“ترامب تحقيق حلم روسي يقلق إسرائيل”

واشنطن/PNN – لا يزال قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الانسحاب من سورية، يشغل المحللين الإسرائيليين، من باب زيادة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط عامة، وفي سورية بوجه خاص. كما بدأت تثار مجددا علامات الاستفهام حول الرهان على الرئيس الأميركي، لدرجة اعتباره تحقيقا لحلم روسي، ومدينا لموسكو بفوزه بالرئاسة، أو “أسيرا بطريقة أو بأخرى للكرملين” أوكمن يدفع بمصالح روسيا في كافة أنحاء العالم وكأنه يعمل كمقاول ثانوي لديها.

وتتصاعد المخاوف الإسرائيلية في ظل استمرار الهجمات التي تشنها على سورية، بذريعة منع بناء قواعد إيرانية في سورية أو إحباط عمليات نقل أسلحة متطورة إلى حزب الله، والخشية من التصادم مع روسيا، رغم التلميحات إلى أن موسكو توظف الهجمات الإسرائيلية لصالح “قصقصة أجنحة” إيران في سورية بهدف توسيع نفوذ روسيا دون الدخول في صدام مع طهران.

كان رد وزارة الدفاع الروسية على العدوان الإسرائيلي على سورية، هذا الأسبوع، مقلقا لإسرائيل في شدته، ولكنه لم يشذ عن اللهجة التوبيخية التي اتبعتها الوزارة منذ إسقاط الطائرة الإلكترونية الروسية فوق اللاذقية في أيلول/سبتمبر الماضي. وكان المتحدث باسم وزارة الدفاع، الجنرال إيغور كوناشينكوف، قد حذر، قبل شهرين، من “الاستفزاز” في سورية من قبل “ذوي الرؤوس الحامية”، دون أن يذكر اسم إسرائيل بشكل صريح.

ومع تصاعد النفوذ الروسي في سورية، بالتزامن مع استمرار وقوع الدمار الذي تخلفه الطائرات والصواريخ الإسرائيلية، فإنه تجدر الإشارة إلى أن روسيا قد تعهدت بحماية دمشق بواسطة صواريخ “إس 300″، وبالنتيجة فإن تقديرات تشير إلى أن “الصبر” الروسي قد ينفد، لأن إسرائيل لم ترتدع بعد عن النيل من هيبة موسكو، ولم تجعلها الصواريخ الروسية تدفع ثمنا يضطرها لوقف هجماتها.

وبحسب مراسل صحيفة “هآرتس” في الولايات المتحدة ومحللها للشؤون الأميركية، حيمي شاليف، فإن وزارة الدفاع الروسية تلعب دور “الشرطي السيئ”، في حين يلعب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، دور “الشرطي الجيد” أو “الشرطي الصامت” أو “الشرطي الأكثر ترويعا”. ويضيف، أن بوتين غير معني بمواجهة مع إسرائيل، في هذه المرحلة على الأقل، وربما يكون راضيا عن قيامها بـ”قصقصة أجنحة” إيران في سورية، ولكن هناك حد لمدى جاهزيته لامتصاص الإهانات من إسرائيل، خاصة بعد انسحاب ترامب.

وبحسبه، فإن سيناريو أن يطفح الكيل بالنسبة للكرملين تجاه إسرائيل، بسبب نجاحها أو نتيجة خلل ما، قد بات أقرب أكثر من أي وقت مضى. وعندما يتصاعد التوتر بين الطرفين، وتصبح التحذيرات صريحة، فإن خطر التصادم المباشر قد لا يكون بالإمكان منعه، خاصة وأن دينامية التدهور معروفة من تاريخ يعود إلى نصف قرن في ظروف مماثلة.

ويشير في هذا السياق إلى أنه في الثلاثين من تموز/يوليو عام 1970 قام سرب إسرائيلي يتألف من طائرات “ميراج” و”فانتوم” بإسقاط 5 طائرات تابعة لسلاح الجو السوفييتي، مع طياريهم، في أجواء قناة السويس. ولم تكن الحادثة مجرد صدفة، وإنما بمبادرة إسرائيلية، أوقعت الروس في كمين خطط له سلاح الجو الإسرائيلي.

ويضيف أن إسرائيل قررت في حينه القيام بهذه العملية الخطيرة لإيصال رسالة لروسيا مفادها أنها لن ترتدع عن التصادم المباشر مع الطائرات التي أرسلتها موسكو لحماية الجيش المصري، وخاصة منظومات الصواريخ الروسية المضادة للطيران. وفي حينه انجرت موسكو إلى المواجهة، خلافا لرغبتها، بعد أن كشفت القذائف الإسرائيلية فشل منظومات الحماية الجوية التي قدمتها موسكو لمصر.

ويشير أيضا إلى أنه في حينه أثارت العملية مخاوف لدى الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، الذي خشي من الانجرار إلى مواجهة في الشرق الأوسط بينما يخوض معركة صعبة في الشرق الأقصى. وضغط على إسرائيل للتوقيع على اتفاق وقف إطلاق نار بعد أسبوع فقط. بيد أن الحسم تأجل مدة ثلاث سنوات، إلى تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، عمل الاتحاد السوفييتي خلالها على تطور منظومة الدفاعات الجوية ضد الطائرات في سورية ومصر، ما اضطر إسرائيل إلى دفع الثمن خلال الحرب، حيث خسر سلاح الجو الإسرائيلي، خلال 3 أسابيع، 102 طائرة حربية، 51 طائرة على كل جبهة.

إلى ذلك، يضيف شاليف، أن طموحات واعتبارات بوتين عام 2018 لا تختلف في جوهرها على تلك لليونيد بريجينيف والقيادة السوفييتية عام 1970، فبوتين يسعى لجعل الشرق الأوسط منطقة نفوذ، كموقع أمامي أمام القوات الأميركية في الخليج، وحلف شمال الأطلسي في أوروبا. وفي حين عمل كل الرؤساء الأميركيين، من دوايت آيزنهاور وحتى باراك أوباما، على مواجهة طموحات التوسع الروسية، بأساليب وبدرجات نجاح متفاوتة، فإن أحدا لم يشكك بذلك حتى مجيء ترامب.

الرئيس الأخطر

ينظر لترامب على أنه صديق حقيقي لإسرائيل، ولكن الإعلان عن الانسحاب من سورية زعزع الثقة بدعمه، حيث ينظر إلى الانسحاب كتعبير عن الميل الانعزالي للرئيس، ورغبته في التوقف عن التدخل العسكري المادي، كما تعهد في حملته الانتخابية. وخلال زيارته للجنود الأميركيين في قاعدة “عين الأسد” في العراق، ألمح إلى أنه ينظر إلى إسرائيل بمنظور مختلف، يعتمد على المصالح في جوهره، حيث قال إن “إسرائيل تحصل من الولايات المتحدة على 4.5 مليار دولار وأكثر سنويا”.

وبحسب شاليف فإن “اعتبارات الردع، وعرض القوة، والقيادة الدولية، ورمزية الانسحاب المتسرع من الشرق الأوسط، والتي ينظر إليها كهروب، ليست بديهية لدى ترامب أو تعتبر جانبية مقارنة بأيديولوجية “أميركا أولا” الخاصة به، والتي يمكن أن تجعل إسرائيل تدفع ثمنا باهظا”.

ومن جهة ثانية، يضيف، أن الوضع سيكون أخطر بكثير إذا كان الانسحاب الأميركي هو نتيجة “رؤية ذاتية غير ناضجة وخاطئة”، وتكون أخطر إذا كانت محفزات ترامب “قاتمة” أكثر، حيث أن تحقيقات روبرت مول لم توجه بعد السلاح تجاه الرئيس نفسه، ولكن ما هو معروف حتى اليوم يكفي لإثارة شبهات أن ترامب “أسير بطريقة أو بأخرى بيد الكرملين، وأنه لا شك أن الكرملين صرف ملايين كثيرة من أجل الدفع بترشيحه، ولا يوجد شك بأن أنصاره أجروا اتصالات مستمرة مع ممثلي الكرملين خلال المعركة الانتخابية من أجل الدفع بالهدف ذاته. وحتى لو لم يكن ترامب شريكا في المؤامرة، فإنه يعرف أنه مدين لموسكو”.

ويشير في هذا السياق، إلى أن “رئيس الموساد السابق، تمير باردو، كان قد صرح هذا الأسبوع أن مسألة التنسيق الفعلي بين ترامب وروسيا هي ثانوية، حيث أن الروس درسوا جيدا أي من المرشحين هو الأفضل، وقرروا دعم ترامب، من خلال تفعيل منظومة ذكية من الحرب النفسية والأكاذيب التي نشرت عبر الشبكة بواسطة الذباب الإلكتروني. وبالنظر إلى حقيقة أن 70 ألف صوت هي التي حسمت المعركة لصالح ترامب، فمن الصعب إسكات المخاوف المقلقة التي تشير إلى أنه بدون تدخل الروس لكانت هيلاري كلينتون رئيسة الولايات المتحدة اليوم”.

وكتب شاليف أنه مهما كانت دوافع ترامب، فإن اختبار النتيجة يشير إلى “ترامب هو تحقيق للحلم الروسي”، فهو يدفع بالمصالح الروسية في أنحاء العالم كأنه “مقاول ثانوي لدى الكرملين: يبعد المقربين، ويقرب الأعداء، ويضعف حلف شمال الأطلسي، ويدخل في نزاع مع الصين، ويخفض العقوبات على المقربين من بوتين، ويدفع الغرب إلى التعايش مع ضم جزيرة القرم وغزو أوكرانيا.. وبالنتيجة، فإن الانسحاب من سورية يدخل في هذا الاتجاه”. وفي مثل هذا الظروف، يتساءل هل يمكن الاعتماد على أن ترامب سيدافع عن إسرائيل أمام موسكو كما فعل سابقوه؟، مضيفا أنه ربما سيدافع عنها أمام إيران، أما أمام روسيا فإن ذلك موضع التساؤل، بحسبه.

ويخلص إلى أن ترامب ليس الصديق الأفضل لإسرائيل، كما دأب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو على التباهي به، وإنما الرئيس الأخطر. ويضيف أنه “حتى لو كان الادعاء صحيحا أن أوباما هو الذي فتح أبواب الشرق الأوسط أمام الروس، وخسر سورية، فإنه دخل في مواجهات متكررة مع بوتين وأصر على مواقفه. وكما كتب برت ستيفانس في “نيويورك تايمز” عن الانسحاب الأميركي “طوال 8 سنوات كنت أعتقد أن سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل لن تكون أسوأ، ولكن ترامب، وكما في مجالات أخرى، ينجح في جعل سابقيه أفضل منه بالنتيجة”.

ويتابع أن التغيير يصبح أكثر خطورة عندما يكون الحديث عن تصادم مع أعداء إسرائيل التقليديين، وغالبيتهم يتلقون، بصورة أو بأخرى، دعما من روسيا. فهو يشكل تهديدا بأن الولايات المتحدة لن تستخدم القوة عندما تسعى روسيا إلى حشر إسرائيل في الزاوية أو تهديدها. ورغم أن الجيش الإسرائيلي هو “جيش مدرب وقوي”، ولكنه “قزم أمام مليون جندي روسي، و 3500 طائرة حربية و 15 ألف دبابة، و 55 غواصة، وعشرات آلاف القذائف الروسية”.

أما بالنسبة لإسرائيل، بحسب محلل الشؤون الأميركية، فإن المواجهة مع روسيا هي أسوأ ما يكون في الأيام العادية، فكم بالحري عندما تكون معتمدة على رئيس أميركي لا يمكن الاعتماد عليه في أحسن الأحوال، وفيما عدا ذلك، كمن يعمل في خدمه أعدائها.

وبحسب شاليف، فإن التحليلات السياسية المطلوبة من الإعلان عن انتخابات مبكرة، تدعي أن نتنياهو يستطيع أن يكسب من التوتر في الشمال، والتي تشدد على صورته كـ”سيد أمن”، وتبعد عين الجمهور عن مشاكله القضائية. ما يعني أن “الحديث عن رهان: صدام آخر مع موسكو قد يؤدي إلى إثارة الشكوك بشان صداقة نتنياهو المعروفة مع بوتين، وأكثر من ذلك، بشأن رهانه الكلي والقاتل على ترامب. ومثل هذه التطورات قد ترتد عليه في الانتخابات، مع أنه من غير المستبعد أن يكون الكرملين قد فحص المرشحين، وقرر أن نتنياهو هو الأفضل. وفي هذه الحالة، فإن خسارة الثقة بقدراته السياسية والأمنية سيعوضها الذباب الإلكتروني في الكرملين في نشر الأكاذيب والشيطنة، التي خبرها جيدا”.

Print Friendly, PDF & Email