أخبار عاجلة

لماذا هذا التناقض في الموقف الامريكي

بقلم/ سمير عباهرة 

تحولات وتغيرات كثيرة طرأت على الموقف الامريكي والسياسة الخارجية الامريكية في منطقة الشرق الاوسط وتبين ان الاستراتيجية الامريكية تتغير وتتبدل وفق المصالح ولاولوية الارث السياسي على حساب مصالح الامن القومي الامريكي. وبدا هذا واضحا في مؤشر التقلبات التي مرت بها السياسة الخارجية الامريكية منذ وصول ترامب الى الحكم والتي يمكن ان توصف مرحلته بمرحلة الانقلاب المباشر على الكثير من القضايا. ففي الوقت الذي اعتبر فيه بوش الاب ان الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط هو مصلحة امريكية ويأتي من خلال ايجاد تسوية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي على اساس حل الدولتين مؤكدة في الوقت نفسه ان خيار حل الدولتين لا يقتصر على المصالح الفلسطينية والاسرائيلية وانما تحقيق المصالح الدولية ايضا بوصفه نقطة ارتكاز لتحقيق الامن والاستقرار في المنطقة.

واحدثت تصريحات المبعوث الامريكي لعملية السلام في الشرق الاوسط جيسون غرينبلات انقلابا على مواقف الادارات الامريكية المتعاقبة بدءاً بادارة بوش الاب وانتهاءً بــ اوباما عندما صرح بأن الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل وضمها تحت السيادة الاسرائيلية هو مصلحة امريكية لكن هذه التحولات فيها الكثير من التناقض والغموض ولا تعكس حالة استقرار في السياسة الامريكية مما يجعل عوامل تحقيق الاهداف الامريكية في غاية الصعوبة.

وبدا ان هناك تخبطا واضحا لدى صناع القرار في ادارة الرئيس ترمب بسبب كثرة التصريحات المتناقضة وعدم نجاحهم في التعامل بشيء من الدبلوماسية مع ملف الصراع بعد انتهاء ولاية اوباما الذي ظل بعيدا عن مشاكل منطقة الشرق الاوسط وشكلت عودة ترمب تحولا بارزا في الموقف الامريكي لكنها طرحت تساؤلات عديدة حول الاستراتيجية الامريكية في المنطقة بسبب عدم نجاحها بالتعامل مع الملف الاكثر سخونة في المنطقة الا وهو الصراع الفلسطيني الاسرائيلي والذي بدأت بالتعامل معه من بوابة الاملاءات على الفلسطينيين مما جعل امكانية انهاء هذا الملف درب من الخيال بل بدا ان الولايات المتحدة واسرائيل تسعيان للتخلص من القضية الفلسطينية ولصالح تل ابيب. فمنذ وصوله الى البيت الابيض اثار ترمب حالة من الرعب والقلق حتى داخل الولايات المتحدة مع سيطرة المحافظين الجدد على المفاصل الرئيسية في الادارة الامريكية وتسخيرها لخدمة اهداف اسرائيل الاستراتيجية.

الولايات المتحدة ليست معنية بحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وفق قرارات الشرعية الدولية بل تسعى لتكريس الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة العربية بشكل كامل والتركيز على ملفين فقط هما كبح جماح الصعود الايراني ومكافحة الارهاب بل تسعى لتغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة من خلال ممارسة الضغوط التي وصلت حد التهديدات لبعض الانظمة العربية.

واستبعد السياسي الامريكي ارون ديفيد ميلر نائب رئيس مركز وودر ويلسون للابحاث في واشنطن والذي كان ضمن مؤتمر كامب ديفيد عام 2000 امكانية التوصل الى حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي ويعترف بأن الحل الشامل للقضية الفلسطينية ” بحاجة لتدخل امريكي فعال بمعنى ان تكون الادارة الامريكية مستعدة لطرح العسل والخل لعمل محفزات وروادع”. وهذا يعني انه يجب ان يكون هناك توازنا في الموقف الامريكي الذي نفتقده حاليا بل ان الادارة الامريكية تحولت من حالة التوازن الى حالة الانحياز التام لاسرائيل واصبحت هي من تدير العملية مع الفلسطينيين نيابة عن اسرائيل.

الولايات المتحدة تريد ان تبقي الاوراق مبعثرة في المنطقة ودون الوصول الى حالة من التوافق العربي اذ ان قيام دولة فلسطينية يعني تغيير وجه المنطقة وتغيير الخارطة السياسية بشكل يؤسس لارضية سياسية في الوصول الى حالة من الاستقرار العربي وزيادة التضامن العربي وهذا يعتبر ضربا للمصالح الامريكية ولصعود الترمبية اذ ان ادارة ترمب عملت منذ وصوله الى الحكم على رفع حالة التوتر في المنطقة وزيادة حدة التناقضات حتى تبقى الولايات المتحدة هي المرجعية العليا في السياسة الدولية وتعمل على اسرلة المنطقة العربية ككل وجعل اسرائيل هي العنصر السائد في المنطقة.

صفقة القرن هي عبارة عن نظام دولي جديد تكون اسرائيل فيه سيدة الموقف على غرار النظام الدولي الجديد الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ونتج عنه تفرد الولايات المتحدة بمقاليد السياسة الدولية ويأتي مرسوم صفقة القرن ليعطي اسرائيل التفرد الكامل بالمنطقة.

Print Friendly, PDF & Email