ادلب … مفترق الطريق

بقلم : حمدي فراج
  الخطوات والقرارات العدائية المستهجنة المستنكرة للادارة الامريكية تجاه القضية الفلسطينية ليست بجديدة في روحها ومضمونها ، منح القدس كلها عاصمة ابدية لاسرائيل ، كانت هكذا منذ احتلالها عام 67 وسرعان ما ضمتها الى ملاكها ومنحت سكانها هوية زرقاء واقامت حولها حزام استيطاني هائل تاخم رام الله والخليل والبحر الميت  . لفظيا كان شرقيها عاصمة للدولة الفلسطينية المزعومة ، لم يسمح لعرفات بدخولها حيا ولا ميتا ولا بخليفته منذ ثلاث عشرة سنة ، ولا نظن ان هذا سيكون واردا بعد صفقة القرن التي اسماها بصفعة القرن .
  ما حصل مع القدس ينسحب على الاونروا ، اذ بعد اوسلو ، لم يعد هناك من يصدق انه سيعود الى قريته التي هجر منها عام 1948 ، ليس بسبب وعورة الطريق ، وتعقيدات المسألة ، ما عبر عنه غسان كنفاني في “عائد الى حيفا” من ان الحدود لم تفتح من الخارج ، كان “سعيد و صفية” يعولان على ان يقوم العرب والثورة بالهجوم على اسرائيل وفتح الحدود ويعودون الى بيوتهم ، ما حصل هو العكس ، وهذا لم يمنعهما من الذهاب الى حيفا ، تلمسوا الطريق التي لم تكن وعرة انذاك ، اذ لم يمض على احتلال حيفا ومنزلهما في حي الحليصة بشارع الملك غازي سوى تسع عشرة سنة ، وليس سبعين ، وجدا المنزل بسهولة ، لم يتغير عليه شيء ، درجته الخامسة مكسورة ، كانا يدركان في قرارتيهما انهما لن يستعيدا منزلهما لان من فتح الحدود هي اسرائيل لكي تستولي على بقية فلسطين ، لكنهما اعتقدا انهما سيستعيدان ابنهما “خلدون” الذي نسيته صفية في غمرة الهروب ، وحتى هذا الخلدون لم يجداه ، اصبح “دوف” اذ قال لهما بملء وعيه الصهيوني الجديد انكما لو بكيتما نهرا من الدمع فإنه لن يستطيع حمل قارب يعيدني اليكم . قال له ابوه حينها ان ندمه ينحصر في انه مكث عشرين سنة وهو يعتقد انه سيجده وسيستعيده : انت عاري ، ولقد تركت خلفي ابني “خالد” ، لاحظ انني لم اقل لك انه اخوك ، هو من سيغسل عارك.
  ما الذي كان سيكتبه غسان لو عاش حتى اليوم ، سيموت سعيد وتموت صفية ، وسيكون اللقاء حتميا بين دوف وخالد ، في معركة من المعارك المستعرة ، ربما في مخيم الامعري “مقتل جندي من وحدة دوفدوفان ايار الفائت” او في سجن بين سجين وسجان ، او في مسيرة عودة بغزة بين قناص ومستهدف او في مخيم اليرموك وهو ينهي آخر فصول استباحته من التكفيريين نيسان الماضي ، او حتى في معركة ادلب الفاصلة ، حيث بإمكان دوف ان يستعيد اسمه العربي خلدون ودينه الاسلامي ، ملتحيا ، مبسملا ومحوقلا . إدلب التي تعني بالارامية قلب الاله أدد وهو اله الرعد ، بما تمثل في التاريخ والحضارة منذ منتصف الالف الثالث قبل الميلاد ، مقبرة للغزاة و اواخر مزابل فانتازيا الامبريالية والاسلاموية والصهيونية وعار الشقيق الاكبر ، تطل على حيفا غسان وخالد ، لا يريدها الاتحاد الاوروبي ان تتحرر من رجسها خوفا من ان ينتقل الى عمقه ، اما  “اسرائيل اليوم” المقربة من نتنياهو ، فعنونت  : ادلب على ابواب احتلال .
 
  
 
Print Friendly, PDF & Email