“الغرق.. حكايات القهر والونس”: رواية تلمس الواقع السوداني المركّب

الخرطوم/PNN – يتحدث السوداني حمور زيادة في أحدث أعماله “الغرق.. حكايات القهر والونس” الصادرة عن دار العين للنشر في القاهرة، عن الاختيار والقهر ومصير الإنسان في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد.

تتألف الرواية من 266 صفحة من القطع المتوسط، وهي الثالثة لمؤلفها الحائز على جائزة نجيب محفوظ للأدب من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2014 عن روايته “شوق الدرويش” إضافة إلى مجموعتين قصصيتين.

وتدور أحداث الرواية حول قرية حجر نارتي السودانية الواقعة على نهر النيل، حيث يتخذ المؤلف منذ أيار/ مايو 1969 منطلقا لسرده الذي يسير بالتوازي بين حكايات البشر وحكايات الوطن.

وتبدأ الحكايات بالغرق، حيث يعثر أهل حجر نارتي على جثة طافية على سطح النيل لفتاة مجهولة الهوية فيرسلون كعادتهم للقرى المجاورة حتى تأتي الوفود للتعرف على الجثة لكن دون جدوى.

وعند الدخول إلى حياة أهل بيوت ودروب حجر نارتي تكثر الشخصيات والأسماء لكن تظل المرأة هي محور الأحداث، وهي الشخصية فايت ندو صاحبة العريش القريب من المرسى النيلي الذي تقدم فيه الشاي والقهوة لكل قادم للقرية أو راحل عنها.

ومواصفات فايت ندو أنها امرأة في منتصف الأربعينات ولدت لأم من الإماء في عهد مضى لكنها وقعت في المحظور ذاته حين أنجبت ابنتها عبير خارج إطار الزواج.

وتتأمل فايت ندو مستقبلًا أفضل لابنتها وتريد أن تلحقها بالمدرسة حتى تصبح ذات يوم طبيبة، لكن القهر المجتمعي والصراع الطبقي يلقي بالطفلة عبير إلى ذات المصير فتصبح أما وهي في الثالثة عشرة من عمرها دون زواج، وهنا يوجد تعبير عن دوائر المشاكل التي تنتقل من الأهل لأبنائهم.

ومن اللافت للانتباه أن القهر هنا لم يكن منبعه المجتمع الذكوري الذي تحكمه القبلية فحسب بل تعلمت النساء كذلك ممارسة القهر ضد بعضهن البعض فمن حرمت عبير من التعليم هي زوجة العمدة، وهو تأكيد على العبارة التي تقول إنه أحيانا أكبر عدو للمرأة هو المرأة ذاتها، لكنها نتسجة التربية الذكورية الأبوية التي ذوتت هه الخصال في الجميع من إناث وذكور.

وفي أحد الحوارات تقول فايت ندو لابنتها عبير “نحن وحيدتان. ليس لنا أهل ولا مال ولا احترام. كل اللائي يعانقنني يضمرن لي احتقارا”.

وتتابع محدثة ابنتها “نحن المتناسلون من اللامكان في قرية تتفاخر بالأنساب. لا يحترمنا أحد إلا بمقدار ما يحتاجون إلينا وما نُظهر لهم من أدب وطاعة. أنت لست بنت البدري ولا من بيت الناير، ولا أبوك صاحب أطيان. أنت بنت فايت ندو”.

وقهر الرجال يختلف عن قهر النساء الذي يتمثل في الضرب أو الإهانة والاستغلال الجنسي. فهذا محمد سعيد ابن العمدة الذي يجبره أهله على العودة إلى حجر نارتي لأخذ مكان والده الراحل ويترك الدراسة في الجامعة، فيتغير مصيره وتتبدد أحلامه في أن يصبح “أفندي”.

وتنازل محمد سعيد ورضوخه لرغبة الآخرين يغرقه في قهر أكبر حين يصبح مجبرا على مباركة الحركة العسكرية التي قادها جعفر النميري لتولي السلطة في السودان، وإلا فقد منصبه وأنهى نفوذ عائلته.

لكن كل هذا القهر لم يمنع الرجل من ممارسه ذات الطقس على شقيقه الأصغر الرشيد الذي يجد نفسه بين يوم وليلة مضطرا للزواج من نور الشام أرملة شقيقه بشير والتي تكبره بعدة أعوام وذلك للحفاظ على الميراث وتربية ابن أخيه اليتيم، وهو مرة أخرى إعادة لدوائر المشاكل والقمع والتي تنتقل عبر الأجيال.

تخرج كل هذه النماذج التي يقدمها المؤلف وغيرها من بين سطور الرواية لتطرح تساؤلات قد تبدو بلا إجابة شافية عن إرادة الإنسان والصراع المستمر بين ما يتمناه وما يُفرض عليه وحقه في تقرير مصيره.

لكن الرواية لا تخلو من صور بديعة رسمها المؤلف بكلماته عن النيل والريف في السودان إضافة إلى الكثير من الأشعار والأغاني التي وظفها في مناسبات الحزن والفرح لسكان حجر نارتي.

ورغم أن الرواية بدأت بغرق فتاة مجهولة، لكنها انتهت بغرق فتاة أخرى لكن هذه المرة يعرفها القارئ الذي عايش معاناتها، ويستطيع التعاطف والتفاعل مع قصتها.

Print Friendly, PDF & Email