القدس والجولان تحصيل حاصل !

كتب: عبدالله أبو شرخ

كما لاحظتم لم أجد عنونا مناسباً للمقال السابق احتجاجاً وتعبيراً عن ضعف العناوين، وهزيمة الشعارات، ونكبة الخطابات الحنجورية، ونكسة القصائد العاطفية !

في الخمسينات من القرن المنصرم، اعتقد الزعيم ناصر أن الغناء وحده يصنع أمة وأن القصائد العاطفية تصلح للمواجهات والحسم، ولكن اتضح أن الرجل كان متواضع الفكر قليل الخبرة، كما الخليفة المنصور العباسي الذي أمر بتقطيع أوصال العلامة عبدالله بن المقفع لأنه انتقد فساد أحد الولاة !!

الأمة العربية هزمت مبكراً منذ حروب الردة حيث لم يؤمن الخليفة أبو بكر بحرية الاعتقاد، ثم هزمت مجددا بتقديس العساكر والفاتحين الذين فتنوا قلوب المراهقين بشقراوات نهاوند وطشقند وبلاد المجر .. خالد ين الوليد لم يقرأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وصلاح الدين لم يؤمن بالتعددية وموسى بن نصير لم يعرف الكثير عن حقوق المرأة !!!

ضياع فلسطين عام 1948 تحصيل حاصل، وهزيمة مصر في 1967 تحصيل حاصل، وطرد المنظمات من لبنان 1982 تحصيل حاصل، ثم هزيمة العراق في حرب الخليج وسقوط بغداد في ليلة واحدة هو أيضا تحصيل حاصل، فما الجديد في إهداء ترامب القدس والجولان لنتنياهو ؟؟؟ هو مسلسل هزائم وانكسارات مستمرة كنتيجة مباشرة لضياع المنطق وعدم احترام العلم !

من نصائح الفيلسوف والقاضي والفقيه ابن رشد للأندلسيين، ( ألا يناقشوا الفلسفة أمام عامة الناس، فإنهم لو سمعوا الفلسفة فسوف يشكّوا، وإذا شكّوا يضلّوا، وإذا ضلوا صعب حكمهم .. احكموهم بالدين ! )

بغداد محكومة بالنجف الأشرف، ومصر محكومة بالأزهر الشريف، وإيران محكومة بولي الفقيه، وفلسطين محكومة بوزارة الأوقاف، وهؤلاء وأمثالهم هم الذين قدسوا الفتوحات واحتلال أراضي الغير وسبي نسائهم ونهب أموالهم بحسبان السبايا ” ملك يمين ” والأموال ( أنفال = غنائم ) !!!

كل هذا في وقته كان منسجماً مع المجتمعات الصيد والرعي القديمة، حيث يذكر اليهود في توراتهم أن يوشع بن نون عندما فتح أريحا سبى أيضا نساءها ونهب أموالها وهدم بيوتها وأحرق مزارعها !!!

لكن ما لا يمكن فهمه أو قبوله أو التعاطي معه، أن التاريخ في بلادنا لم يتحرك منذ 14 قرناً، حيث تكرر ظهور ملك اليمين والسبايا في نساء اليزيديين في العراق في القرن الواحد والعشرين .. أما لماذا لم يتحرك التاريخ وبقينا نجتر الكلام القديم والمكرر صباحا ومساءا، فهو موضوع هذا المقال، وكل ما سبق كان محاولة للتمهيد !

التاريخ أيها الأعزاء لا يتحرك بمرور الأيام والشهور والسنوات، بل يتحرك التاريخ فعلا، بمدى ما يراكم الإنسان من معارف وعلوم تطور فهمه للطبيعة والكون وحتى للإنسان نفسه، ومع هذا الفهم تقدمت علوم الفلك والطب والفيزياء والكيمياء والهندسة، ثم لاحقا قوة البخار، ثم لاحقا قوة الديزل، ثم بعدها قوة الكهرباء فالذرة والفضاء وجراحة الليزر وتكنولوجيا النانو والصواريخ الموجهة بالبلوتوث، والإنسان لا حدود لطموحاته أو خيالاته، فابتكر جوتنبرغ الآلة الطابعة في القرن السادس عشر، لكن الخليفة العثماني وبطانته من أصحاب الكروش والعمائم، اعتقدوا أن الآلة الطابعة ( محدثة، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار !!! )، وهكذا تم تحريم الآلة الطابعة أكثر من 200 عام فيما كانت أوروبا تكتشف كروية الأرض وتضع تفسيرا لظواهر الليل والنهار ولاحقا البرق والرعد، وكل تلك الأمور من المحدثات والبدع ! كانت بلادنا محرومة من طباعة الكتب بينما أوروبا كانت منهمكة في طباعة آلاف الكتب فيما سمي بالثورة الصناعية، أو ثورة كوبرنيكوس !

جوتنبرغ كان فارسا لكن ليس كفروسية خالد بن الوليد، وكوبرنيكوس كان فاتحا لكن ليس كموسى بن نصير، وآيشتاين لم يكن عقيداً عسكريا كالقذافي .. أوروبا اعتمدت العقل كمرجعية، بينما نحن اعتمدنا النصوص الفقهية ! من وضعوا النصوص وأولوها وفسروها وتلاعبوا بها حسب مصالح سلاطينهم وملوكهم هم أنفسم الذين أفتوا بإعدام العلامة والفيلسوف ابن المقفع، وهم أنفسهم من حرضوا الخليفة العثماني على تحريم الآلة الطابعة، …، وهم أنفسهم من أفتوا باغتيال الباحث والمفكر المصري فرج فودة، وفي لبنان قتل المفكر والباحث حسين مروة، وفي لبنان أيضا قتل المناضل مهدي عامل وفي تونس قتل شكري بلعيد !!!

لم نسمع يوما طوال ال 14 قرنا من مخازينا أن عالماً قد قتل شيخاً أو رجل دين، لكن ما رأيناه وشاهدناه هو أن رجال الدين في بلادنا يصدرون فتاوى التكفير،

وبذلك يغتالون الرؤوس المفكرة والمبدعة التي نهضت بأوروبا والعالم بأسره بعد ظلام الكنيسة في القرون الوسطى !

قد يلتبس أو يختلط الأمر على قاريء ما ثم يعتقد أنني أنكر منجزات الحضارة العربية والإسلامية، ولتصحيح مثل هذا الخلط أقول بأن ما يسمى بالحضارة العربية والإسلامية لم تزدهر وتعطي ثمارها إلا في عصر المعتزلة ( الرشيد والمأمون ) الذين قالوا بكل جرأة ( لو تعارض حكم النص مع حكم العقل نلجأ لحكم العقل !!). تلك الحقبة نجم عنها ثورة هائلة في ترجمة مؤلفات اليونان والهند والفرس والرومان، بل وأضافوا عليها علوما كثيرة مثل بصريات ابن الهيثم وتشريح ابن النفيس وجراحة الزهراوي وإسطرلاب البيروني وجبر الخوارزمي .. لكن يجب التأكيد على أن ذلك التقدم العلمي الخارق إنما حدث بعيدا عن رجال الدين بل ورغم أنوفهم، ثم نتساءل بكل مرارة، كيف تمكن الحنابلة والسلفيين من العودة للحكم في عهد الخليفة المتوكل ليتم تكفير المعتزلة والتنكيل بهم وإحراق مؤلفاتهم ؟؟!

إذن نحن نرزح تحت حكم القتلة والبلطجية وأعداء التقدم والإنسانية منذ إعدام بن المقفع وتكفير التوحيدي وصلب الحلاج وإحراق مؤلفات ابن رشد .. العربدة الأمريكية غير المسبوقة على بلاد العرب وخيراتهم ومقدساتهم ليست سوى تحصيل حاصل لحكم الأغبياء وتعطيل العقل وجمود المنطق وتحريم النقد السياسي وتقديس العساكر والفاتحين أكثر من احترام فرسان العقل وعمالقة الفكر !!

أتأمل محاولات النهضة في الأربعينات والخمسينات على يد الكواكبي والأفغاني ومحمد عبده ولاحقا طه حسين وسلامة موسى – بكل ألم وحزن، فقد منيت محاولاتهم بالفشل – والأصح ” الإفشال ” – على يد شيوخ الوهابية والأزهر والنجف !

لقد كان لتواطؤ بريطانيا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين كل المكر والدهاء، لم تقتل بريطانيا وأمريكا علماء عرب من بلادنا .. لقد تكفل الأغبياء والحمقى لدينا بالمهمة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فانطلقت رصاصات الإجرام والعبث على المفكرين والفلاسفة، والنتيجة أن الشعوب العربية لم تغير فكرها ولا قيمها ولا أخلاقها ولا عادات القبيلة منذ 14 قرنا وبالتالي لم تواكب حداثة القرن العشرين .. فهل آن لكي يفيق العرب على حلم عقلاني يبدد حالة الانكسار والتدهور ومسلسل الهزائم ليحكمنا العقل وأصحابه بدل القتلة والأوغاد والسفلة والرعاع ؟؟!

Print Friendly, PDF & Email