تقرير لمركز معا: مبيدات حشرية في الضفة وغزة تزيد من نزعة الاكتئاب والانتحار

بيت لحم/PNN- ناقش تقرير أخير لمركز العمل التنموي/ معا تأثير المبيدات الحشرية المستخدمة للقضاء على الآفات والحشرات ليس لما تسببه من أضرار فيزيائية وصحية خطيرة فقط، ولكن أيضاً تأثيرها على الوظائف الدماغية والنواحي النفس-عصبية للإنسان. حيث ينزعُ الباحثون في الآونة الأخيرة إلى تأكيد خطورة معظم أنواع المبيدات الحشرية الكيميائية على الجهاز العصبي عموماً، مما يتسبب باضطرابات نفس-عصبية جدية على المدى البعيد وحتى على المدى القصير. وتأتي غالبية هذه الدراسات من حقل علمي يعرف بعلم التسمّم العصبي.

وأشار التقرير المعد من قبل “نورس كرزم إلى أن أبرز المركبات الكيميائية المستخدمة في المبيدات الحشرية –والتي تمت دراسة تأثيرها مخبرياً على الوظائف العصبية- هي الفوسفات العضوية (Organophosphates). ففي دراسة بريطانية حديثة، أثبت عدد من الباحثين أن هنالك صلةً أكيدة ما بين استخدام الفوسفات العضوية كمبيدات حشرية وبين تزايد النزعة للانتحار والاضطرابات العقلية المرافقة، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمزارعين الذين هم على تواصل مباشر مع مثل هذه المركبات الكيماوية. تستخدم الفوسفات العضوية في عدد لا بأس به من المركبات الكيماوية، ولكن أبرز استخدام لها هو في المبيدات الحشرية. أما تأثيرها الدماغي، فيتمثل أساساً في أنها تثبط عمل أنزيم يدعى “أستيل كولين ستيراز”(acetylcholinesterase).

من المعروف، ذكر التقرير، أنه أثناء العمل الطبيعي للدماغ البشري، تتناوب النواقل العصبية والكيميائية في مساراتها بين الخلايا الدماغية وخلايا الجسم الأخرى من قبيل العضلات والغدد والألياف. بعد أن تنهي النواقل الكيميائية عملها في الجهاز العصبي، من المفترض أن تتم إزالتها بالأساس عبر إنزيم أستيل كولين ستيراز. وهنا يأتي الدور الخطير الذي تلعبه الفوسفات العضوية المتواجدة في المبيدات الحشرية في كونها تثبط عمل هذا الإنزيم من خلال اتحادها معه وبالتالي تجعله غير قادر على وقف موجات التحفيز العصبي (الإشارات الكهربائية أو النواقل العصبية والكيميائية)؛ ما يؤدي إلى ضرر دماغي-عصبي بالغ، يعمل على المدى البعيد في زيادة احتمالية النزوع إلى الاكتئاب والانتحار.

ومن المثير للاهتمام أن هنالك تصنيفاً عصبياً خاصاً في دليل الاضطرابات النفسية والعقلية يدعى باضطراب الفوسفات العضوي العصبي المزمن (chronic organophosphate-induced neuropsychiatric disorder) والذي يسببه التعرض المستمر للمبيدات الحشرية التي تحوي هذه المركبات الكيميائية (Dawson, 2017).

المبيدات الحشرية والاكتئاب السريري المزمن

وفي دراسة كورية، أثبت الباحثون أن تعرض المزارعين أو المستهلكين لأغذية استخدمت فيها هذه المبيدات الحشرية عموماً، يزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب السريري المزمن. والسبب الرئيسي وراء هذا التأثير هو أن بعضاً من أنواع المبيدات الحشرية تؤثر سلباً على عمل الغدد الصماء ما يؤدي إلى تأثيرات نفس-عصبية لاحقاً (Koh et al., 2017).

ولعلنا لا نبدي تعجباً مفرطاً إزاء هذه النتائج المخبرية إذا ما علمنا أن منظمة الصحة العالمية كانت تحذر من العلاقة ما بين استخدام المبيدات الحشرية والاضطرابات العصبية منذ مدة، ولكن الواضح أن الشركات العالمية المستفيدة من تجارة المبيدات قد سعت بكل ما أوتيت من نفوذ إلى إخفاء هذه الحقائق العلمية عن العامة وخصوصاً عن المزارعين. ففي دراسة نشرتها دورية منظمة الصحة العالمية (Bulletin of the World Health Organization) على عينة من المزارعين الصينيين، أظهرت النتائج بشكل دامغ أن استخدام المبيدات الحشرية مرتبط بالنزوع إلى الانتحار والاكتئاب الحاد (Zhang et al., 2009).

الواقع الفلسطيني

بعد أن أتينا على ذكر العلاقة ما بين استخدام المبيدات الحشرية (وبالتحديد الفوسفات العضوية) والاضطرابات العقلية والنفسية، يحق لنا أن نتساءل: هل تستخدم هذه المبيدات على أرض الواقع في السياق الفلسطيني؟ وفقاً لمجلة آفاق البيئية والتنمية (كانون الثاني، 2018)، هنالك بعض المبيدات الفسفورية العضوية والتي لا يزال يسمح باستخدامها فلسطينياً، ومن أبرزها مبيد (Methidathion) الذي له تسميات تجارية متعددة في السوق، من قبيل: “سوبر أسيد” و “سوبراثيون” وسواهما. ووفقاً لذات المصدر، فإن هذا المبيد تم حظره في مجموعة كبيرة من الدول (بما فيها الاتحاد الأوروبي). بالإضافة لذلك، لا يزال مبيدٌ خطير ينتمي لفئة الفوسفات العضوية يستخدمُ في الضفة والقطاع، ويُدعى تجارياً بـِ “نماكور”، أو (Fenamiphos) علمياً، وتُعتبر درجة سميّته عالية جداً، لذلك حُظِر في دول عديدة.

بناءاً على ما تقدّم، لا تدعُ لنا الدراسات المخبرية والتجريبية في هذا الإطار أي مجالٍ للشك فيما يتعلّق بالعلاقة الوثيقة ما بين التعرض للمبيدات الحشرية والاضطرابات النفس-عصبية، إلى جانب سائر الاضطرابات الصحية الأخرى والتي استفاض الباحثون في تعدادها ودراستها. ولكن الملفت في الأمر، أنه لا تكاد توجد دراسة علمية جديّة واحدة عالجت علاقة المبيدات الحشرية بالاضطرابات النفسية والعقلية في السياق الفلسطيني، إذ يتم عزو هذه الاضطرابات بالعادة للضغوط الحياتية والوضع السياسي، ونقترح هنا تسليط الضوء على هذه المسألة؛ لما قد يتمخّض عن هكذا بحث من نتائج صادمة.

Print Friendly, PDF & Email