خالد بطراوي يكتب : رصاص خطاط

هل تعرفون يا سادة يا كرام الرصاص الخطاط؟

إنه ذلك النوع من الطلق الناري الذي يسير بخط مستقيم مع انحراف بسيط عن مركز ثقل الطلق الناري وما أن يصل الى جسم الانسان حتى يبدأ بالاختراق ليس بشكل مستقيم، بل بطريق مرتفع ومنخفض صعودا وهبوطا وذلك بغية إحداث أكبر عدد ممكن من “الخراب” في الأعضاء الداخلية لجسم الانسان.

ذلك بالضبط كان تأثير سؤال الصديقة سمر وزني على صفحتها الفيس بوكية عندما قالت ” لما احفادنا يسالونا الكم 71 سنة شو بتعملوا….. شو نقلهم”.

تباينت الاجابات ….  منها ما يؤكد أنه ” لا بد لليل أن ينجل” الى اجابات تدعو للعودة ” الى الدين”، وأخرى تجيب بأننا كنا ” مشغولون بتقاسم غنائم معركة لم تنته” وجواب أخر خطير للغاية حيث ورد ” ما يمكن أحفادهم يسألوهم ذات السؤال” وآخر كتب ” هذا هو السؤال المؤرق” وغيره قال ” بنقصع قمل وسيبان” فيما قال غيره ” ما كنا قد المسؤولية” وقال كاتب ” ننتظر صلاح الدين” بينما أردف أحدهم بالقول “نريد من غيرنا تحريرنا” وقال أحد المعلقين “بنربي فيكو ع الغلط” وذكرت احدى التعليقات ” صارلنا واحد وسبعين سنة بندعي عاليهود”.
ولكن … ماذا علي أنا أن أجيب؟ لا أريد حقا إجابة مقتضبة سريعة، بل أسعى لأن أسهب في ردي على سؤال رصاص الخطاط للصديقة سمر وزني.

لم تكن القضية الفلسطينية يوما من الأيام قضية الشعب العربي الفلسطيني وحده بل كانت حصيلة حالة إصطفاف عالمية بين معسكرين … معسكر الامبريالية بشتى تجلياتها ومسمياتها ومعسكر الشعوب.

لذلك لا يمكن أن نرى المسألة الفلسطينية إلا في سياق تاريخي طويل إستبق الوعد المشؤوم ” وعد بلفور” حيث لم يأت هذا الوعد مجرد عبر ” جرة قلم” وإنما من خلال سلسة من الاجراءات العالمية التي كانت تمهد بالأساس للسيطرة على مقدرات وخيرات هذه المعمورة وحصرها في أيدي طغمة عالمية على النقيض من سعي شعوب العالم التوقاة الى التوزيع العادل للمقدرات.

حتى قبل ميلاد السيد المسيح شهدنا حروبا ضروس. وفقا لشبكة المعلومات “ويكبيديا” فقد حدثت في العام 2271 قبل الميلاد معركة أروك التي إنتصر فيها سرجون الأكادي عالى الملك لوكال زاكيزي وفي معركة مجدو عام 1457 قبل الميلاد إنتصر تحتمس الثالث على تحالف أمراء الميتانيين مع أمراء الشام و الكنعانيين، أما معركة قادش عام  1296  قبل الميلاد فلم تنتهِ بشكل حاسم بين رمسيس الثاني و الحثيين، وفي العام 1046 قبل الميلاد حققت أسرة شو إنتصارا حاسما في معركة موي على أسرة شانغ. بينما تحقق إنتصارا غير حاسم في معركة معركة قرر عام  853  قبل الميلاد لصالح الأشوريين على تحالف دول الشام، وانتصر الكلدانيون على الفراعنة في معركة كركميش عام 605 قبل السلاد ، بينما انتصر الاغريق على الفرس في معركة بلاتابا عاة 479 قبل الميلاد والقائمة تطول.

أبشركم أيها الأحبة  بالقول ” الحرب لسه في أول السكة” وأقول لكم أن تاريخ البشرية عرف حروبا طويلة جدا جدا. فقد أورد موقع “worldatlas.com” قائمة لحروب امتدت لأعوام وتوارثتها أجيال وأجيال ومنها حروب شبه الجزيرة الأيبيرية التي إستمرت 780 عاما وحروب الفرس والرومان التي بدأت منذ سنة 92 قبل الميلاد إلى سنة 629 ميلادية، والحرب المعروفة بحرب الـ 335 عاما تلك الحرب “الغريبة”  حيث لم يتم اراقة قطرة دم واحدة وكانت حربا بين الهولنديين وجزر سيلي في الجنوب الغربي من شاطئ المملكة المتحدة. أما حرب أريكو فقد استمرت 300 عاما بين الجيوش الإسبانية وشعوب مابوتشي الموجودة في أميركا الجنوبية ، بينما إستمرت حروب البيزنطيين والسلاجقة 260 عاما بين الطرفين.

فما بالكم تستعجلون وتظنون أن معركتنا مع هذه الكيان الغاصب ومن خلفه هي أولا معركة قصيرة الأمد ( صبر ساعة ) وثانيا هي معركة بين الفلسطينيين والصهاينة فقط. إنها معركة وصراع طويلة وجزء من صراع متواصل بين قوى الظلم والطغيان في العالم بجبروتها وبين القوى التواقة للحرية والعدالة وما يتضمنها من إصطفاف طبقي وقومي ووطني.

وعودة على ذي بدء، ما الذي سأجيبه على تساؤل الصديقة سمر وزني؟

سأقول أن الشعب الفلسطيني ضحى وضحت معه كل الشعوب العربية والعالمية التواقة للحرية والعدالة، وأينما ذهبنا في ربوع هذا الوطن نجد رفات شهداء من الفلسطينيين والعرب وغير العرب.

سأقول أن هناك معادلتان منعكستان، الأولى معادلة نصر الشعوب للشعوب، ومعادلة نصر الحكام للطغاة. ففي الأولى وقفت معنا شعوب العالم وفي الثانية وقف ضدنا كل الحكام على السواء بدرجات مختلفة ومسميات متباينة ووفقا لاملاءات الغرب أو مصالح الشرق. بل وقمع الحكام مواطنيهم إذا ما إنتصروا للشعب الفلسطيني.

سأقول أن كل جهود التطبيع ومعاهدات السلام مع الكيان الصهيوني كانت بشكل أساسي على مستوى الحكومات أما الشعوب فقد نبذت ذلك، أولى المعاهدات كانت معاهدة كامب ديفيد بين مصر والكيان الغاصب نهاية سبعينات القرن المنصرم وليومنا هذا فإن الشعب المصري يلفظ أفراد الكيان الغاصب في بلد النيل وينطبق ذات الأمر على شعوب باقي الأقطار العربية.

سأقول لأحفادنا أننا أيضا قدمنا وأنكم من دون شك ستقدمون، يكفينا ويكفيكم الرباط على هذه الأرض وذلك ” أضعف الايمان” ، سأقول لهم أن هناك أهلا لنا في الداخل صامدون يقفون كجماعات في ذكرى النكبة يغنون على مسمع ومرأى أبناء الكيان الغاصب ويهتفون ” موطني موطني”، وأن شعوب العالم ما زلت ترفع علم فلسطين في وجه الكبان الصهيوني وفي ” عقر دارهم”.

سأقول لآحفادنا أن هناك أهل القدس، المرابطون على خط الجبهة الأول المتقدم، أجهضوا كل محاولات التهويد والسيطرة على المقدسات.

سأقول لأحفادنا … إحذروا وأنتم تمشون على هذه الأرض الطيبة، كل شبر منها تجدون تحته إما عظام شهيد أو شهيدة أو دماء جريح أو جريحة أو ذكرى معتقل أو قصة وحكاية ورواية.

سأقول ختاما …. ما رددته جماهير قطاع غزة خمسينات القرن المنصرم عندما أجهضت مشروع توطين اللاجئين في سيناء وكان يتقدمهم الشاعر الراحل معين بسيسو هاتفا قصيدته المشهورة ” المعركة”

أنا إن سقطْتُ فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاحْ
واحمل سلاحي لا يخفكَ دمي يسـيل مـن السلاحْ
وانظر إلى شفتيّ أطبقتـا عـلى هـوج الريـاحْ
وانظر إلى عينيَّ أغمضتا عـلى نـور الصـبـاحْ
أنا لم أمت! أنا لم أزل أدعوك من خلف الجراحْ
فاحملْ سلاحك يا رفيقـي واتجه نحـو القتـالْ
واقـرع طبـولك يستجـبْ لك كلّ شعبك للقتـالْ
وارعدْ بصوتك يا عبيـدَ الأرض هـبّوا للنضـالْ
يا أيها الموتى أفيقوا: إن عهد المـوت زالْ
ولتحملوا البركان تقذفه لنا حُمـر الجـبـالْ
هذا هو اليوم الذي قد حددته لنا الـحـيـاهْ
للثورة الكبرى على الغيلان أعداء الحـيـاهْ
فإذا سقطنا يا رفيقي فـي جحـيـم الـمعـركهْ
فانظر تجدْ علمًا يرفرف فـوق نـار الـمعـركهْ
ما زال يحمله رفـاقك يـا رفـيـق الـمعـركهْ

شكرا لك أيها العزيزة سمر وزني فقد حرك سؤالك الخطاط  جملة من الهلوسات.

Print Friendly, PDF & Email