تحقيق استقصائي: النفايات الطبية، تغييب للقانون وجهل بالمخاطر والمسؤولية ضائعة

رام الله-/PNN- تحقيق حمزة السلايمة: كاد الطفل أسامة مناصرة (12 عاماً)، يفقد حياته وفقاً لتأكيدات عائلته، بعد استنشاقه غازات سامة ناتجة عن حرق نفايات طبية بشكل عشوائي، بعد إلقائها في احدى الحاويات القريبة من مجمع المدارس في بلدة بني النعيم، شرق مدينة الخليل في صباح الثاني من أيار المنصرم لهذا العام 2018.

وعانى الطفل مناصرة من آثار الحادثة لمدة شهرين بعد حادثة حرق النفايات الطبية، التي أصيب فيها أكثر من 40 طالباً وطالبة.

فريق وطن وضمن هذا التحقيق، الذي يعرض حجم الكارثة التي يخلفها التخلص العشوائي من النفايات الطبية، التقى الطفل ووالده وليد مناصرة، الذي أكد أن طفله وبعد 48 ساعة من الحادثة، أصيب بطفح جلدي سرعان ما انتشر على جميع أنحاء جسده.

يقول مناصرة: أثناء عملي في مدينة اريحا، تلقيت اتصالاً هاتفياً يفيد بأن ابني أصيب بالتسمم، نتيجة حرق نفايات طبية. تواصلتُ على الفور مع شقيقي لمرافقة ابني الى المستشفى، حيث تبين أنه مصاب بالتسمم نتيجة استنشاق الغازات الناتجة عن حرق هذه النفايات، في الحاوية الموضوعة في ساحة المدرسة.

ويضيف: كنت على وشك فقدان ابني نتيجة ما حدث، فبعد ان عدت الى المنزل في اليوم التالي، ورأيت الطفح الجلدي على جسد أسامة، أخذته إلى طبيب مختص بالأمراض الجلدية، وبعد ان أجرى الطبيب الفحوصات اللازمة له، أكد لي أن سبب هذا الطفح هو تعرضه لغازات سامة، ومنذ نحو شهرين، ما زالت البثور تظهر على يده وجلده.

اتهامات متبادلة وتنصل من المسؤولية

بعد أن وثقنا حالة أسامة، تتبعنا القضية، وتوجهنا لبلدية بني نعيم باعتبارها المسؤولة عن نقل النفايات والتخلص منها، وهنا كانت المفاجأة، فقد حمّل رئيس البلدية علي مناصرة مسؤولية ما حدث للهلال الأحمر، قائلاً: إن طاقم الهلال الأحمر أتلف كمية كبيرة من الأدوية منتهية الصلاحية ليلاً في الحاوية التي وضعتها البلدية قرب مجمع المدارس، وتم اضرام النار فيها، وتفاجأنا صباح اليوم التالي بإصابة عدد من الطلبة بالإغماء نتيجة الحادثة.

وبعد محاولات عديدة، نجحنا في وطن في التواصل مع إدارة الهلال الأحمر في بني نعيم، التي أقرت بأن طواقمها هي من قامت بالتخلص من هذه النفايات في الحاوية الموجودة في ساحة مدرسة بني نعيم الأساسية للبنين.

مدير مركز الهلال الأحمر في بني نعيم عبد ربه مناصرة، قال: إن طواقمه أتلفت النفايات الطبية في الحاوية القريبة على المركز، وكان يجدر بالبلدية نقل هذه النفايات الطبية من الموقع في ساعات الليل المتأخرة، ولكن ذلك لم يحدث، وهذه مسؤولية البلدية.

وتابع: ما حدث من حرق يحدث في جميع مدن الضفة الغربية، وليس في بني نعيم فقط، وحرق هذه الأدوية لا يشكل خطراً على صحة الانسان لأنها أدوية عادية ولا تنتج عنها غازات سامة، نافياً، أن يكون حرق النفايات الطبية، والأدوية البسيطة منتهية الصلاحية هو السبب في إصابة الطلبة.

وحسب د. عبد ربه فإن الأدوية منتهية الصلاحية التي أحرقت ليس لها أي ضرر على صحة الانسان، إلا إذا كانت هذه الأدوية مخصصة لعلاج مرضى السرطان، ومطاعيم الأطفال ضد أمراض معينة.

 

لجنة تحقيق في الحادثة        

الحادثة، وبسبب خطورتها، دفعت الجهات المختصة في وزارتي الصحة والتربية والتعليم، لتشكيل لجنة تحقيق ما زالت تبحث في القضية لغاية اعداد هذا التحقيق.

وحول ذلك يقول رئيس البلدية علي مناصرة: تم تشكيل لجنة تحقيق بالحادثة، والى الآن لا نتائج، فبعد نحو شهرين لم يراجعنا أحد، ولم نبلغ بنتائج لجنة التحقيق، وأن مسؤولية ذلك تتحمله وزارة الصحة.

وتعليقاً على ذلك يقول المهندس محمود عثمان وهو رئيس قسم الصرف الصحي والتخلص من النفايات في وزارة الصحة: إن قصة بني نعيم تحدث بشكل مستمر، وما حدث هو أن المركز الطبي التابع لجمعية الهلال الأحمر في بلدة بني نعيم لديه كمية أدوية منتهية الصلاحية، وكانت هناك مشكلة مالية مع محطة معالجة النفايات الطبية في الخليل، ما دفع المحطة لعدم جمع النفايات من هذا المركز على مدار شهر، حيث قرر المركز التخلص من هذه النفايات بحاوية البلدية الموجودة في ساحة المدرسة، حيث قام المراسل بوضع هذه الأدوية في الحاوية وأضرم النار فيها”.

بعد مرور نحو شهرين على الحادثة، ما زال والد الطفل أسامة مناصرة يتساءل عن سبب عدم زيارة أي من القائمين على لجنة التحقيق لأهالي الطلبة والاستماع إلى مطالبهم، مؤكداً أنه سيتجه للقضاء في حالة طي الملف وعدم محاسبة المتسببين في الحادثة، حسب ما أفاد لـوطن.

القانون: المؤسسات تتحمل المسؤولية عن أي ضرر يقع على البيئة والصحة 

وفي إطار بحثنا، وجدنا أن المادة الثانية من قرار مجلس الوزراء رقم 10 لسنة 2012 الخاص بإدارة النفايات الطبية تنص على أن المؤسسات المنتجة لهذه النفايات تتحمل المسؤولية عن أي ضرر يقع على البيئة والصحة.

مادة(2)

1. تطبق أحكام هذا النظام على جميع المؤسسات، وعلى كل منتج أو مشرف على إدارة النفايات الطبية.

2. تتحمل المؤسسـات وكل منتج أو مشرف على إدارة النفايات الطبية المسؤولية عن أي ضرر للبيئة أو الصحة العامة الناتجة عن تلك النفايات.

وحسب المادة 68، يعاقب من يخالف هذا النظام بالعقوبات المقررة بالقوانين ذات العلاقة سارية المفعول.

مادة (68)

يعاقب كل من يخالف أحكام هذا النظام والتعليمات الصادرة بموجبه بالعقوبات المقررة بالقوانين ذات العلاقة السارية المفعول.
وبالعودة إلى القوانين ذات العلاقة، فإن المادة 12 من قانون البيئة رقم 7 لسنة 1999 ينص على أنه لا يجوز التخلص من أي نفايات خطرة إلا وفقاً للأنظمة والتعليمات.

مادة (12)

لا يجوز لأي شخص أن يقوم بتصنيع أو تخزين أو توزيع أو استعمال أو معالجة أو التخلص من أية مواد أو نفايات خطرة سائلة كانت أو صلبة أو غازية إلا وفقاً للأنظمة والتعليمات التي تحددها الوزارة بالتنسيق مع الجهات المختصة.

وفي المادة 62 من ذات القانون، يعاقب من يخالف المادة 12 بغرامة مالية أو الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات.

مادة (62)

يعاقب كل من يخالف أحكام المادة (12) من هذا القانون بغرامة مالية لا تقل عن ألف دينار أردني ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانوناً، أو الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وتعرّف النفايات الطبية على أنها النفايات الناتجة عن مرافق الرعاية الصحية؛ كالمستشفيات والعيادات الطبية المختلفة، وبنوك الدم، والمستشفيات، والعيادات البيطرية، فضلًا عن مرافق مختبرات البحوث الطبية.

نفايات طبية مبعثرة في مكب سلفيت

حادثة بني نعيم قادتنا في وحدة التحقيقات الاستقصائية في وطن، لتوسيع دائرة بحثنا وتقصي حالة فوضى إدارة النفايات الطبية في الضفة الغربية، وما إن بدأنا بعملية البحث والتقصي، حتى وصلتنا معلومات مؤكدة عن وجود نفايات طبية ملقاة دون معالجة في مكب محافظة سلفيت، فكانت سلفيت وجهتنا الثانية.

في مكب سلفيت الذي لا يبعد إلا بضعة أمتار عن أراضٍ مزروعة بمئات أشجار الزيتون، وجدنا عشرات الأكياس من النفايات الطبية، مبعثرة في المنطقة دون معالجة أو حتى رقابة، قمنا بالتدقيق في البيانات المكتوبة على النفايات الطبية، لنكتشف أن مصدرها مستشفى سلفيت الحكومي، وما إن وصلنا إلى المشفى حتى رأينا النفايات الطبية ملقاة بالحاويات في الباحة الخارجية دون أي رقابة.

خالد معالي، وهو صحفي مختص بالشأن البيئي، قال: إنه لا يعقل أن تلقى النفايات بجميع أشكالها في جبال ووديان الضفة الغربية لما ينتج عنها من مواد شديدة السمية، تضر البيئة، مبيناً أن النفايات الطبية قد تتسبب بإصابة أطفال وعاملين في جمع النفايات الطبية بالأمراض بعد تعرضهم لهذه النفايات خاصة الحادة منها.

ولفت معالي، إلى ضرورة وقف هذه الظاهرة وتحمل جميع الجهات المعنية مسؤولياتها لما لها من أضرار مدمرة على البيئة والإنسان بشكل عام، مبيناً أن هذه النفايات قد تصل لأيدي الأطفال أو المنقبين والعاملين في النفايات.

الأستاذ المشارك في معهد الدراسات البيئية والمائية في جامعة بيرزيت والمختص بالنفايات الطبية البروفيسور عصام الخطيب، شرح لنا خطورة إلقاء النفايات الطبية في المكبات والمناطق المفتوحة والقريبة من الأراضي الزراعية. وأكد أن العصارات الناتجة عن النفايات الصلبة فيها جميع أنواع العناصر الثقيلة والسامة، وقد تتسرب إلى الأرض، وإذا وصلت شجرة فإنها تمتصها وتنتقل إلى الثمرة.
وتابع الخطيب: أحياناً النفايات الطبية أو الصناعية قد تذهب إلى جذور بعض النباتات والحشائش، وتأتي بعض الأبقار أو المواشي لتأكلها، وبالتالي، تنتقل هذه الملوثات إلى اللحم والحليب ومن ثم تصل إلى السلسلة الغذائية للإنسان.

نفايات طبية في الشوارع 

فوضى انتشار النفايات الطبية لا تقتصر على مستشفى سلفيت فقط، وإنما تعم معظم مستشفيات شمال ووسط الضفة الغربية، وخلال العمل بهذا التحقيق، تجول طاقم وطن، في محيط مستشفيات بمحافظة رام الله والبيرة، ووثق صوراً لتخلص المشافي من نفاياتها بحاويات النفايات العادية المنتشرة بين الأحياء السكنية وعلى الشوارع العامة دون معالجة ورقابة.

بلدية رام الله كغيرها من البلديات تعمل على جمع النفايات الطبية من جميع المشافي في المدينة، وتنقلها الى مكب النفايات المؤقت في المنطقة الصناعية، فتلقى وتدمج مع بقية النفايات الأخرى، ما يضاعف من مخاطرها البيئة والصحية، فيما يتم التخلص منها نهائيًا في مكب زهرة الفنجان بمحافظة جنين.

العمل الاهلي: النفايات قد تسبب أمراضا صعبة العلاج

مدير وحدة الدراسات في المركز التنموي معاً جورج كرزم، قال: إن التخلص من النفايات الطبية دون معالجة وبهذه الطرق مسبب أساسي للأمراض، وانتشار الأوبئة الفتاكة السريعة الانتشار، وكثير من هذه الأمراض غير قابلة للعلاج والطريقة الوحيدة لعلاجها هي التخلص منها مثل الفطريات والفيروسات القاتلة.

وأكد أن إلقاء النفايات الطبية في الحاويات مع النفايات العادية، يحول جميع النفايات إلى طبية خطرة، والتخلص العشوائي منها يشكل خطراً ليس بيئيًا فحسب، إنما على صحة الناس أيضاً، مبيناً أن هذه النفايات قد تكون أداة لعب في أيدي الأطفال، أو قد يتعرض لخطرها من يعملون في جمع الحديد والألمنيوم وما شابه من داخل هذه الحاويات، محذراً الجهات المختصة من خطورة ترك هذا الملف دون معالجة.

مسؤولية ضائعة بين الجهات الرسمية

مديرة دائرة الصحة والبيئة في بلدية رام الله ملفينا الجمل قالت: إن مهمة البلديات هي نقل النفايات الطبية بعد فرزها ومعالجتها داخل مؤسسات ومراكز الرعاية الصحية، والتخلص منها بشكل نهائي، ودور وزارة الصحة هو الإشراف على عملية فرز ومعالجة النفايات، باعتبارها المسؤولة المباشرة عن هذه العملية وليس البلديات.

وأقرت الجمل أن بلدية رام الله تقوم بنقل جميع النفايات من مراكز الرعاية الصحية والمستشفيات في المدينة إلى المكب المؤقت في المنطقة الصناعية، حيث يتم خلطها مع النفايات الأخرى، قائلة: إن وزارة الصحة هي الجهة المخولة بمنح التراخيص للمستشفيات والعيادات والمراكز الطبية، وهي من تتحمل مسؤولية اجبار هذه المؤسسات على معالجة نفاياتها الطبية.

البيئة: المسؤولية على وزارة الصحة

أما القائم بأعمال المديرية العامة للإدارة العامة لحماية البيئة في سلطة جودة البيئة ياسر أبو شنب، فقد أكد أن الدور الأساسي والمركزي لإدارة النفايات الطبية يقع على عاتق وزارة الصحة باعتبارها صاحبة الصلاحية في اصدار التراخيص الخاصة بتشكيل وانشاء العيادات والمراكز الصحية والمستشفيات، وبالتالي فإن الصحة تستطيع القيام بدورها في معالجة هذه المشكلة.

وأضاف أبو شنب: أن وزارة الصحة لها صلاحية محاسبة المؤسسات المخالفة للنظام، وفرض الغرامات المالية والعقوبات عليها، وصولاً إلى سحب التراخيص، كما أن لها دور الرقابة الداخلية على المؤسسات الطبية المنتجة للنفايات الطبية.

وبين، أن دور سلطة جودة البيئة التنسيق مع وزارة الصحة للرقابة داخل المؤسسات الطبية، وبما أن هذه المؤسسات لا تعمل أصلاً وفق نظام إدارة النفايات الطبية ولا تقوم بعملية الفرز والمعالجة، فإن وزارة الصحة لها الصلاحية الرئيسية في ذلك، لافتاً إلى أن لسلطة البيئة دور الرقابة خارج المنشأة بعد اخراج النفايات الطبية مفروزة ومعالجة، ومراقبة نقلها الى محطة المعالجة النهائية والتخلص منها بالطمر وفق النظام.

وأضاف: عندما قرعنا الجرس وقلنا إن النفايات الطبية موجودة بالشوارع ونجحنا في انتاج نظام لإدارة النفايات الطبية الخطرة، فإن علينا إيجاد حلول لهذه المشكلة وتنفيذ النظام، مؤكداً أن اختلاط النفايات الخطرة بالعادية يحول جميع النفايات الى خطرة، وهو ما يعقد المشكلة، مطالباً وزارة الصحة بتطبيق نظام النفايات الطبية بشكل سريع.

وزارة الصحة: ليست مسؤوليتنا

وزارة الصحة نفت على لسان مدير صحة البيئة فيها إبراهيم عطية، أن يكون من مسؤوليتها تشغيل آلية معالجة النفايات الطبية قائلاً: إن تشغيل معالجة النفايات الطبية ليس من دور ومسؤوليات وزارة الصحة، بل هو دور المجالس المشتركة والهيئات المحلية والقطاع الخاص.

وحول منح وزارة الصحة التراخيص التشغيلية اللازمة للمستشفيات والمؤسسات الطبية المنتجة للنفايات، قال عطية: إن الوزارة تضع شرط معالجة النفايات الطبية ضمن الشروط، ولكن هذا الشرط غير قابل للتطبيق في معظم الأبنية والمستشفيات المرخصة حالياً، بسبب عدم وجود مساحات كافية فيها، لأن معظمها قديم، وفيه مشكلة في التصميم الانشائي لذلك، فإن وزارة الصحة تبحث عن حل شامل تتم من خلاله معالجة النفايات الطبية ككل وليس حلول مرحلية.

وأقر عطية، بمشكلة عدم معالجة النفايات الطبية بمحافظات وسط وشمال الضفة الغربية، مؤكداً ان “هذه المشكلة نعاني منها منذ سنوات طويلة، ونحن لا ننكر ولا نغطي رأسنا في الرمال ونصرخ ونقول لدينا مشكلة لكن حلولها ليست بالسهلة”.

وبالعودة إلى المادة 55 من قانون نظام إدارة النفايات الطبية رقم 10 لسنة 2012 تختص وزارة الصحة بالرقابة والاشراف على المؤسسات لضمان قيام المؤسسة بجميع مراحل إدارة النفايات الطبية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمتابعة المؤسسات المخالفة.

مادة (55)

تختص الوزارة بصلاحية الرقابة والاشراف على المؤسسات، وذلك من خلال القيام بالمهام الآتية:

1. ضمان قيام المؤسسة بجميع المراحل الخاصة بإدارة النفايات منذ جمعها حتى تسليمها للناقل وفق أحكام هذا النظام.
2. إتخاذ التدابير العاجلة والوقائية اللازمة لتفادي الأخطار التي قد تنتج عن سوء التعامل مع النفايات والحيلولة دون تفاقمها واستمرارها.
3. مراقبة نشاط المؤسسة والتأكد من تطبيق أحكام اللوائح والأنظمة الداخلية للمؤسسة.
4. اتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لمتابعة المؤسسات المخالفة
. 5 تقديم النصح والإرشاد للمؤسسات الطبية فيما يتعلق بتطبيق أحكام هذا النظام.

جهود رسمية منقوصة ووزارة الصحة تشتكي أيضاً

ونتيجة للكارثة البيئية التي تخلفها عملية إلقاء النفايات الطبية وحرقها بشكل عشوائي، فإن الجهات المختصة حاولت وضع حد لهذه الظاهرة، ففي مجمع فلسطين الطبي في مدينة رام الله، أنشأت وزارة الصحة وحدة معالجة لهذه النفايات عبر جهاز “اتوكلاف” المخصص لتعقيم النفايات الطبية من خلال التطهير الحراري الرطب، الذي يعمل بالضغط المرتفع ودرجة الحرارة العالية.

وبعد معاينتنا مكان وضع النفايات في المجمع، وثقنا مخالفات لطريقة ادارتها، حيث يتم خلط النفايات الطبية مع غيرها ووضعها في مكان تخزين مفتوح بعد المعالجة بخلاف نص القانون الذي يضع شروطاً ومواصفات لتخزين النفايات لحين نقلها بشكل نهائي إلى المكبات.

وحول ذلك يقول إبراهيم عطية إن وزارة الصحة تعمل منذ نحو 10 سنوات على معالجة النفايات الطبية الناتجة عن مجمع فلسطين الطبي، وأنها نجحت في الحد من مخاطر النفايات الناتجة عن أكبر منتج للنفايات الطبية في الوطن، لافتاً إلى أن الوزارة ما زالت تعمل مع الجهات المعنية على إيجاد حل قريب لقضية إدارة النفايات الطبية.

وفيما يتعلق بالمخالفات لنظام إدارة النفايات الطبية، يضيف عطية: أنه لو تمت مخالفة للقانون ونحن نقوم بعملية التعقيم فقد أنجزنا الهدف من عملية التعقيم وهي قتل الميكروبات الممرضة ومنع انتقالها للناس والبيئة.

محطة معالجة تخدم الخليل وبيت لحم

إنشاء محطة المعالجة في مجمع فلسطيني الطبي ليس المحاولة الوحيدة التي قامت بها الجهات المعنية للحد من مخاطر النفايات الطبية، ففي بيت لحم والخليل، أنشأ مجلس الخدمات المشترك هناك، بالتعاون مع وزارة الصحة، محطة لمعالجة النفايات الطبية في المنطقة الصناعية في الخليل تخدم المحافظتين.

رئيس قسم الصرف الصحي والتخلص من النفايات في وزارة الصحة المهندس محمود عثمان، أكد أن جميع مرافق الرعاية الصحية من مستشفيات وعيادات ومراكز خاصة وصيدليات في محافظتي الخليل وبيت لحم، ملتزمة بشكل كامل بعملية معالجة النفايات الطبية، وأن الوزارة تطلب من هذه المؤسسات لدى تجديد ترخيصها اتفاقية موقعة مع محطة معالجة النفايات التابعة لمجلس الخدمات المشترك بخصوص النفايات الطبية.

بدوره، قال المنسق الفني لمشروع النفايات الطبية في محافظات جنوب الضفة الغربية اسلام شبانة: إن محطة الخليل تغطي نحو 160 مركزاً ومنشأة طبية في محافظتي الخليل وبيت لحم، وأن المحطة تنفذ قانون إدارة النفايات الطبية بشكل كامل ووفق المعايير القانونية الكاملة.

وعن كيفية عمل المحطة أضاف شبانة: يجب أن تتم عملية فصل النفايات الحادة عن غير الحادة، حيث يتم فصل النفايات من خلال حاويات خاصة حيث يتم وضع المخلفات الحادة في علب “شار بوكس” وغير الحادة في حاويات صفراء، يتم نقلها وتخزينها في مخازن مؤقتة في المستشفيات الى أن يتم نقلها من خلال سيارة خاصة الى محطة المعالجة النهائية.

النفايات لا تجمع من كافة العيادات

وحدة الصحافة الاستقصائية في وطن، لم تكتف بالشعارات التي أطلقت عن إيجابيات معالجة النفايات الطبية في المحافظتين، فوجدنا أن المحطة لا تقوم بجمع النفايات من جميع العيادات والمراكز الطبية الخاصة، التي تلقي نفاياتها بين الأحياء السكنية والمناطق المفتوحة، وتُحرق، وتعرض حياة المواطنين للخطر، تماماً كما حدث في بني نعيم.

واجهنا شبانة بالحقائق المتوفرة لدينا، فأقرّ أن هناك الكثير من العيادات والمراكز المخالفة التي لا تتعامل مع المحطة، وبعض هذه المراكز غير مرخصة أصلاً والبعض الآخر غير ملتزم في القانون.

وأكد أن وزارة الصحة لا تعمل على إلزام المخالفين للنظام وتطبيق القانون المصادق عليه من مجلس الوزراء، والذي ينص صراحة على أن كل منتج للنفايات الطبية يجب أن يعالج نفاياته، محملاً الوزارة مسؤولية التفتيش على هذه العيادات والمختبرات والمراكز الطبية، لافتاً إلى أن بعض العيادات غير مرخصة من قبل وزارة الصحة.

ورداً على ذلك، قال مدير صحة البيئة في وزارة الصحة إبراهيم عطية، إن العيادات غير المرخصة تتجاهل الوزارة في ترخيصها المهني، فهل ستهتم بكيلو مخلفات طبية تنتجها؟!

ما يحدث في الخليل وبيت لحم من معالجة للنفايات الطبية، لا يطبق في محافظات شمال الضفة الغربية حيث الصورة القاتمة، فخلط النفايات الطبية غير المعالجة مع النفايات الأخرى هو السائد في مكب زهرة الفنجان، وهو ما يحول النفايات العادية إلى طبية خطرة مدمرة للبيئة بحسب المختصين.

زهرة الفنجان.. الصورة القاتمة

وقال مدير عام مكب زهرة الفنجان هاني شواهنة لـوطن: إن مكب زهرة الفنجان مبطن بطبقتين من الإسمنت، ما يمنع نزول عصارة النفايات الطبية إلى باطن الأرض، وبالتالي يمنع تسريبها إلى المياه الجوفية، متسائلاً عن الخيار الأسلم بين أن تترك هذه النفايات أمام المستشفيات أم التخلص منها من خلال الطمر.

وتابع شواهنة: إن مسؤولية معالجة النفايات الطبية تقع على عاتق وزارة الصحة، وهي المسؤولة عن هذا الملف بشكل كامل، وزارة الصحة مسؤوليتها تسليم النفايات الطبية مفروزة ومعالجة من المستشفيات، ونحن في المكب نتخلص منها بالطمر.

وأكد أن جميع المستشفيات الخاصة والحكومية في شمال الضفة الغربية لا تقوم بفرز النفايات الطبية، ومعالجتها، وهي مشكلة حقيقية بالنسبة لنا.

وبرر تسلم مكب زهرة الفنجان للنفايات الطبية غير مفروزة ومعالجة، بما يخالف نظام إدارة النفايات الطبية مخلوطة مع غيرها من النفايات أن ذلك أخف الضررين، أي أن تترك في الشوارع والحاويات القريبة من المستشفيات، أو أن يتم التخلص منها في المكب.

بدوره، شكك جورج كرزم بعمليات التخلص النهائي من النفايات في المكبات، موضحاً أن عمليات الطمر بدائية، وأن التخلص من النفايات الطبية الى جانب النفايات العادية، ليس ضمانة للتخلص الآمن، لأنها تطفو على سطح النفايات، مؤكداً أن المواد العصارية الناتجة عن التفاعلات الكيماوية تصل الى المياه الجوفية وكذلك تصل بشكل أو بآخر الى سلسلتنا الغذائية.

وبين كرزم أنه وبغض النظر عن الطريقة التي يتم التخلص بها من النفايات الطبية، فان هذه النفايات تنتهي بشكل مختلط مع النفايات العادية، مؤكداً أن الوضع القائم في كيفية ادارة النفايات الطبية خطير جداً، ولا يمكن الاستمرار بالسكوت عليه، وعلى جميع الجهات المعنية بهذه القضية تحمل مسؤوليتها وسرعة إيجاد حلول لهذه المشكلة المدمرة للبيئة.

في السياق ذاته، قال محمد أبو مغلي رئيس مجلس الخدمات المشترك في محافظة جنين الذي يتبع له مكب زهرة الفنجان: إن مسؤولية إدارة النفايات الطبية تقع على عاتق وزارة الصحة، كما أنها المسؤولة عن إعطاء التراخيص للمنشآت الطبية، وتوفير الحاويات المخصصة لنقلها بطريقة آمنة.

وبين أن وزارة الصحة هي المسؤولة عن فرز وجمع النفايات واخراجها لخارج المنشأة الطبية، ومن ثم يأتي دور الهيئات المحلية في نقل هذه النفايات والتخلص منها وفقاً لنظام إدارة النفايات الطبية.

وتابع أن العديد من المستشفيات تعمل على فرز نفاياتها، ولكن في النهاية ينتهي بها الحال مخلوطة مع النفايات العادية، وطريقة التعامل مع النفايات الطبية وادارتها حالياً مشكلة، وهي قائمة منذ سنوات نعمل على حلها وسيكون لدينا نظام متطور خلال شهرين.

4 أطنان من النفايات الطبية في الضفة الغربية

ووفقاُ لإحصائيات وزارة الصحة: تقدر النفايات الطبية الناتجة عن المحافظات في الضفة الغربية بحوالي 4 أطنان في اليوم الواحد تتوزع كالتالي:

محافظة الخليل وبيت لحم 1.3 = طن / اليوم.
محافظات الوسط القدس رام الله والبيرة واريحا = 1.2 طن / اليوم.
محافظات شمال الضفة = 1.5 طن / اليوم.

الصحة العالمية: أرقام مخيفة 

وحسب احصائيات منظمة الصحة العالمية، فإن الحقن غير الآمنة لا تزال تتسبب في (33800) حالة عدوى بفيروس العوز المناعي البشري” الايدز”، و (1.7 مليون) حالة عدوى بالتهاب الكبد B، و (315000) حالة عدوى بالتهاب الكبد c .

كما يبلغ احتمال عدوى الشخص الذي يُجرح مرة واحدة من إبرة سبق أن استعملها مريض مصاب بالعدوى 30% إذا كانت العدوى بفيروس التهاب الكبد B، و (1.8%) إذا كانت العدوى بفيروس التهاب الكبد C، و (0.3%) إذا كانت العدوى بفيروس العوز المناعي البشري.

وأمام كل ما سبق، ينبغي أن تكون جميع النفايات الطبية معالجة قبل التخلص النهائي منها بحسب المختصين، لأن عمليات التخلص منها دون تغير طبيعة تركيبها البيولوجي تسبب انتشار النفايات المعدية.

ورغم المحاولات التي تقوم بها الجهات المختصة للسيطرة على ملف النفايات الطبية الخطرة، الا أن هذه النفايات ما زالت منتشرة بشكل عشوائي ودون أي معالجة بين الأحياء السكنية والمناطق المفتوحة، وهذا تقصير وتغييب للقانون وجهل بالمخاطر، والنتيجة واحدة: حياة أطفالنا في خطر.

تم إنتاج هذا التحقيق ضمن مشروع الصحافة الاستقصائية، بالشراكة بين مركز تطوير الإعلام– جامعة بيرزيت، والبيت الدنماركي في فلسطين، ومؤسسة الدعم الدولي للإعلام  “IMS”.

Print Friendly, PDF & Email