لم يبق لابنها من موت الا موت الموت

بقلم عيسى قراقع
نائب في المجلس التشريعي
رئيس هيئة الاسرى والمحررين سابقا

دفنت والدها هناك في سوريا , الشهيد عبد الحميد ابو سرور الملقب ( ابو غضب ) , والذي ارتقى في غارة اسرائيلية عام 1981 على مواقع الثورة الفلسطينية في لبنان , عادت الى فلسطين تحمل روح والدها الشهيد لتنجب ابنها البكر الذي حمل اسم جده , وليكمل حياته من بعده على ارض الوطن , وليكمل مسيرة شعب محمول على تابوت في كل الجهات , العمر المقتول في المنافي يزهر عمرا اخر هنا , ففلسطين ولدت من سطوة الغياب , والشهداء يعودون دائما ويتبادلون ارواحهم في اشتباك المسافات .
هي ازهار ابو سرور ام الشهيد عبد الحميد 19 عاما الذي ارتقى شهيدا يوم 18/4/2016 في القدس , وهو يعتبر اقدم شهيد فلسطيني محتجز لدى سلطات الاحتلال الاسرائيلي منذ اندلاع هبة القدس في تشرين اول عام 2015 , ترك مائدة الغداء وودع والديه وشقيقته الصغيرة ” شام ” ذات العامين والتي يحبها كثيرا ودخل القدس من بواباتها السبع رغم الحواجز ونقاط التفتيش والكاميرات والبوابات الألكترونية والهجمة المسعورة من المستوطنين المتطرفين على المقدسات في المدينة , لم يعد عبد الحميد الى المنزل , لم يقرع الباب , واذا ما قرع تقفز الطفلة شام وتهرع بسرعة معتقدة ان شقيقها عبد الحميد قد عاد .
منذ استشهاد ابنها وازهار لا تهدا , تشارك في كل الفعاليات والاعتصامات واللقاءات , تطلق صوتها عاليا وتنادي على ابنها الشهيد , تنادي على الضمير العالمي من اجل ان يعود الشهداء الى بيوتهم مكتملين سالمين ساكنين مع ارواحهم دون غياب او نقصان
ما اثقل الايام , ازهار لا تلتفت الى عقارب الزمن , لا تنام , من يغسل الموتى الان ؟ اجابوها : الميت يغسل نفسه بدمه الفائض عن الماء , صوت الماء هو الحرية , لم تصدق ازهار لانها ترى عيني ولدها مفتوحتين برجاء على السماء , وهي التي تسمع احلامه الكبيرة تطير في فناء البيت …
الشهيد الشاب عبد الحميد قتلوه مرات ومرات , حرقوه وعبأوا انفاسه بالدخان , جمدوا جسمه في الثلاجات , وعندما ارتفعت حرارة روحه وذاب الثلج وتحركت يداه , سارعوا بنقله ودفنه سرا في ما يسمى مقابر الارقام العسكرية , شطبوا اسمه واستبدلوه برقم ولا زالوا متوجسين , يراقبون القبر , خائفون ان ينهض الشهيد من تحت التراب , يراقبون الاشارات . شجرة رمان تنمو فوق القبر , هدهد ينقر ويغني ويقفز ويعلن ان المدفونين اعلنوا ثورة تحت التراب .
ازهار ابو سرور حفرت قبر ولدها بيديها , رشته بالحناء وماء الورد , مسدت التراب وزرعت حوله الازهار , ما اجمل القبر , وما احلى ليلة الزفاف الى قبر يبتسم فاغر الفاه مشبع بالبياض, هي تجلس عند القبر , تنتظر , واذا عاد ابنها ستقول له ما زلت اريدك , وعندما تحيا ثانية اريدك ان تكلمني وتعانقني .
ما هذه المراة التي تريد ان ترى الموت ؟ وعندما نسالها تقول : لا اريد لابني من موت الا موت الموت , سيخرج من موته وجسده , روح الشهيد دائما تعود الى اوله , فالموت لا يوجع الموتى بل يوجع الاحياء .
لا زال اكثر من 252 شهيدا محتجزا لدى سلطات الاحتلال الاسرائيلي بعضهم منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم , ترفض سلطات الاحتلال الافراج عن جثامينهم وتسليمها لعوائلهم , ويعتبر ذلك جريمة ضد الانسانية , وعقاب جماعي وجزء من منظومة الانتهاكات الجسيمة المنظمة ضد القانون الدولي الانساني وضد حقوق شعبنا العادلة .
ازهار ابو سرور طرقت ابواب كل المؤسسات المحلية والدولية واروقة المحاكم والقضاء , حاولت ان تحرر النصوص والمواثيق الدولية من جمودها وسكونها مطالبة ان يتحرك العالم ويسمع نبضات عروق الشهداء في ارضنا الحية , وامام مجلس حقوق الانسان في جنيف قالت : من قبر الى قبر , ومن مذبحة الى مذبحة , ومن سجن الى سجن , يساق شعبي وينهض من بين الظلمات والانقاض , يرفع شارة النصر , يرفع الاعراس , فللشهداء احفاد , وللموت انفاس .
هذه الام ليس لها امنية سوى ان تمشي في جنازة ابنها , تحتضن رفاته وتقول له : الحمد لله على سلامتك يا ابني الحبيب , هنيئا لك بالافراج والحرية , ها قد عدت اخيرا , اشتقنا اليك يا ولدي , لا تلتفت ازهار الى اسئلة الناس المدهوشين , من الذي تحرر الموت ام الميت ؟؟

ازهار ابو سرور تقتحم ساحات الاعدامات والتصفية الميدانية التعسفية خارج نطاق القضاء والتي صارت ظاهرة روتينية يقوم بها جنود الاحتلال , اعدامات في الشوارع وعلى الارصفة , اعدامات في السجون وعلى الحواجز العسكرية وفي غرف النوم وعلى سجادة الصلاة , صوتها يوجع العالم وهي تفضح جرائم دولة الاحتلال الوحشية .
تسال ازهار : ما هذه الدولة التي تفتخر بالقناصة والمجرمين وتوزع عليهم الاوسمة ؟ توفر لهم الحماية والحصانة والدعم والتشجيع , دولة مافيا تحتجز الميت بعد الموت , تخفي ملابسه وحاجياته الخاصة , لا تبرز اي وثيقة او تقرير , تعتقل كل شيء في البعيد والنسيان , هي دولة يعترف احد قادتها وهو يهودا باراك انه قتل 300 فلسطيني خلال ثلاثة دقائق ونصف , وتعترف شرطتها انها اعدمت 200 فلسطيني في الفترة الواقعة بين 2015 – 2017 , ازهار تمسك رقبة الموت , تواجه سياسة الاعدامات في الدنيا وتواجه سياسة اعدام الشهداء واختفائهم القسري في ابديتهم الخالدة

ازهار ابو سرور تقتحم البرلمانات الدولية , ما هذه الدولة التي تشرع قوانين عنصرية تجيز احتجاز جثامين الشهداء بغرض المساومة والمبادلة ؟ افتحوا القبور , اجساد سرقوا اعضاء منها وتاجروا بها , افتحوا القبور كي تشعروا انكم احياء لمرة واحدة .

ازهار ابو سرور هي الُمشِيع والمُشَيع , هل مات العالم ؟ لا غضب , لا ذكرى , لا حلم , لا ماضي , لا غد , لا سلام , لا حرب , تمتشق ازهار ضلعا من ضلوع ولدها وتكسر هذا السكون المطلق , لا مساومة على الدم , لا مجال للصمت امام تشريع الجريمة وحماية المجرمين .
ازهار ابو سرور لا تريد لابنها من موت الا موت الموت , والموت عندما يخرج من الموت يصير ولادة , فالشهيد لم يكن في صراع مع الموت , كان في صراع على الحرية , وكما قال محمود درويش :
وكم مرة
سيولد في ابنه الوالد
وتحمل غابة بذرة
هي الثورة
هي الثورة

Print Friendly, PDF & Email