أثر تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني على الثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني

بيت لحم/PNN- عقدت المؤسسة الفلسطينية للتمكين والتنمية المحلية REFORM جلسة نقاش داخل قبة المجلس التشريعي الفلسطيني في مدينة رام الله، بحضور النائب د. رضوان الاخرس، والنائب كمال حسونة وعدد من النشطاء السياسيين الشباب، وذلك لمناقشة الحالة التشريعية في فلسطين في ظل تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني وعدم انعقاد جلسات للنواب لمناقشة أو سن القوانين تماشياَ مع التغيرات والاحتياجات المجتمعية، وجسر الفجوة والتغلب على حالة الاغتراب المفترضة بين الشباب والمؤسسات العامة الفلسطينية.

تأتي هذه الجلسة ضمن مشروع “نشطاء سياسيين من أجل التغيير” بالشراكة مع Norwegian People’s Aid، والذي يهدف إلى تحسين واقع مشاركة الشباب في عمليات صناعة القرار من خلال تطوير قدراتهم الذاتية وإعادة إنتاج المكونات الاجتماعية في قالب اجتماعي ثقافي قادر على إيجاد نشطاء اجتماعيين لديهم الرغبة والقدرة على النهوض بالمجتمع. هذا وسيعمل المشروع على تعزيز مشاركة النساء في صناعة القرار المحلي وبناء قدرات المشاركين الشباب على إعداد أوراق السياسات العامة، وكيفية تنفيذ حملات الضغط والمناصرة، ورصد مدى استجابة عمليات صناعة القرار لاحتياجات المجتمعات المحلية من خلال تنفيذ عدد من اللقاءات مع السياسيين والمؤثرين في دوائر صناعة القرار في مختلف المناطق من أجل إشراك الشباب في عمليات صناعة القرار، ومناهضة الاصطفاف وتعزيز العملية الديمقراطية.

أدى الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة منذ تموز/ يوليو 2007 إلى تعطيل عمل المجلس التشريعي، نتيجة الصراع السياسي بين حركتي فتح وحماس، وشل قدرته على ممارسة دوره التشريعي والرقابي في الحياة السياسية. وفي الوقت نفسه يبدو أن الطرفين لا يرغبان في دفع استحقاقات إعادة العمل البرلماني الفلسطيني سواء من خلال عودته للعمل أو إعمال الاستحقاق الدستوري المتعلق بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والتي تمثل عنصرا رئيسيا.

كما أدى استمرار تعطل عمل المجلس التشريعي إلى تعميق فقدان أهم أداة رسمية للرقابة والمساءلة، بما يشمل المحاسبة على أداء السلطة التنفيذية (الرئاسة والحكومة والأجهزة الأمنية). وبات غياب دور المجلس التشريعي في الرقابة والمساءلة على أعمال الحكومة والتشريع أمراً مسلماً به، وليس وضعاً استثنائيّاً حتى لدى الفصائل والتنظيمات الفلسطينية، لا سيما الممسكة بالسلطة. وأدى ذلك إلى استمرار حالة التنافس غير المبدئي حتى بين الأشخاص المحسوبين على النظام السياسي، واستمرار التنازع على الصلاحيات بين مسؤولي المراكز والممسكين بالسلطة في طرفي الوطن للتحرك دون أي مساءلة فعلية.

تمثل الانتخابات العامة أداة رئيسية للمشاركة الشعبية لتعزيز الثقافة الديمقراطية واحترام المؤسسات التي تحظى بالشرعية واعمالها بالمشروعية. في المقابل غياب هذه الانتخابات او المؤسسات التمثيلية التي تحظى بالمشروعية تؤدي الى تعزيز الثقافة التسلطية والسلوكيات البعيدة عن احترام القانون وسيادته. أدى غياب إجراءات الانتخابات العامة الى تراجع مشاركة الشباب في العمل السياسي والاجتماعي الامر الذي يؤدي الى معضلة في عملية التحول في المجتمع الفلسطيني سواء كان ذلك من خلال عزوف الشباب عن المشاركة السياسية كالانضمام الى الاحزاب السياسية، والمشاركة المجتمعية كالعمل التطوعي.

القيم السياسية الاساسية للثقافة الديمقراطية

يقصد بالحياة السياسية للمجتمع هي المؤشرات والدلائل على الحياة الحضارية والثقافية، فالمجتمع الحي سياسيا هو مجتمع قادر على التقدم حضاريا وثقافيا ويمكن حصر أهم مقومات الحياة السياسية كما يمكن تسميتها بخصائص الحياة السياسية وهي:

1. حركة المجتمع: حيث لا وجود لحياة سياسية داخل مجتمع ساكن. فالمجتمع المتحرك هو مجتمع يمتلك اليات المقاومة والاحتجاج وإنضاج مطالبه والافصاح عنها اما بطرق قانونية او بفرضها على السلطة. وقادر على تحويل ازماته وصعوباته التي يعيشها الى محطات نمو يخلق اليات ثقافة اجتماعية وسياسية قادرة على مواجهة تلك الازمات وحتى لو عجزت السلطة فالمجتمع قادر على ذلك عبر مؤسسات المجتمع المدني

2. القدرة على تصحيح الذات: المجتمع الديمقراطي هو مجتمع قادر على التعديل وقادر على تصحيح المسار وتعديل الوجه. إن فقدان الحرية وفقدان الديمقراطية كمنظومة قيم هو فقدان للقدرة على التوجه الصحيح. اما المجتمع الذي يفقد الية النقد الاجتماعي والسياسي والبحث عن الاسباب والعلل فهو مجتمع فاقد للقدرة على التصحيح الذاتي.

3. القدرة على بناء قيم تنظم الحقل السياسي تضمن استمرارية الديمقراطية: تتطلب الديمقراطية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية والقبول بالانتقال السلمي للسلطة. فقد يختلف المتنافسون السياسيون ولكن لابد أن يعترف كل طرف للآخر بدوره الشرعي، ومن الناحية المثالية يشجع المجتمع على التسامح والكياسة في إدارة النقاش بين المواطنين. وهذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوي بداهةً على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية الشائعة.

لكن الانتخابات الحرة لوحدها ليست كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً: فثقافة المؤسسات السياسية والخدمات المدنية فيه يجب أن تتغير أيضاً، أي بمعنى آخر يحتاج الحاكم الى شرعية الاداء والانجاز من ناحية، والقبول بالاختلاف وادارة المجتمعات المختلفة بحيث يعطى للاختلاف منزلة سياسية وثقافية ومعنوية واعتبرها خطوط توتر منتجة لقيم جديدة او اضافية وفاتحة لأفق وامكانيات جديدة من ناحية ثانية.

الانتخابات كآلية تحقيق للديمقراطية في المجتمع:

إن مبدأ مشاركة المواطنين الإيجابية في البناء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والإسهام في اتخاذ القرارات في مختلف مناحي الحياة، ومراقبة تنفيذها سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يعتبر شكلا ديمقراطيا يجسد ممارسة المواطنين للسلطة، ونوعا من أهم الحريات الأساسية وحقا من أرقى الحقوق الجوهرية للإنسان.

والانتخاب هو قاعدة النمط الديمقراطي، إنه طريقة لتداول السلطة مختلفة عن الوراثة والتعيين أو الاستيلاء، والتنافسية هي إحدى الركائز الأساسية في الانتخابات، حيث يختار المواطنون بين عدة مرشحين، “فإذا كان كل البشر متساوين وأحرارا، لا يستطيع أن يأمرهم إلا من تم اختياره لهذا الغرض من قبلهم، هكذا، فكل سلطة، يجب أن ترتكز على الانتخاب “.

وتكمن أهمية الانتخاب في النظام الديمقراطي من المكانة التي تبوأها، باعتباره أحد العناصر الثلاث المكون له وأولها وهي: تعيين الحكام بالانتخاب الشامل، والفصل بين السلطات (separation of power)، وتراتبية القواعد القانونية التي تضمن رقابة قضاة مستقلين للسلطات العامة. لهذه المؤسسات المرمى نفسه، منع السلطة السياسية في أن تكون قوية للحفاظ على حريات المواطنين. فالتمثيل الشعبي عبر الانتخابات يسمح للمواطنين بتعيين الحكام وبعدم إبقائهم في السلطة عند انتهاء ولايتهم، ومن شأن مبدأ فصل السلطات رقابة كل جهاز حكومي من قبل الجهاز الآخر، بحيث أن “السلطة تحد السلطة” يقول مونتسكيو “إن مبدأ الشرعية وتراتبية القواعد القانونية يضمنان هذا التقيد للحكام في مختلف الدرجات ويوفران للمواطنين وسائل الاعتراض على الأعمال غير الشرعية”.

فالانتخاب هو وسيلة إسناد السلطة السياسية في النظام الديمقراطي، وبقدر ما يكون التوسع في تقرير حق الانتخاب وانتظام ممارسته يكون تحقيق النظام الديمقراطي على وجه أمثل لكون الانتخاب هو العملية القانونية التي تؤدي إلى وجود الهيئات النيابية.

دور البرلمان في تنمية الثقافية الديمقراطية:

تحتل السلطة التشريعية مكانة هامة داخل النظام السياسي، بل تحدد طبيعة النظام السياسي الذي يتبناه الدستور انطلاقا من العلاقة التي تقوم بين السلطة التشريعية والتنفيذية؛ فقد تكون العلاقة مبنية على أساس الفصل المطلق بين السلطات، كما هو سائد بالنظام الرئاسي، وإما على أساس التعاون والتأثير المتبادل وهذا يعرف بالفصل المرن بين السلطات كما هو الحال في النظام البرلماني، وبعضها يقوم بالمزج بين النظام البرلماني والرئاسي وهذا ما يدعى النظام الشبه رئاسي.

تزداد أهمية العمل البرلماني ومخرجاته السياسية كون البرلمان يجمع لثلاث اختصاصات سياسية، فهو هيئة برلمانية تعبر عن هموم وآراء المواطنين، هذا بجانب انه آلية تشريعية تضع القوانين التي تنظم الدولة بأسرها، كما تمتد أهمية البرلمان إلى أبعد من ذلك، فهو جهة رقابيكة على المؤسسات التنفيذية، ولعل اجتماع هذه السلطات في يد البرلمان هو مصدر قوتها وأهميتها .من المعلوم، يتم الاعتراف بأهمية المؤسسة البرلمانية ولجانها الدائمة والمؤقتة من قبل المواطنين، من خلال قدرة البرلمانات على تقديم اسهامات تشريعية لمعالجة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والخدمية، والقدرة على مواجهة التحديات الآنية والمستقبلية.

يلعب البرلمان دورا محوريا في بناء المجتمع الديمقراطي وفي تعزيز الثقافة الديمقراطية من خلال قيامه بمهامه الاساسية والتي تتمثل بما يلي

أولاً: التشريع:

العملية التشريعية هي الإجراء الدستوري أو الرسمي الذي يهدف إلى سن القوانين، أي إقرار وإصدار قواعد قانونية ملزمة للجميع من المجالس النيابية باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصيل في التشريع وبصفتها المعبرة عن إرادة الشعب وممثله في هذا المجال.

تتكون العملية التشريعية (سن القوانين وإخراجها إلى حيّز الوجود الخارجي) عادة من مراحل أساسية أربع تبدأ باقتراح أو بمشروع القانون المقدم إلى البرلمان الذي يقوم بالمناقشة والتصويت بأخذ الرأي عليه، ويلي ذلك التصديق من رئيس الدولة فالإصدار وأخيرا النشر بالجريدة الرسمية مقترنا بالتاريخ المحدد لتطبيقه وسريانه.

فالإجراءات التشريعية هي الطرق التي يتبعها البرلمان في إنتاج القواعد القانونية بما في ذلك المسار الذي يسلكه القانون منذ كان فكرة حتى أصبح قانونا بعد مناقشته. أي ان دور المجلس في هذا السياق اطلاع المواطنين ومشاركتهم وتوفير إمكانية اسهام المواطنين بشكل مباشر أو عبر الأحزاب السياسية أو مؤسسات المجتمع المدني في تطوير التشريعات ونقاشها الامر الذي يخلق ديناميكية وطنية لتطوير الثقافية الديمقراطية في المجتمع قائم على الحوار.

ثانياً: الرقابة:
يستمد المجلس قدرته وتأثيره على السلطة التنفيذية من الشرعية الشعبية التي توفرها له الانتخابات، ومن الإطار الدستوري والقانوني الناظم للعلاقة بين مؤسسات الحكم في السلطة الوطنية الفلسطينية. والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية تعني إخضاع كافة الأعمال الصادرة عن السلطة التنفيذية للرقابة والمساءلة والمحاسبة البرلمانية.

عادة تعمل البرلمانات على تكريس تقاليد برلمانية عصرية في المساءلة والشفافية، مع التأكيد على مبدأ الفصل بين السلطات واحترام سيادة القانون، ومساءلة الوزراء والمسؤولين ومراقبة أداء السلطة التنفيذية. وذلك من خلال اطلاع الجمهور على الاعمال الرقابية التي تكوم بها الهيئة العامة للبرلمان أو اللجان المتخصصة ولجان تقصي الحقائق الامر الذي ينمي وبشكل فعال ثقافة المساءلة لدى المواطنين.

ثالثاً: تعزيز الديمقراطية:
تكريس التقاليد البرلمانية في المجتمع، وإشراك قطاعات أوسع من في اتخاذ القرار. وعلى سبيل المثال فقد قام المجلس التشريعي الفلسطيني في إطار ذلك بتحديد يوم السابع من آذار /مارس من كل عام يوماً للديمقراطية في فلسطين، ينظم خلالها المجلس، وبالتعاون مع المؤسسات الحكومية والأهلية، حملات شعبية واسعة تشمل فعاليات إعلامية وفكرية وسياسية ونشاطات اجتماعية ورياضية، تهدف جميعها إلى خلق تقاليد ديمقراطية حضارية في المجتمع الفلسطيني، والى ضمان حرية الرأي والتعبير. لكن المجلس بعد الانقسام عام 2007 توقف عن تفعيل هذا اليوم كإحدى أدوات التوعية السياسية لدى الناشئة “طلبة المدارس والجامعات”

المجلس التشريعي الفلسطيني يفقد دوره في تعزيز الديمقراطية
أدى الانقسام السياسي الى تعطل عمل المجلس التشريعي منذ العام 2007، كما تم إيقاف العمل بالانتخابات العامة، فيما تم اجراء الانتخابات المحلية في الضفة الغربية فقط، الامر الذي أدى الى تغييب دور المجلس التشريعي في تنمية الثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني والتأثير على المشاركة السياسية للشباب الفلسطيني بشكل سلبي لغياب الانتخابات فأغلب الشباب (الفئة العمرية (18-30) لم يشاركوا في اختيار ممثليهم في المجلس التشريعي وكذلك في اختيار شخص رئيس الدولة. ما أدى أيضا الى اضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على بناء جسر ثقافي يسهل ويهيئ التواصل والتفاعل ما بين أدوات العمل السياسي كالأحزاب.

كما كرس الانقسام السياسي الفلسطيني مفهوم الحزبية العمياء بحيث ألغي التفكير بالعمل السياسي المجتمعي وغياب كامل للمشاركة في العملية السياسية. كما ان الانقسام ادى الى ظهور النظام البوليسي في كل من الضفة وغزة مما أثر سلبا على عموم المشاركة السياسية وعلى وجه الخصوص المشاركة الشبابية في الحياة السياسية.

وفي الوقت نفسه لم تسعَ الأحزاب “الفصائل” الفلسطينية الى توفير آليات ديمقراطية داخلها وابقت على تباعد عقد المؤتمرات والانتخابات للأطر القيادية فيها، وتمسك القيادات “التاريخية” بالاستمرار في القيادة بشكل بيروقراطي، بالإضافة الى هيمنة العلاقات العائلية داخل الاحزاب والجمعيات.

التوصيات:
إن إعادة الاعتبار لدور المجلس التشريعي في بناء المجتمع المدني وتعزيز الثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني، وتعميق مبدأ المواطنة بشقيها الحقوق والواجبات، ومبدأ الانتماء لمصلحة الوطن، واحداث تغييرات جوهرية بما يشمل الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية من اجل توظيف طاقات وجهود جميع الفئات بما فيها الشباب. هذا الامر يطلب إحدى خطوتين؛
الأولى: إعادة الحياة للمجلس التشريعي الفلسطيني؛ بعقد المجلس التشريعي من خلال توحد جميع أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني بكافة أطيافهم السياسية والحزبية تحت سقف قبة البرلمان في أسرع وقت ممكن وإعادة فاعلية هذه المؤسسة التشريعية المهمة في تعزيز السيادة الفلسطينية من خلال ما تقره من قوانين وقرارات تنظم حياة المواطنين والمؤسسات، والحد من انتشار الفساد والرقابة الدائمة لحماية تكامل المجتمع والحفاظ على قوته التي تعزيز من دعم العالم للقضية الفلسطينية وخاصة من خلال البرلمانات العالمية.

الثانية: اصدار مرسوم رئاسي يحدد موعد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال مدة أقصاها ستة أشهر، سواء بالاتفاق بين حركتي فتح وحماس أو دون اتفاقهما، وسواء تم تشكيل حكومة الوفاق الوطني أم لا. وذلك بهدف تعزيز ثقافة الديمقراطية وقيمها، وتنمية روح المبادرة والعمل، وبث مبادئ العدالة الاجتماعية واحترام الحريات العامة، وتطوير اليات الحوار المجتمعي وتعزيز السلم الاهلي.

Print Friendly, PDF & Email