“مسؤولية الدولة عن عمل سلطاتها القضائية”

بقلم/ أ.د.حنا عيسى

“أنا لست قاضياً .. القاضي والطبيب يقتلان دون أن يعاقبا”

“القضاء هو مقياس الخير في الأمم، وهو معيار العظمة فيها، وهو رأس مفاخر كل أمة حية وراشدة”

“اذا كان النظام القانوني في بلد ما لا يتفق وذلك المستوى على الرغم من أن شعب ذلك البلد قد يكون قانعا ومرغما على العيش في ظله فانه لا يمكن إرغام أي بلد أخر على قبوله كنظام يوفر سبيلا مرضيا لمعاملة مواطنيه فيه”.

يجب على كل دولة أن تقيم أجهزة للتقاضي تحكم بين الناس بالعدل سواء كان هؤلاء من المواطنين أو من الاجانب .وبكلمة أخرى يمكن القول أنه يجب أن يكون هناك (مستوى أدنى للعدالة ) في كل دولة . وفي هذا يقول القانوني الامريكي (روت):”اذا كان النظام القانوني في بلد ما لا يتفق وذلك المستوى على الرغم من أن شعب ذلك البلد قد يكون قانعا ومرغما على العيش في ظله فانه لا يمكن إرغام أي بلد أخر على قبوله كنظام يوفر سبيلا مرضيا لمعاملة مواطنيه فيه”

واستنادا الى هذا فان الدولة قد ترى نفسها مسؤولة دوليا اذا كان نظامها القضائي مضطربا ،أو كانت احكامها القضائية جائرة ومتميزة او حين لا يتمكن الاجانب فيها الحصول على حقوقهم عن طريق القضاء وهو يسمى (انكار العدالة).

ý والحقيقة أنه هناك مفهومان لإنكار العدالة:

1- مفهوم (إنكار العدالة) بالمعنى الضيق وهو منع المتضرر من مراجعة القضاء الوطني، أو السماح له بمراجعته مع التحيز في اصدار الحكم، بحيث يكون دوما ضد مصلحته.

2- مفهوم (انكار العدالة) بالمعنى الواسع ويوجد (اذا وقع من المحكمة تسويف لا مبرر له أو حيل بين الاجنبي وبين الالتجاء للقضاء ، أو وجد نقص كبير في اجراءات التقاضي ، أو اذا لم تتوفر الضمانات التي لا غنى عنها لحسن سير العدالة ، أو اذا صدر حكم ينطوي على ظلم واضح، وأما الخطأ الذي تقع فيه المحكمة والذي يُستشف منه الظلم الواضح فلا يعد انكارا للعدالة).

وقد جاء في قرار هيئة التحكيم بقضية جورج سالم بين الولايات المتحدة الامريكية ومصر سنة 1932م من الامثلة على انكار العدالة كم من “التسويف الذي لا مبرر له في الاجراءات القضائية والتفرقة غير المشروعة امام القضاء بين الوطنيين والاجانب وكذلك الظلم الواضح الناجم عن سؤ النية، ومن هذا القبيل ما لو حكمت محكمة وطنية بحكم ما واعطته مفعولا رجعيا في كل ما يقع عكس مصلحة الاجنبي ولم تعطيه نفس المفعول فيما هو من مصلحته ( قضيه مارتيني عام 1930)، وكذلك ما لو جرى منع عودة الاجنبي الى اقليم الدولة المضيفة من قبل سلطاتها وذلك بهدف منعه من مراجعة القضاء فيها لرأي القاضي ريد في قضية نوتباوم التي نظرتها محكمة العدل الدولية 1955م.

ولا تسأل الدولة عن الاعمال التي قامت بها سلطاتها القضائية فقط ، وانما تسأل ايضا عن الاعمال التي لم تقم بها هذه السلطة وكأن من واجبها القيام بها ، وهكذا اذا وقف القضاء موقف الاهمال وعدم المبالاه من طلبات يتقدم بها الاجانب يكون هناك حالة إنكار للعدالة.وبشكل عام تتوافر حالة (انكار العدالة) نتيجة لأي عمل غير مشروع ارتكبه الجهاز القضائي أو رجال الضابطة القضائية، ويشمل ذلك الاعمال التي لم تصدر عن السلطات القضائية نفسها ولكنها تدخل في اختصاصها لعلاقتها بنظام القضاء وسير العدالة مثل إعدام الاشخاص الاجانب بدون محاكمة، أو محاكمتهم من قبل محاكم غير نظامية ، لم يتوفر فيها حق الدفاع أو الضمانات القضائية اللازمة.

وتتحقق مسؤولية الدولة كلما ثبت انه كان هناك (انكار للعدالة) بالمفهوم الواسع لهذا التعبير ولا يسمع من الدولة المسؤولة الدفع باستقلال سلطاتها القضائية أو بأن الحكم الذي سبب الغبن لاجنبي قد حاز قوة القضية المقضية.

Print Friendly, PDF & Email