هل ستنجح روسيا في العودة الى حالة التوازن مع الولايات المتحدة في ملف التسوية؟

بقلم/ سمير عباهرة

تدور احاديث منذ فترة في اروقة الصحافة العالمية يشاركها في ذلك بعض السياسيين عن احتمالية تولي موسكو دور الوسيط في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي وضرورة تحريك ملف التسوية التي توقف قطارها منذ سنوات مضت. ويدور في خلد هؤلاء قناعة بانه يجب تغيير الادوات على نحو تتمكن فيه من كسر الجمود المحيط بعملية السلام وليس الانحسار في زاوية سياسية معينة بعد ان فشلت الولايات المتحدة في لعب دورا متوازنا في عملية السلام وانحيازها التام لاسرائيل التي توجته بنقل سفارة بلادها الى القدس والاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل وتحت السيادة الاسرائيلية وهو ما اعتبر ضربا لمرتكزات عملية السلام وعجل بالاطاحة بدور الولايات المتحدة كوسيط في عملية السلام من جانب الفلسطينيين.

ربما يكون هذا السيناريو مقبولا لدى الكثير من الاطراف الدولية والاقليمية لكنه سيلقى معارضة قوية من بعض الاطراف التي تتأثر مصالحها جراء تلك التحولات بل يمكن القول انه من الصعب ان يتحقق لاسباب كثيرة ومتعددة منها ما هو متعلق بأحد اطراف الصراع وهي اسرائيل والتي ستفتقد بذلك فريقا منحازا لها بشكل كامل ويتبنى مواقفها ويتحرك ضمن رؤيتها، والطرف الاخر الذي سيرفض ذلك بشكل مباشر وهي الولايات المتحدة التي تشرف بشكل مباشر على عملية السلام وتستفرد بها وهي لن تتنازل عن دورها تحت اي ظرف من الظروف السياسية بل ستبقى متمسكة به وتحاول ابعاد اي طرف يمكن ان يدخل على خط التسوية، فالولايات المتحدة كانت دائما تحاول ان تستحوذ بشكل كامل على كل الجهود السياسية المرتبطة بالعملية التفاوضية بين الجانب الفلسطيني والاسرائيلي، وأنها لم تكن لتسمح لأية جهة أن تدخل على خطها، بل ان الرباعية الدولية جرى تهميشها على يد التفرد الامريكي.

روسيا التي تمثل احد اضلاع الرباعية الدولية التي اشرفت على عملية السلام وتنطلق في مواقفها من قرارات الشرعية الدولية التي تطالب بانسحاب اسرائيل الكامل من الاراضي التي احتلتها عام 1967 بما فيها القدس الشرقية ورفضت الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة موحدة لاسرائيل وادانت نقل السفارة الامريكية الى القدس وترى ان مبدأ خيار الدولتين لا يقتصر فقط على تحقيق المصالح الفلسطينية والاسرائيلية بل على تحقيق المصالح الدولية ايضا بوصفه نقطة ارتكاز لتحقيق الامن والاستقرار في منطقة تعاني الكثير من الصراعات. لكن روسيا لن تستطيع مزاحمة الولايات المتحدة في ملفات الشرق الاوسط وتحديدا في ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بحكم ان الولايات المتحدة لا زالت تتحكم بهذا الملف وتدعم اسرائيل بكل مواقفها وهذا يتعارض مع الموقف الروسي ومن هنا تحاول كل من الولايات المتحدة واسرائيل ابعاد روسيا عن منطقة الشرق الاوسط بالكامل نتيجة عدم الانسجام في مواقف الطرفين اضافة الى ان هناك صراعا روسيا اسرائيليا غير معلن على الساحة السورية هذا من جهة. ومن جهة اخرى فان روسيا لازالت توجه انتقادات حادة للسياسة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين واخرها ما حدث من هدم لبيوت الفلسطينيين في صور باهروكذلك حجز اموال المقاصة الفلسطينية.

لا شك ان الفترة التي تلت الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي احدث تراجعا في الموقف الروسي تجاه القضايا الاقليمية ومنها الفلسطينية واصبح محكوما بسياسات الوفاق مع الولايات المتحدة ومرهونا بالحرص على تعزيز المصالح المتبادلة بينهما مع احتفاظ روسيا بهامش من المناورة بشكل يحفظ لروسيا مكانتها السياسية في المنطقة.

وعلى ما يبدو ان هناك تحولا طرأ على الموقف الروسي وفي تطور لافت للنظر في موضوع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو ما اثاره ممثل روسيا في هيئة الامم المتحدة فاسيلي نيبينزيا الذي طالب بإرسال بعثة تابعة لمجلس الأمن الدولي إلى الشرق الأوسط لتسوية النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهو ما يشير الى رفض الدور الامريكي في موضوع التسوية وجاء التأكيد على ان روسيا ابلغت الولايات المتحدة بأنها لن تسمح بفرض صفقة القرن على الفلسطينيين. ويعتقد ان هذا التطور في الموقف الروسي جاء بعد ان توصلت روسيا الى قناعة بان الولايات المتحدة تريد القفز عن الاجماع والتوافق الدولي في مسألة الصراع وجاء الموقف الروسي ردا على خطاب جيسون غرينبلات في مجلس الامن والذي اشار الى ان موضوع التسوية يجب ان يكون خارج القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

Print Friendly, PDF & Email