الاتحاد الأوروبي يساعد الفلسطينيات ليصبحن رائدات أعمال بقلم الاء راضي

تعمل صاحبات المشاريع الفلسطينيات على تحويل أفكارهن إلى أعمال جديدة بفضل برنامج الاتحاد الأوروبي لحاضنات المؤسسات الناشئة.

عرف تعليم المرأة في فلسطين تغيراً واضحاً على مدى العقدين الماضيين حيث يفوق اليوم عدد المتخرجات من المعاهد الثانوية والجامعات عدد المتخرجين بيد أن مشاركة المرأة في العمل لم تسجّل نفس هذا التغيير إذ مازالت المرأة تواجه تحديات كبرى عند دخولها إلى سوق العمل فهن يحصلن على رواتب أقل مقارنة برواتب الرجال عند القيام بنفس العمل كما أن عدد النساء اللاتي وصلن في مسيرتهن المهنية إلى أعلى المراتب القيادية محدود جداً.

لذلك يعمل الاتحاد الأوروبي منذ سنوات من خلال برنامجه الخاص بحاضنات المؤسسات الناشئة على تمكين صاحبات المشاريع لتصبحن رائدات أعمال وقد تواصل المشروع مع أكثر من 40 منظمة نسوية وشبابية للمساعدة على استقطاب عدد واسع من رائدات الأعمال نحو البرنامج.

آية كيشكو، 26 سنة، هي مهندسة معمارية من غزة تعمل كمهندسة تصميم لدى مصنع للأثاث في المنطقة الصناعية بغزة وقد لاحظت خلال عملها أن مئات المنصات النقّالة التي تدخل إلى غزة يومياً تُترك جنبا دون استخدام وإذا علمنا أن غزة تشهد كل يوم دخول بين 150 و200 شاحنة بمختلف أنواع المنتجات المحمّلة على المنصّات وأن كل شاحنة تنقل 24 منصة نقّالة ندرك أن المجموع يناهز 20 ألف منصة من الخشب الطبيعي اسبوعيا ” ترمى في مختلف أنحاء المنطقة الصناعية”.

رأت آية الطاقة الكبيرة الكامنة في المنصات الخشبيّة باعتبارها مادة أولية تستخدم في صناعة الأثاث كما أنها مصدر هام باعتبار مستويات الدخل الضعيفة في قطاع غزة فانكبت على صناعة العديد من قطع الأثاث وتمكّنت من بيعها. شاركت آية في تلك الفترة أيضا في مسابقة ” الحلول الخضراء في مجال ريادة الأعمال ” التي نظمتها هيئة الإغاثة الاسلامية وفازت فيها بالمرتبة الثالثة. وقد شجّعها ذلك النجاح على بعث مؤسستها الناشئة “بساطة” التي تحوّل المنصّات الخشبيّة إلى أثاث موظفةً في ذلك مبلغ الجائزة التي تحصلت عليها في المسابقة (3 آلاف دولار) لإقامة ورشة في بيتها.
مع ذلك تشعر آية أنها قد استفادت بدرجة أكبر من خدمات المرافقة والتوجيه التي انتفعت بها من خلال حاضنة تكنولوجيا الأعمال في الجامعة الاسلامية بغزة، إحدى الحاضنات الخمس التي يدعمها برنامج الاتحاد الأوروبي لحاضنات المؤسسات الناشئة.

وبالفعل فقد ساعد خبراء البرنامج آية على رسم خطة أعمال وخطة تسويق كما رافقوها وقدموا لها الاستشارة الفنية وتقول آية في هذا الصدد:” مكنني برنامج حاضنات المؤسسات الناشئة من توجيهات لا تقدّر بثمن حيث أمنت المرافقة التي أحظى بها اتجاه “بساطة” بخطوات ثابتة نحو النجاح لأن مشروعي كان سيقوم على أسس غير متينة لولا البرنامج فأنا لا أمتلك معارف في مجال الأعمال لكنهم منحوني ثقة في نفسي وأن أجزم اليوم أن ورشتي ستتحول إلى مصنع”.

أمل الجوجو هي رائدة أعمال أخرى بارزة حصلت على شهادة جامعية في اللغة الانجليزية وعلوم التربية وقد استنبطت لعبة ورق تربوية أطلقت عليها اسم “أوراق اللعب والتفاعل” وشرحت لنا أمل أن اللعبة ” تعالج المنهج السيئ المعتمد في تدريس الإنجليزية كلغة أجنبية وطريقة هجاء الأطفال لتلك اللغة “. جاء الحل الذي توصلت إليه في شكل أوراق تفاعليّة كُتب عليها حروف مختلفة وتقول أمل:” تشمل تلك الأوراق لعباً مختلفة يتعلم من خلالها المستعمل الهجاء واستخدام الكلمات لتتحسّن قدرة الأطفال على تعلّم اللغة الانجليزية من خلال لعب الورق وعناصر أخرى مثل لوحات تسلية والألغاز وقاموس الكلمات التي يجب تدريسها في الدرجات الأولى والثانية والثالثة…”.

انتفعت أمل الجوجو من خلال برنامج الاتحاد الأوروبي لحاضنات المؤسسات الناشئة من تدريب في ريادة الأعمال و قالت لنا في ذلك الشأن: “شاركت في معسكر تدريبي في مجال التخطيط وإعداد نماذج الأعمال مما ساعدني على تحديد الهدف الذي أريد تحقيقه وإثر التدريب واصل الخبراء العاملين مع الحاضنة مرافقتي وتقديم الاستشارة لمشروعي “.

تحمل أمل طموحات كبيرة وتقول أن هدفها المستقبلي يتمثّل ” في استهداف شرائح عمرية أخرى إضافة إلى تلاميذ المدارس الابتدائية وأريد أيضا الحصول على براءة اختراع تخص “أوراق اللعب والتّفاعل” وترجمة المفهوم إلى لغات أخرى من خلال التّشبيك مع منظمات مختلفة خارج فلسطين”. وفي الختام أكّدت لنا أمل ان برنامج الاتحاد الأوروبي لحاضنات المؤسسات الناشئة ساعدها على مستوى التسويق ولم يتوقّف عن مرافقتها منذ انضمامها إليه.

انتفعت ثلاث نساء لامعات أخريات من نفس البرنامج المموّل من قبل الاتحاد الأوروبي. هذه المرة في الخليل جنوب الضفة الغربية أين أكّدت ثلاث خريجات من جامعة بوليتكنيك فلسطين إمكانية استخدام الملوّث الناتج عن مصانع قطع الحجارة للقضاء على ملوّث آخر ناتج عن المياه المستعملة التي تصرفها صناعة الألبان ورغم أن مصانع قطع الحجارة تمثّل معلماً من معالم الاقتصاد في الخليل فالنفايات الناتجة عنها تشكّل خطراً بيئياً كبيراً إذ تتسبّب في انسداد نظام صرف المياه وفي تلويث التّربة وانبعاث الروائح الكريهة.

تحمل كل من هبة دويك ونادية ايكايفان ونرمين زهده شهادة في اختصاص التكنولوجيا البيئيّة وقد وظّفن مفهومهن المبتكر لمعالجة مشكل بيئي جديد من خلال استخدام الملوّثات الناتجة عن قطع الحجارة لمعالجة المياه الملوّثة بمادة الكروم التي تصرفها المدابغ و بما أن تلك المدابغ لا يمكنها أن تصرف مياهها المستعملة في قنوات الصّرف مباشرة لأنها تتسبّب في الحاق أضرار بها فهي ملزمة بتجميع مياهها المستعملة وتوجيهها نحو إسرائيل لمعالجتها و إذا علمنا أن المدابغ تنتج يوميا سبع أمتار مكعّبة من المياه الملوثّة فذلك يعني أن كلفة معالجتها تتجاوز 100 ألف دولار سنويا.

قدمت ثلاثتهن ابتكارهن في إطار مسابقة لريادة الأعمال الخضراء وفي العديد من الندوات العلمية وتمكن من الحصول على 5 آلاف دولار من بنك التنمية الإسلامي في إطار المسابقة خصصنها لإنتاج النموذج الأول لجهازهن الذي يعمل إلى يومنا هذا في إحدى مدابغ الخليل.

قررت رائدات الأعمال الثلاث الانتقال بحلهن إلى المستوى التجاري وأطلقن عليه اسم” النفايات من خلال النفايات” وبما أنهن تفتقرن لأي تجربة في مجال الأعمال طرحت لهن تلك الخطوة العديد من التحديات التي بدت لهن معقدة أكثر من أي تحدّ هندسي عملن على رفعه من قبل لكن برنامج الاتحاد الأوروبي لحاضنات المؤسسات الناشئة الذي تعرّفن على وجوده في حاضنة الأعمال داخل جامعة بوليتكنيك فلسطين قدّم لهن كل المساعدة التي تحتجن إليها و قد قالت لنا نادية :” تولّى البرنامج تسجيل مشروعنا في صبغته التجارية كما استأجر محامياً ليقوم بإجراءات الحصول على براءة اختراع للحلّ الذي اخترعناه و ذلك إضافةً إلى الفضاء المكتبي الذي وفّره لنا و التجهيزات و المعدات الضرورية للعمل”.

يدعم كذلك برنامج الاتحاد الأوروبي لحاضنات المؤسسات الناشئة سفر الفريق إلى برشلونة في الخريف القادم لتمثيل فلسطين في الشبكة الأورومتوسطيّة لروّاد الأعمال وقد أخبرتنا نادية بكل تفاؤل أن ” اسبانيا والمغرب وتونس والعديد من البلدان الأخرى لها صناعات تقليدية مماثلة لذلك نأمل في بيع منتوجنا لديها”.

بيّن لنا مدير حاضنة الأعمال في جامعة بوليتكنيك فلسطين، علي رمضان أن البرنامج دعم الحاضنة من خلال توفير فضاء للعمل لفائدة روّاد الأعمال وتنظيم العديد من الدورات ومعسكر للتدريب كما مكّن الحاضنة من الاطلاع على أفضل الممارسات ووضع على ذمتها وثائق تشرح مسار الاحتضان من البداية إلى التنفيذ. إضافة إلى ذلك وفّر برنامج الاتحاد الأوروبي لحاضنات المؤسسات الناشئة التدريب أو المدربين وغطى كلفة خدمات الأعمال التي تم تقديمها عبر شبكة من الخبراء. وذكر علي رمضان بأنه قد تم إلى حد الآن احتضان 8 مؤسسات ناشئة بينما حضر أكثر من 220 مشاركاً في مختلف الأنشطة التي نظمتها الحاضنة في الخليل.

بحلول سنة 2019 يأمل البرنامج في دعم 120 مؤسسة ناشئة ولا شك في أن الفلسطينيات ستمثّلن نسبةً هامةً من ذلك العدد.

الخلفية
يواجه الاقتصاد الفلسطيني مصاعب جمّة بسبب تعثّر الجهود الرّامية إلى انهاء الاحتلال الإسرائيلي كما لم تترك اتفاقيّات أوسلو وبروتكول باريس الاقتصادي اللاحق أي مجال للفلسطينيين لتطوير اقتصادهم بطريقة مستقلّة عن السيطرة الاسرائيلية. فعلى سبيل المثال لا تتصرّف الحكومة الفلسطينية سوى في أقل من 40% من الضفة الغربية مما يحدّ كثيراً من الأراضي المتوفّرة للزراعة والصناعة كما تتحكّم إسرائيل في جميع عمليات التصدير والتّوريد مع فرض حصار خانق على قطاع غزة وتطبيق منظومة واسعة النّطاق للحدّ من التنقّل في الصفة الغربية.

نتيجة لذلك تزايدت نسب البطالة خلال السنوات الأخيرة متجاوزة 40% في قطاع غزة مما جعل شريحةً هامةً من السكان تعيش في الفقر فلا القطاع العام ولا القطاع الخاصّ في فلسطين قادران على خلق العدد الكافي من فرص العمل علماً وأن هذا الوضع الصّعب يمسّ أساساً الشباب وخاصةً منهم أصحاب الشهادات الجامعية.

إزاء هذه الظروف اتجه العديد من الشباب نحو ريادة الأعمال وهو طريق شاقّ خاصةً عندما يسلكه شباب يحمل أفكاراً جيدةً لكنّه يفتقر إلى أيّ خبرة في مجال الأعمال ناهيك الإناث منهم اللاتي تواجهن إضافةً إلى ذلك التحدّيات المجتمعية التي تكبلهنّ أكثر مقارنةً بالذكور.

عادةً ما يكون روّاد الأعمال والمؤسّسات الناشئة في حاجة للدعم عبر كافّة مراحل تحويل الأفكار إلى أعمال تجارية مستدامة ويشمل الدعم المطلوب التدريب والاستشارة القانونية والمرافقة والنفاذ إلى التمويل ولذلك اشترك الاتحاد الأوروبي من خلال برنامجه لحاضنات المؤسسات الناشئة مع حاضنات في فلسطين لتشجيع روّاد الأعمال من الشباب على حمل أفكارهم و دفع مهاراتهم لضمان استدامة مؤسساتهم الناشئة و البرنامج الذي تنفّذه الوكالة البلجيكيّة للتّنمية (Enabel) يوفّر حالياً الدعم لفائدة خمس حاضنات في رام الله و الخليل وبيت لحم و القدس و غزة وقد انطلق البرنامج سنة 2016 ببناء القدرات المؤسساتيّة للحاضنات والتدريب في مجال الأعمال ومرافقة روّاد الأعمال مع تنظيم حصص إعلامية و ارساء منصّة رقميّة للنفاذ للتمويل كما يعمل البرنامج على النهوض بخدمات المشاريع الصغرى من خلال نظام لفائدة المؤسّسات الناشئة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
إضافة إلى تعزيز القدرات تتوجه الحاضنات الفلسطينية إلى روّاد الأعمال الطموحين لتمنحهم فرصةً لإطلاق مشاريعهم.

Print Friendly, PDF & Email