أخبار عاجلة

السلام في سنين المحل

بقلم : حمدي فراج

هل تأخر المطر ، وهل استحقت صلوات الاستسقاء ؟ لم يتأخر شيء ، في كل السنين الغابرة ، ومنذ مطلع الزمان ، كانت هناك سنوات محل وقحط ، يتأخر فيها المطر ، الذي كان ينتظره الفلاحون بفارغ صبرهم ، خوفا على محاصيلهم التي كانت بمثابة حياتهم وخلاصهم على مدار سنة جديدة قادمة ، يقايضون بمنتجاتها بقية احتياجاتهم ، والرعاة على قطعانهم ، فإن أكلت أكلوا ، و لبسوا ، و صنعوا وسوقوا في انتظار السنة الجديدة التي في الغالب ما تكون سنة مطر غزير وخير وفير يعوضهم عن سنة المحل والقحط الفائتة . كل ما كانوا يفعلونه ، عدا عن صلواتهم الى ربهم بقلوب واثقة ، ان يمسكوا ايديهم بعض الشيء ، ويعزفوا عن كماليات يتزايد عددها ، وسط أقوال اصبحت في تقادمها بمثابة الحكم والامثال ، يرددونها كمرشد ودليل حياة ، من على شاكلة “نصف البطن يغني عن ملئه” ، “بيت الضيق يتسع مئة صديق” ، “عباءة ربنا ولا عباءة السوق” ، “اشتدي يا أزمة تنفرجي”.
لم يتأخر السلام ، بدوره ، الذي ينشده الفلسطينيون بشكل مضطرد في سنوات القحط هذه ، تماما كالخارجين في صلاة استسقاء في موسم زاد محله وقحطه ، هذا السلام يسبقه التحرر من ربق المستعمر ، السلام مع المستعمر محض خداع واستمراء في الخداع وتماهي تطوعي مع خداع المستعمر ومكره .
لننظر الى العالم كله اليوم كيف يغرق في اتون المستعمر ، كيف يغرق في محله وقحطه ، استعمار كوني لم يعد يقبل باستعمار هذه الدولة فقط ، بل بالقارة كلها ، عبر شركاته ورساميله ، التي اصبحت عابرة للقارات وعابرة للقوميات وفق المفكر العربي سمير امين ، ازدياد الفقر والجوع والبطالة والمرض والتخلف ، فقير يملك سيارة طراز سنتها وبيلفون غالاكسي ، وجوع الهامبرغر والكنتاكي والبيتزا ، وبطالة الوظيفتين لا يستطيع شاغرهما تسديد قروض البنك بالعملة الصعبة ، وامراض ما انزل الله بها من سلطان ، يعالجون بها وجع الرأس بالكيماوي ، تخلف من نوع جديد ، يمكن ان نطلق عليه تخلف حضاري ، حتى لدى دول مستقلة ومتحررة و “تنعم” بالسلام والاستقرار ، يحكمها حفنة من المال والعسكر . انظروا الى بلدان الربيع العربي ، دولة مثل تونس ، ما زالت تتصارعها نخبة الدين السياسي وبقايا عصر الاقطاع ، وفي مصر بقايا عهد العسكر ، وفي ليبيا ديمقراطية “أنتي قذافي” اي “ضد القذافية” وفي اليمن طائفية عصور الظلام .
انظروا الى مدير العالم الجديد ، كيف يشيد بدولتين اثنتين في العالم كنماذج على الديمقراطية ، اسرائيل والسعودية . هذا اقرب كثيرا للبحث عن السلام مع اسرائيل ، التي حسمت امرها مؤخرا انها دولة يهودية ، سلام فاشل ، آيل للسقوط والخراب ، سلام لن تستطيع هي –اسرائيل – ان تحققه مع ذاتها ، وهو نفسه –السلام – الذي نفشل كفلسطينيين تحقيقه مع ذاتنا .

Print Friendly, PDF & Email