الى جنود الحافلة.. قف وفكر

كتب: حمدي فراج

تساءل الكثيرون ممن شاهدوا التسجيل المصور لصاروخ الكورنت يتربص بحافلة الجنود الاسرائيليين في منطقة جباليا، لماذا لم يقصفها قبل ان تفرغ حمولتها مما يتراوح بين ثلاثين الى خمسين جنديا ، لماذا اراد قصفها فارغة خاوية، لماذا يخاطر بسمعته وشهرته الحربية العالمية خلال فترة نزول الجنود ان تختفي الحافلة من امام عينيه فيفقد هدفه محملا و خاويا على حد سواء .

لم يكن هذا قراراً خاصاً بصاروخ الكورنيت الروسي الصن، ولا بالاصبع الرابض على زناده، بل بالمخ الفلسطيني الذي اراد توصيل رسالة ان الثورة الفلسطينية منذ رصاصتها الاولى لم تكن ثورة قتل و سفك وابادة ، بل ثورة ارادة على طرد المحتل ووضع الحد لجبروته وعتق الشعب الفلسطيني من براثنه و طواغيته. كان يريد توصيل رسالة ان هذه الثورة ليست دموية ، تقاتل من اجل القتل ، بل ثورة مفاهيم ، مفهموم يناطح مفهوم ، حتى في ميادين الحرب والنزال ، ان الحق ينتصر على الباطل، والنور ينتصر على العتمة ، والخير ينتصر على الشر ، والحرية تنتصر على القيد ، والانسان ينتصر على الحيوان ، والحاضر ينتصر على الماضي ، والفلسطيني ينتصر على الصهيوني ، ومجرد كسرة خبز تنتصر على الجوع.

ما الذي سيقوله هؤلاء الجنود الخمسين لبعضهم بعضا وهم يتفرجون على موتهم المؤكد والمحتم ؟ سيكابرون ، لا بأس ، سيقولوا انها قيادتهم الحكيمة التي اوعزت بتنزيلهم لحظات قبيل انطلاق الصاروخ ، رغم ان وزير دفاعهم قدم استقالته ، ولا مجال هنا للحكمة ولا للحنكة ، لا ولا حتى “للدفاع” الكاذب ، فلقد حضروا للقتل من كل ارجاء “المحمية” للفتك بغزة ، شعبا ومقاتلين وشجر ومباني وتاريخ وجغرافيا ، انها تحت حصارهم منذ ما يزيد على عشر سنوات ، عبارة عن سجن كبير ، لا يتلقى فيه المسجون ثلاث وجبات يوميا ، كان الفتك بغزة حلما راود حتى اسحق رابين “بطل سلام الشجعان” والحاصل على جائزة نوبل ، يحلم ان لا يفيق من النوم ، الا وان يكون البحر قد ابتلعها.

اذا لم يستطع هؤلاء الجنود الخمسين، الذين أعتقهم الكورنيت من الموت المحقق، اذا لم يستطيعوا مواجهة بعضهم البعض ، فعلى عائلاتهم ، آباؤهم ، أمهاتهم ، زوجاتهم ، ابناؤهم وبناتهم ، مواجهتهم ، ان كفوا عن لعب دور الضحية ، ان كفوا عن مهزلة انكم جيش “دفاع” ، ان كفوا عن اوسخ دور في التاريخ البشري ، استعمار واحتلال واستعباد الآخرين ، لقد زادت المسألة عن كل حدودها وامكانياتها ، حتى لامست السبعين سنة، ماذا ظل من موبقات ضد هذا الشعب لم ترتكبوها ، وماذا ظل من تساهلات وتنازلات لدى قيادة هذا الشعب لم تقدمها ؟ قفوا وفكروا.

Print Friendly, PDF & Email