هل ترتاح روح إسراء بتحقيق عادل؟ أم ان العدالة تكمن بتغيير حقيقي للقوانين التي تبيح قتل الانثى؟ الجواب عند الرئيس

نادية حرحش تكتب :

أثارت قضية موت الشابة إسراء غريب الرأي العام المحلي والعالمي. انتصار يحسب لحشد عالمي لقضية متكررة لجرائم لا تتوقف بحق النساء. ولكن ككل قضايا الرأي العام، هناك مدة محددة لحشد الجموع من اجل قضية بعينها. فالقضايا كثيرة ومتراكمة ومتشعبة. وعليه، فان مقدرة الفرد الواحد على متابعة قضية محددة لفترة زمنية طويله محدود ومقيد بالقضية التالية.

في واقعنا الفلسطيني، نرى كم تتشعب الأولويات الكثيرة للقضايا المهمة، فهناك الاحتلال، والانقسام، والفساد، والفقر. هناك مشاكل اجتماعية، ثقافية، تربوية. هناك آفات وأمراض ومخاطر. وهناك أمور عالمية وفنية وطبيعية. العالم اليوم يقع في فضاء يتجمع امامنا من خلال شاشة، ويسيطر عليه ونؤثر به ويتأثر بنا من خلال كبسة زر.

قضية اسراء، قضية متكررة، فهي كذلك قضية نيفين واية وبراء. هي قضية مئات من الأسماء التي شطبت من الوجود لإناث تحت مسمى قتل الشرف، يصمت امامها المجتمع ويسمح له ان تتكرر في استغاثة عرفية لغسل عار تجلبه دائما الانثى.

الاعلام، المظاهرات، المناشدات، الاجتماعات، المطالبات غير المتوقفة لمعرفة نتائج التحقيق، كلها مهمة للغاية، ولكن… ما الذي نريده من هذه القضية؟
هل سترتاح روح إسراء عندما يتم محاسبة المسؤول او المسؤولين عن موتها؟
أم ان القضية أهم من اسراء الضحية بذاتها؟ فراحة روح إسراء لا تكون بلا اراحة أرواح من سبقها من أرواح يجول قتلتها أحرارا مستبيحين ربما للمزيد من الاناث ومستمرين بحياتهم كأن إسراء ونيفين وبراء وروان وآية وقافلة الأرواح المنتظرة للعدالة ابدا لم تكن.

وقد يكون من العجيب ان نرى للعدالة سير حق في هذه القضية، فنحن شعب لا يزال ينتظر نتيجة التحقيق في وفاة رئيسه.! نحن شعب لا يزال ينتظر نتائج التحقيق في قضية تسريب عقارات تستبيح بالقدس وأخرى تستبيح بالوطن.!
نحن شعب ننتظر نتائج تحقيق في قضايا فساد وقضايا تحرش وقضايا قتل لم نعد نتذكرها.!
ولكن…
نعم، يجب التمسك بمعرفة الحقيقة. ويجب الإصرار على تحقيقات جنائية تحترم الانسان وتحاسب المسؤولين وتجعل من مسرى العدالة واجبا يطبق. ولكن، ستسقط إسراء أخرى لطالما نعيش وسط مجتمع يبيح قانونه قتل الأنثى بأعذار، يحاسب القاتل بأحكام مخففة.
المصيبة المستمرة هي القانون.
قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 الذي يمنح المشرع الفلسطيني بمنهج اعفاء الجاني من العقوبة وذلك وفقا لما يعرف بالعذر المحل او المعفى من العقوبة. الاعذار المخففة هي دائما مفتاح الرجل للقتل.

موقف المحكمة الدستورية الفلسطينية من سمو المعاهدات الدولية ومنها سيداو على القانون الداخلي، “الا فيما يرونه وفق اجتهاداتهم الشخصية متعارضة مع الأقسام الدينية والسياسية والثقافية للشعب الفلسطيني”، يصعب تطبيق القوانين وتسمح للرجل بالخروج من غرفة التحقيق بعد فنجان قهوة واعتذار ربما.
“سيداو” تتخوف، والانثى في فلسطين تقتل، ونخرج في مظاهرات ونطالب بمحاسبة القتلة، والقانون لا يتغير.
المشكلة في القانون.

في مقال سابق، طالبت باستقالة وزيرة المرأة التي لا شأن لها ولا قوة ممكنة بالإصرار على تغيير القانون، ولا تفعيل قانون حماية المرأة ( مما يجعلني اسأل لم الوزارة الخاصة بشؤون المرأة إذا؟). وقد يتوجب علي الان المطالبة باستقالة وزير العدل الذي لا يستطيع كذلك فرض تمرير للقانون المعدل (الذي كذلك لا قوة له بإقرار القانون) فبعد أن اصل الى المطالبة باستقالة رئيس الوزراء (الذي لاحول له ولا قوة كذلك بإقرار القانون) ، ومن ثم سأطالب الشعب فردا فردا بالاستقالة من وجودهم، لأننا كأفراد نصنع هذا الشعب الذي لا يؤثر في تغيير واقعه إلى فرض قوانين تحسن وتحافظ وتعلي من قيمة حياته كإنسان.
الحقيقة ان المسؤولية الوحيدة تقع على الرئيس، لأن القانون المعدل جاهز ينتظر فقط إقرار الرئيس.

لا اعرف ان كان للرئيس مشكلة مع المرأة، فمن الصعب علي معرفة الرئيس، فرئيسنا مبهم بالنسبة لي كمواطنة، لا استطيع بالفعل الجزم او فهم موقفه من المرأة. لماذا لا يقر على القانون المعدل حتى الآن؟  فالموضوع ليس موضوع امرأة. هذا موضوع مجتمع.
المرأة ليست سلعة يمكن وضعها في شكل محدد ولا يمكن استبدالها ولا الاستغناء عنها. لو تم الاستثمار بإعادة نظرتنا كمجتمع إلى المرأة بدءا من التعليم الى البيت لما احتاج الرجل في هذا المجتمع لذريعة يفرض فيها رجولته ويقتل.
قضية إسراء فضحتنا…

فضحت كرهنا لأنفسنا. كشفت خوفنا ورعبنا من صوت امرأة، من قوة امرأة، من تأثير امرأة، كل ما كانت تريد ان تقدمه لهذه الدنيا خدمة ما لرجل، كان أبا، او زوجا، او اخا. كيف يستطيع هذا المجتمع ان يقتل امرأة ولقد ربته امرأة، واحتوته امرأة وتسترت عليه امرأة.
واعترف انني لم اعد الوم الشعب على انحداره السحيق.

لم اعد استغرب كم التطرف والتخلف والعمي الذي أصاب المجتمع. فغياب القانون يشرعن حياة الغاب. فالبقاء يصبح للأقوى، فتتحول هذه القوة الى فضيلة. فضيلة يستطيعها فقط الرجل، وتسحق تحته أي محاولة لما قد يبدو قوة أخرى مهددة لسلطته ولعنفوان جبروته.

غياب العدالة في تطبيق القانون، والإصرار على السيطرة على المرأة كوسيلة وحيدة لحفظ مركز الرجل في المجتمع هو الوصفة المتممة لإنهاء المجتمع.

المطالبة بإقرار تعديل قانون العقوبات يجب ان تكون عنوان حملاتنا بنفس نهم ايماننا بالظلم الذي وقع على اسراء في محاولة تلفيق موتها. لأن السبب في موتها ليس فتنة ابنة عم ولا ضرب مبرح من اب او اخ او زوج اخت. السبب في قتل اسراء هو قانون يسمح بقتل الانثى بلا رادع ولا محاسبة وبإمكانية سهلة للتلفيق.

هذه القوانين يجب ان تسقط، ليس من اجل حفظ حياة امرأة أخرى، لوكان من اجل مجتمع لم يبق الكثير على هلاكه.
الرحمة بالأنثى هي رحمة بالمجتمع. واستباحة الانثى هي استباحة المجتمع.

العدل لإسراء لن يكون بتحقيق تأجل او لم يتأجل، فالشعب الذي تم تحويله بشريعة الغاب الموجودة سيستمر بالعواء والنهش. لن يصد فالشعب نتيجة تحقيق انتهى ولا تحقيق سيتم كذلك تأجيله حتى تنام القصة وتدفن كما في كل مرة.
العدل لإسراء هو في الإصرار على مطلب واحد: الإقرار بالقانون المعدل من قانون العقوبات المادة 16.
العدل للأنثى يأتي عندما ينتهي التواطؤ ضدها من قبل نظام يستمد قوته ويحافظ على جبروته بسحق المرأة تحت مسميات ترجعنا الى ظلمات الحضارات فتسحقنا وراء التاريخ كشعب لا يزال يحلم بيوم يتحرر فيه من الاحتلال.

Print Friendly, PDF & Email