أخبار عاجلة

د. أحمد الأشقر يكتب : طريق المنامة…!!

يختلف الفلسطينيون أيّما اختلاف، على الماء والطعام وأسماء أبنائهم، يختلفون على الاستراتيجيات والتكتيكات، وعلى  الفوضى والعبث، وعلى تعريف الفساد، يختلفون على شبر أرض، وزيتونة عجوز، ويقتتلون لأبسط الأمور.

الفلسطينيون منقسمون أيضاً بين يسار هرم، وحركة وطنية فارهة المكاتب، وإسلامية براغاماتية، يختلفون على لينين، وكارل ماركس، والقرضاوي وأبو بكر البغدادي، وفي قرية فلسطينية، صغيرة تنقسم البلدة على راية الحزب التي سوف يلفون بها الشهيد، وفي المقاهي، يختلف الفلسطينيون على الحكومة، وعلى الرئاسة، وعلى زعامة البلدية، وعلى أمين سر التنظيم، وعلى برشلونة وريال مدريد، ويختلفون على  السيسي ومرسي والقذافي وبوتفليقة، حتى عمر البشير لم  يسلم من نظرية  الاختلاف الحتمية هذه.

الفلسطينيون جاهزون دائما للاختلاف والانقسام، إلا على فلسطين، هم يرونها بعين واحدة، وأفق وحيد، ولا يمكن لأحد مهما بلغ ذكائه أن يقنع طفل فلسطيني أن حيفا ليست فلسطينية، وأنّ سور عكا ليس إرثاً فلسطينياً خالصاً، وأن القدس ليست بوابة السماء، وأنها وحدها دون غيرها عاصمة فلسطين المقدسة.

هم يختلفون على كل شيء،  لكنهم جميعاً يحتفلون بالأسرى المحررين، ويبكون في جنازات الشهداء بعيون سخية، ويحرقون الأرض تحت من يمسّ رموزهم الوطنية  كياسر عرفات وأحمد ياسين  وأبو علي مصطفى وغيرهم من القادة الشهداء، يختلفون في المنفى،  لكنهم لا يختلفون على تسميته بالمنفى، ويحلمون جميعاً بحق العودة المقدس.

يختلف الفلسطينيون على كل شيء، إلا على توصيف الطريق إلى المنامة  بالطريق إلى “العار”، ومواجهة هذا الطريق كان فارقاً في جمع الفلسطينيين على فطرتهم، لأنّهم يعرفون بحكم فطرتهم، أنّ الاختلاف في توصيف طريق المنامة، يعني الاختلاف على فلسطين، من بحرها إلى نهرها.

اليسار واليمين الوسط، واليمين المتشدد إن صحّ توصيفهم كذلك، اتفقوا من حيث لا يدرون ربما على تجاوز فذلكات السياسة، وصراع النفوذ، نحو مواجهة طريق المنامة، وجعل هذا الطريق وعراً وخطراً لكل من أراد أن يفرّط من هذه الأمة بقضية فلسطين، كثير من الشعوب المقهورة تراقب كيف يفعل الفلسطينيون ذلك بكل حرفية واقتدار، وكيف استطاع هؤلاء  المحاصرون أن يقولوا لا، في ظل عجز حكوماتهم عن قول ذلك لسيدة الشرّ أمريكا.

مواجهة طريق المنامة هو الطريق الأقصر لتوحيد الخطاب الشعبي والرسمي الفلسطيني، لأنّ فطرة الفلسطيني، العامل والفلاح والسياسي والمثقف كلها مجبولةٌ على أنّ فلسطين لا يمكن أن تكون سعلة في بازار أي كان، هذا وحده كفيل بأن يجعل طريق المنامة وسيلة لاستنهاض حركة التاريخ التي جعلت من شعب الجبارين قادراً حتى الآن على مواجهة ماكينة الاقصاء والتهميش والتدجين والإلغاء.

مواجهة طريق المنامة يتطلب إنهاء مهزلة الانقسام، والعودة للاحتكام لصناديق الاقتراع، وتفعيل الحياة الدستورية الفلسطينية، لأنّ ذلك وحده هو الذي يعزز من قدرة الفلسطينيين على مواجهة ما يحدث من محاولات لشطب هوية فلسطين من خارطة المنطقة، عندها، وعندها فقط، ينقلب السحر على الساحر، لتصبح مواجهة طريق المنامة، خارطة طريق لنا جميعاً.

Print Friendly, PDF & Email