القرصنة الإسرائيلية للأموال الفلسطينية: ليست المرة الأولى ولكنها الأخطر

بقلم/ فادي قدري أبو بكر

هيئة شؤون الأسرى والمحررين

رغم أن هذا الاعتداء الإسرائيلي الأخير على أموال المقاصة الفلسطينية الذي دخل حيز التنفيذ في أواسط شهر شباط / فبراير 2019 ليس الأول، إلا أن السياق الذي جاء فيه يجعله الأخطر، في رأينا، كونه ولأول مرة يتم بناءً على قانون أقره الكنيست الإسرائيلي، وبخلاف المرات السابقة التي كانت تُحتجز فيها الأموال لأسباب سياسية، ثم يفرج عنها، أو يتم الخصم تغطية لقيمة مشتريات السلطة من الكهرباء والمياه والخدمات الصحية وغيرها، فإن الاقتطاع الجديد تم لأسباب تتعلق بسياسات الانفاق العام للسلطة، وتحديداً بما تنفقه على الأسرى وعائلاتهم من رواتب وغيرها. وبذلك تفتح “إسرائيل” باباً واسعاً لقرصنة إسرائيلية مستمرة تحت ذرائع مختلفة لا تنتهي، باعتبار أن السلطة تراعي كافة فئات الشعب الفلسطيني، بما فيها الأسرى والجرحى والشهداء وعائلاتهم كواجب وطني يقع ضمن مسؤولياتها كسلطة وطنية فلسطينية.

لا تقتصر هذه القرصنة والارهاب الاقتصادي الذي تشنهما الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية على الفلسطينيين فقط، بل تمتد لتشمل العالم بأسره، فمنذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، قامت الإدارة الأمريكية بتقليص ميزانية الأمم المتحدة بحوالي 285 مليون دولار ووقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في قرصنة علنية وإرهاب اقتصادي واضح موجّه لمؤسسات المجتمع الدولي وكل من يفكر في الوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني، ولم يقوى هذا المجتمع الدولي على اتخاذ وقفة جادة في وجه ترامب وارهابه الاقتصادي. ومن هنا تمكن خطورة القرصنة الأخيرة لأموال الشعب الفلسطيني، التي تحتاج من الفلسطينيين اتخاذ إجراءات غير تقليدية ليست على غرار سابقتها في مواجهة هذا الإرهاب الاقتصادي.

على الرغم من الموقف الثابت والواضح للقيادة الفلسطينية إزاء سرقة وقرصنة أموال المقاصة الفلسطينية، والذي تجلى برفضها التام لاستلام كامل المقاصة، إلى حين إعادة كامل المبالغ المقتطعة، إلا أنه بات وجوباً على القيادة السياسية اتخاذ خيارات أخرى تقضي أهمها بالتوجه وبشكل مباشر وفاعل لإلغاء اتفاق باريس الاقتصادي، أو على الأقل إدخال تعديلات جوهرية على بنوده، حيث يعاني هذا الاتفاق أوجه قصور تمثلت بشكل أساسي في أنه اتفاق أصبح من الماضي مرتبط بفترة انتقالية كان المفترض أن تنتهي عام 1999م ولا يأخذ في الاعتبار تحديات الاقتصاد الفلسطيني الحالية و طموحاته المستقبلية في ظل دولة فلسطينية مستقلة. هذا فضلاً عن عدم التزام إسرائيل بتنفيذ بنود البروتوكول بما في ذلك التزامها بإعطاء السلطة الوطنية الفلسطينية كامل الحقوق المالية الناجمة عن ما تُحصّله الحكومة الإسرائيلية من ضرائب شراء وجمارك على الواردات الفلسطينية القادمة عبر الموانئ أو المنافذ الإسرائيلية .

لا تقتصر مسؤولية المواجهة على السلطة الفلسطينية، فهي مسؤولية مجتمعية بالدرجة الأولى كون الاعتداء الاسرائيلي يمس الكل الفلسطيني، ومع الأسف الشديد فإن التفاعل الجماهيري ليس بحجم الحدث حتى اللحظة، إذا ما قارناه بحراكات الضمان الاجتماعي علماً بأن قضية الأسرى والشهداء ذات قدسية كبيرة.

تكمن أهمية التفاعل الجماهيري في أنه من شأنه أن يعزز الخطاب الرسمي المجابه، بحيث ينقل رسالة مزدوجة للمجتمع الدولي والثنائي الإسرائيلي والأمريكي تفيد بأن استمرار دفع هذه المخصصات ضرورة لضمان السلم الأهلي الفلسطيني، والاستمرار في هذا القرار المجحف قد يجر الوضع إلى تأزم خطير سيؤثر على استقرار المنطقة والأمن الاسرائيلي الداخلي خصوصاً في ظل وجود خلافات جدية داخل أروقة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مرجعها تخوفات أمنية من انفجار الأوضاع في المنطقة. حيث أن التفاعل الجماهيري من شأنه دون أدنى شك أن يعزز هذه المخاوف الإسرائيلية والدولية على حد سواء، وأن يوصل رسالة مفادها أن سياسة القرصنة والسرقة للأموال الفلسطينية ستواجهها ملايين القنابل الموقوتة التي لن تنفجر إلا في وجه الاحتلال وكل من يعززه ويتساوق معه.

Print Friendly, PDF & Email