نستطيع ان نرفع رأسنا وننقذ مستشفيات القدس

نادية حرحش 

في ظل المصائب التي تنهال على القدس تباعا منذ إعلان نقل السفارة الأمريكية الى القدس، خرج مدير مستشفى المطلع وامين سر شبكة مستشفيات القدس الشرقية (المطلع، المقاصد، العيون، الفرنسي-مار يوسف، الهلال، الاميرة بسمة) الدكتور وليد نمور بمناشدة توضيحية الى الجمهور، اذ ان للإنسان العادي أن يسأل، ما الذي تبقى بعد الهدم والابعاد وأسرلة المدارس والمناهج؟ وكأن إسرائيل تحتاج الى قبضة أخرى لتشدد فيها الخناق على سكان المدينة والفلسطينيين!

ترامب يتصرف وكأن دعمه المطلق لإسرائيل في كل شكل وأي صيغة هو بطاقة بقائه في البيت الأبيض لمدة أكبر، ولذلك لن تكون مفاجأة أن يتم ترامب مرحلته الرئاسية ويتبعها فترة ثانية ، وسنستمر بالسماع أن هذا الشهر قد يكون شهره الأخير في الحكم.

ومع كل مصيبة تقع على رأس ترامب بسبب فضائحه الكثيرة، يخرج جني التمنيات والفرص من المصباح ليعطيه فرصة جديدة، جني ترامب صهيوني متحكم ومتشعب في البيت الأبيض، ومطالبه مقابل تنفيذ شروط ترامب بالبقاء معروفة، إسرائيل وقوتها الحصينة.

واسرائيل لا تتوانى عن استخدام هذه الفرصة التاريخية لتصفية ما تبقى من وطن وشعب.

كانت أوسلو ذراع إسرائيل في القضاء على القضية الفلسطينية، وها هو ترامب يصفي القطرات الأخيرة في مهمة تعدت الحجر والأرض، وصارت مواجهة ومباشرة مع الانسان.

قبل أسابيع قليلة ومع موعد افتتاح السنة الدراسية الجديدة، أعلن ترامب عن وقف دعم الاونروا، وبالتالي عرض مئات الاف من طلاب المدارس للتشرد، وكأن تشرد اللجوء وحده لا يكفي.

وتزامن هذا القرار بإعلان ترامب عن إلغاء حق العودة. فليس غريبا ان يجول في صناعة القرارات ومحو التاريخ، فإعلانه نقل السفارة ضاربا بعرض الحائط القرارات الأممية الواضحة والصريحة بشأن القدس، قدم له فلسطين والقدس على طبق من ذهب. فلقد نجا بفعلته هذه من الأصعب، فكل ما سيلحق من إعلانات وقرارات سيكون عاديا.

قرار ترامب الأخير المتمثل بوقف الدعم عن المستشفيات في القدس، يشكل المسمار الأخير في نعش المدينة وفلسطين، فقد يهيأ للسكان في القدس ان تغطية التأمين الصحي في القدس لا تستدعي خدمات المستشفيات الفلسطينية وهذا جهل محكم طبعا!

تشديد الخناق على المرافق الصحية الأساسية في فلسطين، لا يعني تأثر المرضى من سكان الضفة الغربية وغزة فقط، بل يعني ان هناك خطوات قادمة ستؤثر على السكان في المدينة، لأن إسرائيل تحاصرنا لدرجة تحولنا الى عبيد لديها. كما حصل في قطاع التعليم، الذي أصبح معتمدا بأغلبيته على إسرائيل، فصار افتتاح رئيس بلدية الاحتلال لمدرسة فلسطينية والغناء بالعبرية والترحيب باللغة العبرية امرا طبيعيا.

في نفس الوقت تزامن تعيين محافظ جديد للقدس من قبل السلطة، وكأن هذه الخطوة حصلت لتؤكد ان وجود السلطة شكلي في مدينة القدس بجدارة!

كم هو مجحف من قبل ترامب، إيقاف الدعم عن المستشفيات وتحويلها للأمن؟ أو بالأحرى كم يتم التعاون بين الطرفين الفلسطيني والأمريكي في هذا الصدد؟ يعني عندما قرر ترامب وقف الدعم عن المستشفيات وعرض بالمقابل نفس المبلغ لقطاع الأمن، كان يحاول أن يسترضي السلطة؟ كيف وافقت السلطة على هكذا عرض؟

ما يجري يؤكد أن كل شيء مدبر، وما نسمعه من فرقعات إعلامية سلطوية من استنكار وشكاوى ورفض لما لا نعرفه عن صفقة القرن ليس الا حفظا لماء الوجه حتى تحين اللحظة القاضية فيما لم يتم تصفيته من القضية.

بعد 25 سنة من أوسلو، أغلقت الصفقة على ما تم الاتفاق عليه في حينه، وكنا كشعب مغيب كما اليوم، ما نشهده هو تتمة لأوسلو فهنيئا لإسرائيل ومن رعاها من عرب وفلسطينيين وامريكان وغيرهم.

يبقى أمامنا كشعب لم تتم تصفيته بعد، وستصوب نحوه فوهات القمع الأمني في المستقبل القريب، شعب مل الأكاذيب والتصفيات الوطنية التي لم تبقي من الوطن الا الاسم. شعب لا يزال يحلم بحرية عاش من اجلها. هذا الشعب هو من يشكل الخطر الحقيقي على ارباب السلطة الفلسطينية والإسرائيلية، لأن الحرية لا يمكن المساومة عليها. وما يجري ليس الا تصفية للسلطة في غربال تنازلاتها منذ نشأتها.

ما استوقفني بكلمة الدكتور وليد نمور اعطاني املا بأننا لا نزال امام فرصة للحياة، بالرغم من محاولة رفع أنابيب الحياة الأخيرة عن جسدنا الفلسطيني الملقى على سرير الموت. سمعت ما وراء الكلام المعلن كلمات رنت في أذني: نحن لا نحتاج الى أمريكا ودعمها! أكمل وليد نمور عبارته بمناشدة للعرب، ولكني لم أسمعها، فكانت عبارته في شقها الأول مهمة، نحن نستطيع ان نستغني عن هؤلاء جميعا. اليست هذه هي اللحظة المناسبة لان نكون حقيقيين مع أنفسنا وامام أبناء شعبنا؟ لماذا لا نبدأ من هذه اللحظة بجمع تبرعات شعبية من اجل المستشفيات؟ حان الوقت ان نثبت للعالم بأننا لسنا متسولين. بأننا لا نستجدي الأموال ولن نعيش كالسلطة على المعونات الخارجية.

مستشفياتنا كما البلد الذي تربينا فيه مليء بالكفاءات. الا يستطيع كل مواطن فلسطيني مقتدر التبرع بمبلغ ألف شيكل او دولار مثلا؟ الا يستطيع رجال الفن والثقافة إطلاق حملة شعبية من اجل هكذا صندوق؟

هل نستطيع ان ننقذ المستشفيات ونرفع أنفسنا من مذلة التسول والاستجداء، ونعلم العالم أننا نستطيع.

في النهاية استطعنا ان نقدم للعالم اراب ايدول متكرر بملايين الملايين من الأصوات المدعومة بالدولارات من جيوب المساكين والمقتدرين منا.

Print Friendly, PDF & Email