“مفرق الموت”

زهران معالي

من بعيد تشير حركة المركبات على الطريق الواصل بين مدينة نابلس وقرى وبلدات شرق المحافظة، إلى أن الوضع يسير بشكل طبيعي، لكن مشاهد جريان مياه اختلط بالدم، ورمال نثرت فوق بقع زيتية وقطع مركبة غابت ملامحها، ومحلات مقفلة أبوابها على غير العادة، توحي بأن كارثة حلت قبيل ساعات بالمكان.

هذا حال مفرق الغاوي أو “مفرق الموت” كما يطلق عليه أهالي المنطقة، بعد ساعات من جريمة إعدام مركبة بين القتل والسحق تحت كف جرافة، نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي الليلة الماضية، قبيل اقتحام مئات المستوطنين مقام يوسف شرق المدينة، استشهد على إثرها الشابان رائد هاشم حمدان (21 عاما)، وزيد عماد نوري (20 عاما).

وروى مواطنون يسكنون بنايات سكنية تحيط بمسرح الجريمة في شارع مؤد لمفرق الغاوي لـ”وفا”، “أثناء تواجد أكثر من 20 جنديا ترافقهم أربع سيارات عسكرية وجرافة، حضرت مركبة حمراء اللون من ناحية مخيم عسكر القريب، فبادر الجنود بإطلاق الرصاص الحي بكثافة دون أي تنبيه بالتوقف.

ووفق عائلة الشهيدين فإنهما كانا عائدين من سوق الخضار حيث عملهما، وتفاجأا بجنود الاحتلال قرب المفرق.

وقال المواطن مجدي دويكات، الذي هرع إلى نافذة غرف منزله المطل على الشارع، إن “الجنود أحاطوا بالمركبة وبنادقهم مصوبة تجاه شابين تعالى صراخهما عقب إصابتهما، واتصل أحد الجيران بالإسعاف وحضرت للمكان، إلا أن الجيش منعها من الدخول وأطلق النار عليها”.

خلال تلك اللحظات، تمكن دويكات من بث بعض مشاهد عملية إعدام الشابين عبر صفحته على موقع “فيسبوك”، والتي تظهر إقدام جرافة الاحتلال على سحق المركبة والشابين بداخلها، وسحبها أكثر من مرة على مسافة تقدر بـ20 مترا، فيما كانت جثة أحد الشابين تتأرجح من على كف الجرافة.

“اختفت ملامح المركبة بعد أن سحقتها جرافة الجيش”، يؤكد دويكات.

وخفت صوت أنين الشابين رويدا رويدا، حتى سكت صوتهما تماما برشقة جديدة من رصاص الجنود على مركبتهما مرة أخرى، كما يقول دويكات.

لم تنته فصول الجريمة. وهنا يقول دويكات الذي لن تمحى مشاهد تلك الجريمة من باله، إن جنود الاحتلال سحبوا جثماني الشهيدين من المركبة أمام محل “حموضة” لصيانة المركبات، وألقوهما على الأرض بعد أن تأكدوا من إعدامهما.

ونوه دويكات إلى أن ما جرى مع الشهيدين من الممكن أن يحدث معه أو غيره من الجيران أو أي عابر للطريق، التي تشهد اقتحامات متكررة لجيش الاحتلال لتأمين اقتحام المستوطنين لمقام يوسف شرق المدينة.

وعادة، ما يأخذ سكان المنطقة القريبة من مفرق الغاوي احتياطاتهم البسيطة من إغلاق نوافذ المنزل وإطفاء الأنوار، كلما أعلن المستوطنون نيتهم اقتحام المقام بحراسة من جيش الاحتلال.

وتحدث المواطن أبو محمد الذي يسكن عمارة سكنية مقابلة لمنزل دويكات لـ”وفا”، إن “حياتنا تحولت لجحيم، نعيش في رعب بمنازلنا، لا نستطيع فتح النوافذ خوفا من إطلاق الاحتلال قنابل الغاز، أو إنارة المنزل خوفا من إطلاقهم الرصاص الحي نحونا لمجرد إثارة شكهم”.

وتابع: “نبقى حذرين لأي حركة داخل المنزل خوفا من ردة فعل مجنونة من الجنود، هذا احتلال يطلق الرصاص على المنازل دون تفريق بين أطفال أو نساء أو عجزة”.

وأمام محل “حموضة” لصيانة المركبات، كان محمود حموضة يزيل آثار بقع دماء الشهيدين على أرضية المدخل، وكذلك آثار أيدي الجنود الملطخة بدماء الشهدين على باب المحل، الذين تركوها كبصمة على جريمتهم، ويتفقد آثار رصاصات خرقت باب المحل وآلات داخله.

وخلعت قوات الاحتلال أبواب عدة محلات تجارية في المنطقة، وسرقة أجهزة تسجيل الكاميرات التي وثقت جريمتهم.

وغالبا ما يتعرض المزارعون الذين يأتون لسوق خضار نابلس المركزي للإصابة أو الاعتداء، نظرا لتنقلهم في أوقات ما بعد منتصف الليل حتى ساعات الفجر لتسويق الخضار، وهي ذات الفترة التي تشهد اقتحامات المستوطنين للمقام.

Print Friendly, PDF & Email