خطة كوشنير.. التخطيط الاقتصادي بعقلية تاجر العقارات

بقلم: قيس عبد الكريم/ عضو المجلس المركزي الفلسطيني

خطة كوشنر الاقتصادية المزعومة، عبارة عن سلسلة من الوعود الباهرة البرّاقة ولكن الوهمية التي تفتقر إلى أي سندٍ واقعي، فأهدافها المعلنة تتناقض مع وسائلها.

تتحدث الخطة عن نمو الاقتصاد الفلسطيني بنسب تقترب من 10% خلال السنتين الأوليين وتتراوح بين 8 و8.5% خلال السنوات الثماني اللاحقة. ومن الواضح أن هذه النسب غير واقعية على الإطلاق، ولم ينجح في تحقيقها خلال نصف القرن الماضي أي اقتصاد رأسمالي مهما كان جامحاً في نهوضه.

والهدف الثاني للخطة لا يقل عن سابقه بُعداً عن الواقعية وهو خلق مليون وثلاثمائة ألف فرصة عمل جديدة في الاقتصاد الفلسطيني. ليس في الخطة ما يشير إلى كيفية تحقيق هذا الهدف، خصوصاً وأن القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد، وهي التي عادة توّلد أكثر من غيرها فرص عمل دائمة، لا تحظى من الخطة إلا باهتمام هامشي.

تُخصص الخطة للصناعة 875 مليون دولار على مدى عشر سنوات أي أقل من 3% من مجموع رأس المال المنوي تجنيده لدعم الاقتصاد الفلسطيني، أمّا الزراعة فهي لا تحظى إلا بـ910 مليون دولار أي ما يوازي 3%، وقطاع الإسكان يُرصد له مليار دولار أي بنسبة 4%.

في المقابل يُخصّص للسياحة 5% من المجموع، ويُخصص لتطوير خدمات الإنترنت 10% من مجموع رأس المال، والأهم من ذلك تُخصص لما يُسمى بالحوكمة والإصلاح الإداري والمؤسسي نسبة 12% من المجموع، أي ما يوازي ثلاثة مليارات وثلاثمئة وثلاثين مليون دولار. وللفلسطينيين خبرة فيما تعنيه البرامج التي تقع تحت عنوان “الحوكمة والإصلاح” التي هي في أغلبها تبذير للمال والجهد والوقت ومكافآت جزيلة للخبراء الأجانب.

القطاع الذي يحظى بالقسم الأكبر من نوايا التمويل هو قطاع المواصلات الذي يُخصص له 24% من مجموع التمويل، وهو قطاع معروف بأن معظم ما يخلقه من فرص عمل لا يتسم بالديمومة. وما ينطبق على فرص العمل هنا ينطبق أيضاً على تنمية الصادرات التي تهدف الخطة إلى رفع نسبتها إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي دون أن توضح كيف يمكن تحقيق ذلك في ظل الدعم الشحيح الذي تقترحه الخطة للقطاعات المُنتجة للسلع القابلة للتصدير.

السؤال الرئيسي الذي لا تُجيب عليه الخطة المقترحة هو كيف سيتم حشد الأموال الضرورية. فالبديهي أن المستثمرين سواء كانوا من القطاع الخاص أو العام لا يمكن أن يتخذوا قراراتهم بالاستثمار في اقتصاد معين دون معرفة المعالم الجيوسياسية والقانونية التي تحدد هذا الاقتصاد. وعندما تتحدث الخطة عن حشد 27.8 مليار دولار لتنمية اقتصاد الكيان الذي تُطلق عليه تسمية “الضفة الغربية وقطاع غزة” فمن الطبيعي أن يتساءل مانحو الأموال والمستثمرون عن الحدود الجغرافية التي تقترحها صفقة ترامب لهذا الكيان وبخاصة في ضوء تصريحات الثلاثي الأمريكي “كوشنر، وجرينبلات، وفريدمان” عن شرعية المستوطنات كحقيقة قائمة وعن حق إسرائيل في ضم هذه المستوطنات التي تغطي أغلبية أراضي الضفة الغربية.

ومن الطبيعي أيضاً أن يُطرح التساؤل حول حدود صلاحيات هذا الكيان ومدى سيطرته على أرضه وموارده ومقدراته وصلاته بالعالم الخارجي وبخاصة في ظل التصريح الاستفزازي للثلاثي الذي يدّعي أن العالم ليس بحاجة إلى دولة فلسطينية -يزعم أنها فاشلة- بين الأردن وإسرائيل. فالواضح من هذه التصريحات أن خطة ترامب لا تعتبر أن حدود “الضفة الغربية وقطاع غزة” هي حدود 1967 وأن هذا الكيان لن يتمتع وفقها بالسيادة والاستقلال الناجز.

يبدو هذا الترابط بين السياسي والاقتصادي على نحو شامل في جميع مفاصل هذه الخطة، بما في ذلك على سبيل المثال معالجتها لمسألة المعابر التي تطرح حلولاً تقنية لها متجاهلة المسألة الجوهرية، وهي من الذي سيتمتع بالسيطرة على المعابر وما هي الشروط الأمنية لإدارتها.

والحقيقة أن هذه هي المشكلة التي تعاني منها الخطة بكل مفاصلها وهي تجاهلها للحقيقة الأبرز التي تلقي بثقلها على الواقع الفلسطيني وهي وجود الاحتلال، كما وهي رفضها الإفصاح عن رؤيتها لطبيعة العلاقة المستقبلية (وفقاً لصفقة ترامب) بين “الضفة الغربية وقطاع غزة” ودولة الاحتلال. بل إن التدقيق في المشاريع التي تركز عليها الخطة توضح أن أحد أهدافها هي تمتين العلاقات مع اقتصاد دولة الاحتلال المحكومة بأن تكون بعلاقة تبعية دائمة له.

من الواضح إذاً أن هذه الخطة المبهرجة المسماة اقتصادية، فضلاً عن كونها غلافاً من الدسم المغشوش لتبليعنا السمّ السياسي لصفقة ترامب، إنما تهدف أساساً إلى استدراج دول عربية وإقليمية معينة إلى موقع الانخراط في عملية تطبيق “صفقة القرن” حتى قبل أن تٌعلن واشنطن عن المضمون السياسي الكامل لهذه الخطة، وإن كانت قد كشفت عن الرئيسي من عناصرها من خلال إجراءاتها أحادية الجانب المتعلقة بالاعتراف بالقدس “الموحدة” عاصمة لإسرائيل ومحاولة تجفيف موارد “الأونروا” وإعادة تعريف اللاجئ خلافاً لقرارات الأمم المتحدة ومحاولة شرعنة المستوطنات وإضفاء الغطاء السياسي على نوايا إسرائيل في ضمّها. وما زال غير معلن منها هو بالضبط ما كنتُ لأودّ معرفته لو كنتُ مستثمراً مدعوّاً للمساهمة في تمويل جانبها الاقتصادي.

هذه هي الوظيفة السياسية لهذه الخطة ولورشة المنامة المدعوة لبحثها، والواقع أن المسؤولين الأمريكيين أنفسهم لا يخفون شكوكهم في أن يترتب على الورشة التزامات محددة من قبل المشاركين فيما يتعلق بتنفيذ مشروعاتها.

وهذا منطقي جداً، فالمطلوب هو أن يعلَق هؤلاء المشاركون بصنارة الانخراط في “صفقة القرن” وإضفاء الشرعية عليها، وأن تكون هذه الورشة بمثابة حلقة من حلقات عملية التنفيذ الفعلي لهذه الصفقة استكمالا للإجراءات أحادية الجانب التي أشرنا إليها أعلاه.

 وهذا الذي يفسر كيف ولماذا تصرّ واشنطن على الاستمرار في تنظيم هذه الورشة المفترض بها أن تناقش مستقبل تطوير الاقتصاد الفلسطيني لعقد كامل من السنين، في غياب الفلسطينيين، سلطة ومؤسسات أهلية ورجال أعمال. هذا الموقف ينسجم مع الفلسفة العامة لما يسمى بصفقة القرن، فهي ليست خطة للتسوية ما بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بقدر ما هي تصور شامل لإعادة ترتيب الوضع الإقليمي بما ينسجم مع طموح الولايات المتحدة وإسرائيل لإقامة تحالف يضم إسرائيل وما يسمونه بالدول العربية المعتدلة في مواجهة أخطار مفتعلة. والمكانة التي يحتلها المستقبل الفلسطيني في سياق هذا الترتيب لا تنتظر برأي واشنطن موافقة الفلسطينيين أنفسهم، بل يُراد لها أن تُفرض عليهم بحكم الإجماع الإقليمي.

ولكن كما أن الجانب الاقتصادي من الصفقة هزيل ورثّ وغير ذي صلة، فإن الوظيفة السياسية لورشة المنامة لا تقلّ عن ذلك في هشاشتها. ورغم أن الشعب الفلسطيني بجميع قواه ومكوناته الاجتماعية يرفض هذه الورشة ويدعو كل أخوته العرب إلى احترام إجماعه الوطني على ضرورة مقاطعتها فإن علينا أن نلاحظ أن تدني مستوى التمثيل من قبل الدول العربية المشاركة والتصريحات التي صدرت عنها والتي تتحفظ على هدفها السياسي تجعل مما سيجري في البحرين خلال اليومين القادمين مسرحية رتيبة وباهتة وغير ذات صلة. وهذا مؤشر على أن الصفقة الأم التي تندرج في سياقها هذه المهزلة المأساة هي مشروع محتوم الفشل ولا مستقبل له.

Print Friendly, PDF & Email