إعادة تشكيل وجوه مرضى السرطان.. ماذا تقول جرّاحة فرنسية؟

تعمل الجرّاحة كلوي بيرتولوس، رئيس قسم جراحة الفم والوجه والفكين في مستشفى “بيتي سالبترير” في باريس، لساعات طويلة في غرفة العمليات لتشكيل وجه بشري للمرضى المتضررين من سرطان الوجه أو تشوه أو إصابة في حادث، فتمنحهم زاوية جديدة للأمل.

تحدّثت بيرتولوس، البالغة من العمر 47 عاما، في مقالها المنشور بمجلة “فام أكتيال” الفرنسية عن تجربتها في مجال الطب والجراحة قائلة “اختياري للطب لا علاقة له بالميل إلى مهنة مرتبطة بالجسم منذ الطفولة”.

وتضيف “من المرجح أن ذلك قد يكون من قبيل المصادفة، أو إجابة كنت أقدمها ردا على الأسئلة الملحة التي يطرحها عليّ والدي بخصوص مستقبلي. أما فيما يتعلق بتوجهي إلى الجراحة، فقد أدركت سريعا أن هذا التخصص يتطلب جهودا كثيرة من الناحية الفكرية ومعرفة عميقة بالأمراض، فضلا عن أنه بعيد كل البعد عن الأفكار النمطية التي تحصره في جانبه اليدوي والتقني”.

تقول بيرتولوس “اخترتُ تخصصا يتضمن العديد من التخصصات الأخرى، وهو جراحة الفم والوجه والفكين. فخلال عملية واحدة، نقوم على سبيل المثال، بسحب الشظية من ساق مريض، وسحب الجلد وجهازه الوعائي، وزرع هذه الأجزاء جميعا في مكان الفك المفقود، وربط أوعية الطعم بأوعية الرقبة. وتُسمى هذه التقنية الشهيرة “لامبو ليبر”، وهي جراحة يتجند فيها فريقان من الجراحين لمدة تتراوح بين ثماني وعشر ساعات في غرفة العمليات.” تقول الجراحة المخضرمة “أنا لم أخترع شيئا، لكنني أُسهل الممارسات القديمة فقط وأتقنها”.

وتصف بيرتولوس نفسها بأنها “وريثة هؤلاء الجراحين الذين طوروا بعد مجزرة الحرب العالمية الأولى تقنيات دقيقة وجريئة لإصلاح وجوه آلاف المصابين المشوهة بسبب جروح خطيرة. واليوم، نادرا ما تكون إصابة المرضى ذوي “الأفواه المكسورة”، الذين يتوجهون إلى جراحة الفم والوجه والفكين، نتيجة الأسلحة النارية، ولكنهم غالبا ما يكونون أشخاصا اضطروا لإزالة جزء من وجوههم لعلاج السرطان أو ضحايا حادث تسبب في كسور بعظام الوجه أو حتى يحملون تشوها ما”.

أوضحت الجراحة الفرنسية أنه لا علاقة لمهنتها بالجراحة التجميلية، ويتمثل هدفها الأول في علاج المرضى الذين أُجري لهم عمليات، ومنحهم فرصة التمتع بالوظائف التي حُرموا منها على غرار السماح لهم بالتحدث من جديد وبتناول الطعام. علاوة على ذلك، تساهم في منحهم فرصة السير في الشارع دون أن تفاجئهم نظرات مرعبة وتجنبهم آلام تصنيفهم وحوشا، لأنهم محرومون من أحد مكونات الوجه مثل العينين، أو الأنف، أو الفم، بحسب وصفها.

وتابعت، في الحقيقة يؤدي التشوه إلى تجريدنا من إنسانيتنا. فدون وجه، نحن لا قيمة لنا. ومن خلال إصلاح الوجه، نقوم بإعادة بناء صورة المريض، وبالتالي، نحن نعيد إحياء هويته.

تذكر بيرتولوس بعض ما تعرضت له من مواقف خلال رحلتها المهنية، “لا شك أن التدخل الجراحي في هذه المسألة مُثقل بتحديات عديدة، وغالبا ما تكون عواقبه معقدة. ففي البداية، وطيلة عدة أشهر على الأغلب، قد لا يتعرف المريض إلى نفسه، ويفتقد وجهه القديم الذي بنى عليه هويته. وعلى سبيل المثال، بعد إصلاح تقدم الفك السفلي بشكل كبير، الأمر الذي يعد قبيحا وموهنا بشكل خاص، قد لا يدرك المريض لاحقا أوجه الشبه بينه وبين أفراد معينين من أسرته، ويشعر بالتالي أنه مقصي من محيطه، ما يؤدي به في بعض الأحيان إلى الاكتئاب العميق”.

وتوضح الجراحة الفرنسية أنها حين كانت شابة، كانت تصيبها خيبة أمل المرضى بعد العملية بشكوك عديدة. ومع حصولها على الخبرة، صارت تعلم اليوم أن هذه المرحلة أساسية، وبالتالي لا تتأثر بها كثيرا.

لا يعني هذا الأمر مطلقا أن الجراح لا يشعر بأي مشاعر تجاه المرضى، حيث يُعلق البعض معظم آمالهم على الطبيب، ويمنحونه كل ثقتهم.

وحاليا، ليس لدى المرضى الذين أزالوا جزءا من الوجه لعلاج السرطان خيار إعادة تشكيل وجوههم. في الأثناء، تناضل بيرتولوس حتى يُصبح هذا الأمر حقا مشروعا، على غرار ما يحدث في حالة استئصال الثدي أو على الأقل، إعلام المرضى بوجود مثل هذا الاحتمال ومناقشته.

Print Friendly, PDF & Email