هيمنة إعلامية صينية على أفريقيا.. سياسة واقتصاد

استعرضت العديد من التقارير الإعلامية على مدار الأعوام الماضية، تعاظم النفوذ الصيني الملحوظ في القارة الأفريقية، والذي بدأ عبر إبرام صفقات ضخمة مع الحكومات المحلية، وإرسال مئات آلاف الموظفين والمهنيين المختصين إلى الشركات الصينية التي تستثمر في أفريقيا، غير أن الأمر تخطى على ما يبدو العلاقة الاقتصادية المحضة، حيث باتت الصين تُشكل وعيا ثقافيا خاصا بها في هذه الدول.

وأعدت الباحثة والمحاضرة في مجال الدراسات الأفريقية، أوبري هروبي، في جامعة جورج تاون الأميركية، تقريرا لصحيفة “فورين بوليسي”، حول مدى التأثير الإعلامي الصيني في أفريقيا، أوضحت خلاله أن الصين وسعت من حجم تواجدها الإعلامي في أفريقيا، إلى حد تخطى حث الأفريقيين على تبني السرديات الصينية، ووصل لمرحلة التأثير على معايير الاتصالات والبيانات، والمعلومات الأساسية في القارة.

وشرحت هروبي، أن الشركات التكنولوجية الصينية اجتاحت الأسواق الأفريقية، حيث أن عملاقة الاتصالات الصينية المقربة من السلطات “هواوي”، على سبيل المثال، أسست أكثر من 40 شبكة “جيل ثالث” (3 جي)، في أكثر من 30 دولة أفريقية. كما أن الشركات الصينية تُسيطر على حصّة كبيرة جدا من سوق الهواتف في هذه الدول.

ورغم أن معظم الاستهلاك الإعلامي في أفريقيا يتم عبر الهواتف الذكية، فإن مبيعات التلفزيونات في ارتفاع متزايد في أوساط الطبقات الوسطى، وهو قطاع تكاد الصين أن تحتكره في القارة. ولفتت الكاتبة إلى أن الصين تنجح بذلك، بسبب التنمية والعقود.

وبذلك فإنه عبر سيطرة الصين على كيفية إيصال المواد الإعلامية، فإن شركاتها باتت تعمل كنافذة مُطلة على العالم لملايين الأفارقة، وبالتالي فهي تستثمر بالمحتوى والبنية التحتية للمنصات الإعلامية التلفزيونية الأفريقية بشكل كبير.

وأنشأت الصين عام 2012 قناة “سي سي تي في أفريقيا”، والتي أعادت تسميتها عام 2016 بـ”شبكة التلفزيون الصينية العالمية في أفريقيا”، وهي قناة إخبارية ناطقة باللغة الإنجليزية تديرها هيئة الإذاعة الصينية الحكومية، ورغم أنها لم تحظ برواج كبير في أفريقيا، إلى أنها منتشرة في جميع الدول تقريبا، ولها مقر ضخم في نايروبي.

وفي كينيا مثلا، فازت مجموعة “شبكة عموم أفريقيا” الصينية، بالحق في احتكار توزيع حقوق البث في عام 2015.

وبحسب هروبي، فإن الصين لا تراهن على توسيع شركاتها أو تأسيس مؤسسات وكيانات إعلامية جديدة في أفريقيا، بل أيضا على الاستثمار في شركات إعلام أفريقية قائمة.

ففي جنوب أفريقيا مثلا، ترتبط بعض الشركات والمؤسسات الإعلامية المحلية بالصين. وأكثر من 20% من أسهم ثاني أكبر شركة إعلامية محلية، المسؤولة عن توزيع أكثر من 20 جريدة، وفي إحدى الحوادث الشهيرة، ألغت إحدى هذه الجرائد المرموقة محليا، زاوية ركّزت على محنة مسلمي الأويغور الذين يتعرضون لاضطهاد شديد في الصين.

وشددت الباحثة على أن الحوادث المشابهة لهذا النوع من الرقابة، مقترنة بالدعم الكبير التي تمنحه الصين لمحتواها الخاص، والاستثمارات الأخرى، تؤكد مدى أهمية التغلغل الإعلامي في أفريقيا بالنسبة للصين، وليس لأسباب تجارية فقط، بل كأداة سياسية.

ويدعي بعض المراقبين أن الحكومة الصينية تستخدم فروعها الإعلامية في أفريقيا على الطريقة التي تنتهجها روسيا، في قناة “روسيا اليوم” في أوروبا، وهو العثور على التشققات في وسائل الإعلام الغربية وملؤها بالروايات البديلة المنحازة  للمصالح الصينية.

وفي الوقت الذي تعمل فيه الصين على زيادة نفوذها الإعلامي في القارة، تعمل الصين أيضًا على إعادة تشكيل وعي العاملين الأفريقيين في المجال الصحافي والإعلامي، من خلال مبادرات تعاون إعلامي رفيعة المستوى ومراكز صحافية صينية أفريقية جديدة، تهدف لبناء روابط ثقافية عميقة بينهم وبين الصين وإعلامها.

لكن الباحثة لفتت أيضا إلى أن الشركات الإعلامية الأميركية زادت من دورها في أفريقيا على مدار الأعوام الأخيرة الماضية، بهدف تحدي تصاعد النفوذ الصيني على ما يبدو، لكن نمو وسائل الإعلام الأميركية الخاصة في أفريقيا كان بطيئا نسبيا لنظيرتها الصينية.

Print Friendly, PDF & Email