ماذا تَرَونا فاعلون تجاه من عاودوا جهاراً نهاراً تسريب عقارات القدس من جديد؟

بقلم الدكتور رفيق الحسيني

أثارت مسألة تسريب عقار آل جودة الى المستوطنين عن طريق سماسرة مقدسيين عرب شجوناً في قلب كل فلسطيني وطني شريف، فهذا التسريب الجديد بلا شك مسألة خطيرة للغاية ، ويُقصدُ به تحقيق مزيد من الإحباط لدى الشارع الفلسطيني تحت عنوان كاذب قديم جديد يتلخص في أن ” الفلسطينيين أنفسهم يبيعون أملاكهم للمستوطنين” ولهذا فلا يجب أن نترك هذه المسألة تمر مرور الكرام…
للأسف ليس هذا التسريب هو الأول ولن يكون الأخير … فالتاريخ الفلسطيني – منذ بداية الانتداب البريطاني والى الأمس القريب – قد سجّل عدداً محدوداً جداً من هذه الحالات الشاذة عن الدين والعقيدة والفكر الوطني المتشبت بالأرض والرباط فيها الى يوم الدين…

لذلك وقبل أن ندخل في صلب الموضوع – وبعيدا عن العواطف الجياشة والكلمات الجوفاء – فلابد من التأكيد على سبعة نقاط عامة مرتبطة بمسألة تسريب الأراضي والعقارات في فلسطين عامة وفي القدس القديمة بالتحديد ، وبنفس الوقت طرح عشرين تساؤلاً واستفساراً عما حدث وكيف حدث!

أولا: إن بيع العقارات للمستوطنين ما يزال اليوم – وكما كان منذ مئة عام – غير مقبول بتاتاً تحت أي ظرف من الظروف ، لا سياسياً ولا اجتماعياً ولا دينياً ولا أخلاقياً، وبالتالي فلا يمكن لمقدسي فيه ذرة من الوطنية أن يقبل – أو حتى يفكر – ببيع عقاره للدخلاء.

ثانيا : إن ما تم بيعه من قبل أصحاب العقارات بشكل قانوني في البلدة القديمة في القدس لا يتعدي بضعة عشرات من أصل آلاف العقارات التي يملكها أشخاص أو أوقاف ، وذلك رغم كل الإغراءات المالية والاقتصادية والتسهيلات التي يعرضها الشاري لإخفاء عملية البيع وتمويها.

ثالثا : إن الغالبية العظمى للعقارات داخل أسوار القدس القديمة وحولها هي إما وقف اسلامي أو ذُرّي وبالتالي لا تُباع أو تُشترى… ولكن يمكن أن يتم شراء حق الايجار المحمي لهذه لعقارات وإستخدامها… ويتطلب ذلك موافقة الأوقاف (الإسلامية أو الذرية ) بصفتها المالك من ناحية والمستأجر المحمي من ناحية أخرى.

رابعا : إن أي عربي يبيع أو يسمسر في القدس سيحاول دوما أن يُخفي فعلته بكذب أو تلفيق أو تضليل أو يفرّ الى خارج الوطن بلا رجعة ، أما إذا بقي في الوطن فسوف يعرض نفسه للمسائلة المجتمعية قبل الأخلاقية أو الدينية وقد تقتصُ منه عائلته أو عشيرته فتتبرأ منه أولاً أو تتخلص منه بطريقة أو بأخرى للحفاظ على شرفها ومكانتها في الوطن… وقد حدث ذلك مرات عديدة!

خامسا : حالياً – كما في الماضي – هناك عمليات تزوير واسعة في أوراق الملكية وبخاصة لمن ينطبق عليهم قانون “الغائبين” العنصري ، وهناك محاولات سرقة واضحة لبعض العقارات التي يتم تسريبها فيما بعد وبتواطؤ من قبل بعض كاتبي العدل في المدينة وبغض الطرف من قبل بعض غُلاة القضاة المتعصبين.

سادسا : إن القوانين والمحاكم الاسرائيلية متعاطفة قلباً وقالباً مع المستوطنين وبخاصة أولئك الذين يدعون ملكية أي عقار في القدس الشرقية قبل العام 1948… وبالمقابل ، فإن الفلسطينيين يملكون أكثر من 70% من عقارات القدس الغربية ولكن القانون الاسرائيلي لا يسمح لهم بإستعادة شبر واحد من أملاكهم!

سابعا : كثيرا ما تكون الاغراءات المالية كبيرة جداً بحيث يسقط في براثنها مواطنون ضعاف النفوس ولولا الخوف من عقاب الآخرة ومن ثم الفضيحة والطرد والتشرّد – وربما التهديد بعقاب دنيوي أشد – لتضاعف عدد البائعين بالتأكيد!

ويبقى السؤال الأساسي والأهم الذي يتردد على لسان كل مقدسي هو : كيف نكبح جماح السماسرة وبائعي العقارات في ظل وجود القدس تحت السيطرة القانونية والعسكرية للاحتلال ؟
وللجواب على هذا السؤال علينا مراجعة تاريخ النضال الفلسطيني ضد الاحتلال البريطاني ما قبل الـ 1948 والاستفادة من دروسه السلبية والإيجابية… فمع بداية العام 1935 جمع الحاج أمين الحسيني – مفتي القدس والديار المقدسة ورئيس المجلس الاسلامي الأعلى – المفتين والأئمة والخطباء من كافة مدن فلسطين لمناقشة بيوع الأراضي والعقارات في القدس وفلسطين التي كانت قد أصبحت قضية رأي عام آنذاك، فأصدر المجتمعون فتوى دينية صريحة وواضحة نصت على أن “بائع الأرض لليهود في فلسطين سواء كان ذلك مباشرة أو بالواسطة وأن السمسار والمتوسط في هذا البيع والمُسهّل له والمساعد عليه بأي شكل مع علمهم بالنتائج المذكورة ، كل أولئك ينبغي ألا يُصلّى عليهم ولا يدفنوا في مقابر المسلمين ويجب نبذهم ومقاطعتهم واحتقار شأنهم…”

وفي صيف 1936 ومع احتدام الثورة ضد الإحتلال البريطاني ، جمع الحاج أمين القيادات السياسية والعسكرية الوطنية ، فإتخذوا قرارا سرياً – مع أنه كان سرّاً معلناً في الوقت نفسه – بترهيب كل من تُسوّل له نفسه بيع أراضي أو عقارات للحركة الصهيونية والوكالة اليهودية ومن ثم تصفية كل من يثبت أنه باع أو كان سمساراً في بيع ولم يرتدع عند إنذاره بالتوقف عن البيع أو السمسرة.

ومع أن بيع الأراضي للحركة الصهيونية كان مرفوضا وبشدة منذ بداية الاحتلال البريطاني وصدور وعد بلفور في العام 1917 بتحويل فلسطين الى “وطن قومي لليهود” ، إلا أن القيادة الفلسطينية كانت مسيطرة الى حد كبير على هذه المسألة… فلم تستطع الحركة الصهيونية حتى العام 1935 إمتلاك أكثر من 5% من أرض فلسطين أي بحدود 1.3 مليون دونم وغالبيتها العظمى لم تكن من الفلسطينيين! فقد حصلت الوكالة اليهودية وشركتا الكهرباء والبوتاس اليهوديتان على أكثر من 300 ألف دونم من حكومة الانتداب ، كما اشترت الوكالة اليهودية ما يقارب 700 ألف دونم في منطقة الحولة ومرج بني عامر وشمال البلاد من عائلات لبنانية وسورية ، واستطاعت الوكالة اليهودية وضع اليد على ما يقارب من 65 ألف دونم من فلاحين وملاك صغار رهنوا أراضيهم مقابل ديون ولم يستطيعوا تسديد الدين في الوقت المحدد (تماما كما حصل في رواية شكسبير مع تاجر البندقية)!

أي أن الفلسطينيين مجتمعين لم يبيعوا أكثر من 250 ألف دونم خلال 50 عاما من بدء نشاط الاستيطان الصهيوني في الفترة 1880-1935 ، وهو ما نسبته أقل من 1% من أراضي فلسطين! بل أن معظم أولئك الفلسطينيين الذين باعوا الـ 1% من الأرض كانوا من كبار الملاك الذين يقيمون أصلاً خارج البلاد… قلّة قليلة فقط من الفلسطينيين ضعاف النفوس باعت – بعلم أو بدون علم – بعضاً من أملاكها للحركة الصهيونية والتي لم تمثل اكثر من 0.5% من أرض فلسطين!
ولكن… ومع ازدياد الهجرة اليهودية الى فلسطين منذ العام 1933 عندما تبوأ الحزب النازي سدة الحكم في ألمانيا، ازداد تخوّف القيادة الفلسطينية من أن تبدأ الوكالة اليهودية دفع أسعار خيالية للأراضي فتضعف النفوس الفقيرة مادياً ومعنوياً… لذلك تم اصدار الفتوى الدينية عام 1935 ووتبعتها الفتوى السياسية عام 1936! وخلال الأعوام 1936-1939 بدأ الثوار بتشديد الهجوم على سماسرة الأراضي ، فأرسلوا لهم رسائل التهديد والوعيد… فإرتدع عدد منهم ، ومن لم يرتدع عرّض نفسه للتشهير والطرد… لا وبل للقتل! وبالفعل تم قتل وجرح عدد من السماسرة المعروفين وكذلك عدد من المُلاّك الذين باعوا أو حتى بدأوا باجراءات البيع، مما أدى الى إرتداع المتعاونين والسماسرة والجواسيس بشكل كبير… مع العلم أن هؤلاء كانوا قبل الثورة الكبرى يرتعون ويجاهرون علنا بعلاقاتهم الحميمة مع شخصيات صهيونية… ولا أود هنا أن أذكر أياً من

أسماء أولئك العملاء حفاظا على شرف وسمعة عائلاتهم ، فقد كان معظم أبناء تلك العائلات يؤيدون الثورة ويدعمونها (مع أن المثل الفلسطيني الدارج يقول أن الولد المشوم بجيب لأهله المسبّة)… ولكنني أود أن أ

ذكر هنا أنه عندما باع أحد أقارب الحاج امين الحسيني أرضه لليهود ، كان مصيره القتل وبدون تردد!
وقد حاولت الحركة الصهيونية خلال الثورة الكبرى ذر الرماد في العيون ، فسرّبت قوائم بأسماء أشخاص وطنيين مُدعية أنهم باعوا أراضٍ لليهود… كانت تلك القوائم – التي ما زلنا نراها تُقتبس اليوم في الصحافة الصفراء – في معظمها كاذبة والمقصود من ورائها تلويث قيادات معروفة بالوطنية بتهمة البيع! كذلك فليس كل سمسار أو بائع أراضي آنذاك كان قد قُتل على يد الثوار ، بل أن بعض هؤلاء قد تم قتلهم على أيدي عملاء ومأجورين لإحداث بلبلة في الشارع الفلسطيني… فُقتل بعضهم للتغطية على عملاء آخرين أكبر منهم وقُتل أخرون وهم أبرياء لدبّ الشقاق بين الفلسطينيين أنفسهم!

وفي قضية تسريب عقار آل جودة للمستوطنين ، فقد تلاقف الاعلام الفلسطيني الكثير من الروايات التي في معظمها “لا تدخل الدماغ” ، وكَثُر اللغط الذي – في محاولة لتفسير و/أو تبرير ما حصل – أثار عشرات التساؤلات وعلامات الإستفهام …

وما زال الشارع الفلسطيني اليوم يتساءل عن قصة الشاري الذي اشترى العقار وباعه لشركة استيطان والذي يظهر اسمه ورقم هويته على قيود البيع ؟ وكيف عرف هذا الشخص أساساً بوجود أزمة في عملية بيع العقار فتدّخل بتسديد مليون ونصف دولار بالنيابة عن أصحاب العقار في صندوق المحكمة الإسرائيلية مقابل وضع إشارة لصالحه في دائرة الطابو الإسرائيلية قبل نحو سنتين ثم – قبل ستة أشهر – باع العقار في نفس اليوم الذي إشتراه (23/4/2018) بمبلغ 17 مليون دولار لشركة داهو هولدنغز المسجلة في جزيرة سانت نيفيس الكاريبية حسب روايات بعض الصحف الاسرائيلية ؟

ومن يقف وراء محاولة المشتري الأول وهو شاب فلسطيني أمريكي عليه أصلاً مئة علامة استفهام… وبعد أن فشل الأول بالشراء ، تدخل المشتري الثاني فاشترى وباع بنفس اليوم لشركة الاستيطان بربح فاق 15 مليون دولار؟ وهل تقف ورائهما جهة واحدة أم جهتان؟ وما هي قصة هذا الفلسطيني الشاب “المُعارض” الذي يجلس في واشنطن وكان سيشتري العقار، وهو معروف بعلاقاته مع مخابرات وأشخاص مناوئين بشدة للرئيس الفلسطيني؟ وهل صحيح أن دولة خليجية كانت تريد الوقوف علناً في وجه حكومة الاحتلال وحماية عقارات القدس فمنحت الفلسطيني الشاب مليوني دولار لشراء العقار؟ وما علاقة بعض الشخصيات المقدسية المرموقة التي طُرحت أسماؤها في خضم الدفاع عن البائع أو المشتري الأول أو الثاني؟ ولماذا خرج البعض عن صمتهم فإنبروا للدفاع عن أحد المشترين؟ فهل أرادوا إعادة ” وضع بيضاتهم في سلّة ” هذا المعسكر أو ذاك؟ وما هي علاقة القيادي الفلسطيني المتواجد في المنافي العربية في الموضوع؟ واذا كانت له علاقة فهل كان هدفه فقط مناكفة الرئيس الفلسطيني ومحاولة إضعاف القيادة الفلسطينية في القدس أم أن هناك مآرب أخرى؟

وأخيرا وليس آخرا – كيف استطاع مواطن عادي تسجيل مكالمات هاتفية هامة وحسّاسة لعدد من الأشخاص من أصحاب العلاقة ومنهم من اشترى وباع ، ومحامي الذي حاول الشراء وفشل ، وأصدقاء الذي باع وغيرهم؟ وكيف تم ذلك وبهذه السهولة مع أن كل شخص بدأ حديثه المُسجّل بإدعاء معرفته بأن هناك تسجيل ولكنه في النهاية “بقّ البحصة” كاملة كما يقول اللبنانيون؟ الى آخره من الأسئلة والتساؤلات التي لا يقصد الجمهور الفلسطيني من ورائها إلا معرفة الحقيقة… كامل الحقيقة!

بالتاكيد فإننا لن نحصل على اجابات واضحة لا اليوم ولا غداً ولا حتى بعد غد… لأن الاعلام المعادي والصحافة الصفراء يعملان  وبكل ما أؤتيا من قدرة و”فهلوة وحربقة” – لتشويه الوقائع وطمس الحقائق… ولكن الأهم من ذلك كله هو كيف سيتعامل المسؤولون ومعهم ومن ورائهم كل الوطنيين والشرفاء مع هذه المسألة التي أصبحت اليوم – كما أسلفنا – قضية رأي عام في الشارع المقدسي؟ فالجميع يعرف بالأسماء وبالأدلة القطعية – بل بالصوت والصورة – من اشترى العقار ومن باعه في اليوم ذاته لشركة داهو الاستيطانية، ومَن ما زال يحاول ذر الرماد في العيون في الداخل والخارج … فهل سيتم استخدام أساليب الـ 1936 في الترهيب والترعيب أم سيكون هناك أساليب أخرى لردع كل من تسوّل له نفسه التفريط في سنبلة من سنابل الوطن وعقاراته المقدسة في أرض الرباط؟

Print Friendly, PDF & Email