهن الاعتقال – في الواقع لم يفكر يوما أن شيئًا كهذا قد يحدث له. وعندما استيقظ ووجد نفسه في سرير المستشفى، بدأ يستوعب وضعه الجديد ببطء. وشعر بصدمة كبيرة.

العديد من الأشخاص وأفراد عائلته وأصدقائه قدموا لعيادته، ورغم سعادته بزياراتهم، إلا أنه لم يستطع التفاعل معهم بسهولة. إذ شعر بالغربة خلال تواجده بالمستشفى ولم يتمكن من التعبير عن نفسه بشكل جيد. أحيانا كانت تراود أمير نحو 1000 فكرة في ذهنه، وفي بعض الأحيان شعر بفراغ. كان يجد نفسه جالسا في السرير، ولاحظ انه يعتمد كليا على الآخرين حتى في الذهاب الى المرحاض.

آلام الركبة منعته من الحصول على نوم مريح. وكان يغضب بسهولة، ويتعامل مع المقربين منه بطريقة غير مهذبة على الرغم من الجهود التي يبذلها من يقومون على رعايته. في الواقع لم يدرك ما يجري في نفسه وشعر بالذنب لعدم قدرته على التعامل بطريقة ودية مع الآخرين. على مدار الأشهر الماضية، أصبحت زيارات الأصدقاء نادرة. بعد فترة استعاد أمير القدرة على التنقل بشكل مستقل، إلا أنه كان يفضل في معظم الأحيان البقاء في المنزل ومشاهدة التلفزيون أو قضاء الوقت من خلال تصفح وسائل التواصل الاجتماعية.

الأمر الذي حذى به الى الخضوع لجلسات علاج طبيعي، وقرر بعدها ترك الفصل الدراسي، حتى أنه لم يعرف ما إذا كان ينوي العودة إلى المدرسة أم انهائها فحسب.

لقد كان امير شجاعا حين قرر ان يستشيرنا، وأعرب عن ارادته بتغيير وضعه الحالي، كما شعر بشرارة من الأمل لمستقبل أفضل. وهذا هو الهدف من عمل المنظمة. حاولنا تنظيم أفكاره المتعددة عن طريق إضفاء طابع خارجي عليها من خلال الكلمات والحوار، وإعادة فرض السيطرة تدريجيا على مشاعره. علاوة على ذلك، حاولنا منح معنى إيجابي لتجربته ومواجهة التحدي المتمثل في إيجاد أهداف جديدة واستعادة هدفه المرجو في الحياة. بطريقة “منهجية”، عملنا أيضًا مع أفراد عائلته المقربين، لتقديم دعمهم العاطفي لأمير، وتشجيعه وإعادة التواصل والحوار البناء معه.

يوضح مثال امير هذا كيف يمكن للمرض الجسدي أن يؤثر على الرفاهية النفسية الاجتماعية، وكيف يمكن أن يتأثر الشخص من الإصابة الصعبة بما يتجاوز الضعف الجسدي. ان الشفاء العاطفي من الاصابة او الصدمة يعد أمراً حاسماً للانتعاش على جميع المستويات (مادياً نفسياً واجتماعياً). ومن الممكن أن تؤثر الصدمة بشكل سلبي على المقربين من المصاب، ويجدون أنفسهم غير قادرين على مواجهة المحنة، وهو الأمر الذي يتطلب دعما مهنيا.

في الختام، من المهم إيجاد معنى في حياتنا وفيما نمر به. وكما قال الطبيب النفسي – فيكتور إميل فرانكول قبل سبعة عقود: “أولئك الذين لديهم سبب للعيش، بإمكانهم تحمل كل الظروف تقريبًا”.

عن منظمة أطباء بلا حدود

منظمة اطباء بلا حدود هي منظمة دولية طبية انسانية مستقلة، تقدم المساعدة الطارئة للأشخاص المتضررين من النزاعات المسلحة والأوبئة والكوارث الطبيعية، والأشخاص المحرومين من الرعاية الصحية. تعمل المنظمة حالياً في أكثر من 70 دولة حول العالم، حيث تستجيب لحالات الطوارئ الطبية وتقدم المساعدة للأشخاص المتضررين، وفقا لاحتياجاتهم. بغض النظر عن العرق او الدين او الجنس او الانتماء السياسي.

تُدير المنظمة مشاريع للصحة النفسية في الخليل منذ عام 2001، وفي نابلس وقلقيلية منذ عام 2004. وتقدم الدعم النفسي للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية بسبب العنف الناجم عن الصراع السياسي. أما في قطاع غزة، فتعمل المنظمة منذ العام 1989، وتُشدد على توفير الرعاية الطبية والاحتياجات الخاصة، مثل، الجراحة التجميلية الترميمية، وإعادة تأهيل المرضى الذين أصيبوا بحروق أو صدمات.

Print Friendly, PDF & Email