أزفّت الساعة

خالد بطراوي يكتب :

من نافلة القول ( عجبتني هاي .. كيف طلعت معي ما بعرف) ان أوسلو شكلت منعطفا تاريخيا في حياة الشعب الفلسطيني خاصة والشعوب العربية عامة بما حملته من إيجابيات وسلبيات وما ترتب على ذلك كله من تبعات.

في حياتنا الفلسطينية الداخلية … أصبح هناك ما قبل أوسلو .. وما بعد أوسلو … وبضمن ذلك تأقلمت الفصائل الفلسطينية والمنتمين اليها مع هذا المستجد.

أذكر فيما أذكر أنه عندما بسطت السلطة الوطنية الفلسطينية سيطرتها المجزوءة على مناطقنا، وخرجت الجماهير لتحيتها، كان أول من رفع العلم الفلسطيني أولئك الذي كانوا  – إبان الاحتلال – يخشون حمل بطيخة كون ألوانها تطابق الوان العلم الفلسطيني فيتم إعتقالهم. وبدأ كل منهم ” يعرم” مستعرضا بطولاته ونضالاته في مواجهة الاحتلال ومعظمهم ” لم يكن قد أكل كفا أو شلوطا” ذات يوم من الاحتلال.

وبدأت عملية التوظيف في أجهزة ومؤسسات السلطة مع ما رافقها إضافة الى الشهادات والمؤهلات الأكاديمية ما عرف بالشهادة النضالية، فسارع الآفراد كل الى فصيله أو حتى الى أقرب مقر فصيل للحصول على ” شهادة نضالية” أرفقت مع طلب التوظيف، جرى إثرها منحه أو منحها الدرجة الوظيفية.

أصبح هناك الفصيل الفلسطيني ما قبل أوسلو والفصيل الفلسطيني ما بعد أوسلو .. وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، وأصبح هناك عضو الفصيل ما قبل أوسلو .. وما بعد أوسلو.

لا أريد أن أتحدث عن الفصيل ما قبل أوسلو ولا عنصر الفصيل أيضا … يكفي فهم معادلة واحدة … في العلاقات النضالية بين أفراد الفصائل بغض النظر عن إنتماءاتهم .. ظل أخوة ورفاق النضال ما قبل أوسلو .. كما هم تقريبا .. على قلب رجل واحد ( أو إمرأة واحدة) جاهزون للعمل معا ولتلبية النداء دون حتى الاستفسار عن ماهية هذا النداء. فإن إتصل فتحاويا عريقا برفيقا يساريا عريقا طالبا حضوره مثلا .. يحضر فورا دون أن يستفسر عن السبب، فقد جمعتهما الزنازين والتحقيق والكر والفر والجبهة الوطنية سبعينات القرن المنصرم ولجان التوجيه الوطني ثمانينيات القرن المنصرم الانتفاضة الأولى وأشياء كثيرة.

الان لدينا فصائل فلسطينية وعناصر ما بعد أوسلو .. تماما كما فنادق .. السبع نجوم .. فصيلان كبيران، أحدهما يمسك بزمام السلطة في شطر من الكيان والآخر في الشطر الآخر من الكيان، وعناصرهما من رأس الهرم وحتى قاعدته تبحث في الغالب عن مكاسب شخصية ( طبعا دون التعميم المطلق ) في وزارة ما … في مؤسسة ما … في مرتبة وظيفية ما .. في إمتيازات ما .. حتى في تأدية مناسك دينية، وسفريات ومياومات .. مع كل ما يرافق ذلك من سعي لإقصاء الآخر و ” حطلي .. تحطلك ” أو ” حكللي .. تحكلك”.

غالبية فصائل اليسار الفلسطيني أيضا وعناصرها تبحث عن مكاسب شخصية … كيف لا وقد تحولت الى “ديكورات” ومتطلب تجميلي داخل منظمة التحرير الفلسطينية لإظهار المنظمة بوصفها الحضن الجامع لهذه الفصائل، إذ ليس من المنطق أن يكون فصيل واحد في المنظمة، فيجري الصراع داخل هذه الفصائل على من سيشغل الحقيبة الوزارية عند التشكيلات الوزارية وعندها تتشكل الولاءات، ومن سيفرزه الفصيل في السلك الدبلوماسي، ومن سيتم تعينه مديرا عاما أو ربما وكيلا، ومن سيتم ضمه على ملاك موظفي السلطة حتى ولو لم يحمل شهادة جامعية أو يحمل شهادة جامعية مزورة، ومن سيصبح مرافقا ومن سيصبح عضوا في اللجنة المركزية أو المكتب السياسي، ومن سيحشد لأجل ذلك كله عائلته وعشيرته، ومن سيصبح متفرغا حزبيا وقد يتعب المرء منا وهو يعدد الحالات والامتيازات الشخصية.

إذا نحن أمام حالة تشكلت بعد أوسلو … جوهرها الابتعاد أكثر فأكثر عن مسألة التأطير المستند الى الفكر والرؤيا والأيدلوجيا والمترجم الى فعل نضالي يقاوم ويقارع الاحتلال … بل الى ثقافة المصلحة من خلال الانتماء الى الفصيل والتحشيد عملا بمقولة ” معاهم .. معاهم …. عليهم … عليهم”.

ما العمل إذا؟ طالما أننا نقوم بالتشخيص، فهل نتباكى على الوضع أم ماذا؟

نحن بحاجة الى حالة إستنهاض فكري وأيدلوجي وعقائدى داخل كافة الفصائل الفلسطينية دون إستثناء، بحاجة الى إكساب عضو الفصيل أساسيات فكر الفصيل، لنستهض المدارس الحزبية ومدارس الكوادر في الفصائل، لنستهض التعبئة والتنظيم والتوجيه السياسي، لنشرح تاريخ الثورات العالمية والعربية والثورة الفلسطينية، لنربط النضال الوطني بالأممي، والوطني بالطبقي، والوطني بالقومي.

القضية الفلسطينية تدخل في مرحلة جديدة، ربما مرحلة تعد لحالة إستنهاض بعد سبات دام لسنوات طويلة، مرحلة ما بعد غيبوبة أوسلو … تعقدت خلالها الظروف الاقليمية والعالمية والعربية في ميزان ليس في صالح حركات التحرر وليس في صالح الشعوب وليس في صالح القضية الفلسطينية.

مرحلة ننفض عنا أنفسنا غبار ” الأنا” وننظر الى المجموع ” نحن”، مرحلة تحتاج الى حالة حراك شعبي على كافة الأصعدة يقودها الشباب والشابات المسلحين بالعلم والمعرفة والذين يلزمهم إسناد فكري أيدلوجي تعبوي من خلال مدارس الكوادر. مرحلة ننزع فيها من دواخلنا ذهنية الاصطفاف والتمترس، ذهنية الفصيل المسيطر، مرحلة لا ترى الضوء في آخر النفق من خلال التمني بل من خلال العمل الصامت الدؤوب الهادىء غير المنفعل المنطلق من فهم الكثير الكثير من المعالادت.

مرحلة نستند فيها الى الجماهير في كافة المواقع، ننفتح بها على الجماهير العربية ولا نحملهم “جميلة” أو نتعالى عليهم أو نشتمهم، نكثف جهودنا مع مناصري التحرر في كافة أنحاء العالم، نميز في تعاملنا مع الحكومات بين المؤيد والمعادي، نوسع نصف قطر الفرجار لتتسع دائرة المعادين للاحتلال وللكيان الغاصب.
يقولون .. أزّفت ( أي حانت ) ساعة العمل ؟ فهل نبدأ؟

Print Friendly, PDF & Email