تحقيق استقصائي: ثمانون مترا.. ومكبرات الصوت الخيار الأخير!

رام الله/PNN-وفاء عاروري- الثانية بعد منتصف النهار، يقرع جرس المدرسة ايذاناً بانتهاء الدوام في إحدى المدارس في مدينة رام الله، يخرج الطلبة للقاء ذويهم الذين ينتشرون في محيط المدرسة ومن ضمنها ساحة احدى محطات الوقود والتي لا تبعد سوى أمتارا قليلة عن سور المدرسة، فقد أقيمت هذه المحطة على الرغم من وجود المدرسة قبلها بزمن وعلى الرغم من اعتراض السكان المجاورين، محذرين من كارثة محتملة.

وتنتشر محطات وقود وسط الاحياء السكنية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية في مخالفة واضحة للمواصفات والشروط القانونية لتراخيص الانشاء، الامر الذي يشكل خطرا على المواطنين، في ظل رقابة غائبة.

8 ضحايا بينهم أطفال

مشهد الطلبة يعيد الى الاذهان ذاكرة اثني عشر عاماً، حين راح ثمانية مواطنين بينهم أطفال، ضحية انفجار وقع في احدى محطات الوقود في مدينة البيرة، في الضفة الغربية.

وطن التقت أحد شهود العيان على تلك الحادثة، راني غويلة، والذي قال: “تواجدت بعد الانفجار اللي وقع في المحطة بـ 10 دقائق، كنت موجودا في المنطقة وسمعت صوت انفجار ضخم، نظرت إلى الدخان المتصاعد في السماء فعرفت أن الصوت صدر عن محطة الوقود”.

ويضيف: “توجهت مباشرة إلى الموقع، وقد كان “سقف” المحطة وقع أرضا، لم نفهم السبب وما الذي حدث، ولكن أدركنا ضخامة الحدث، وعرفنا ان هناك عدد من الضحايا في الحادثة، والأفظع أن هناك ضحايا سقطوا في خزان البترول الموجود أسفل المحطة، وكان أحد أصدقائي ضمن ضحايا ذلك الحادث.”

ويشرح غويلة كيف بدأ، هو وأخوته، وهم أصحاب شركة رافعات، بإخلاء المنطقة واستخراج الجثامين، من الخزان، وقد كانوا يقومون بتغطية الجثث قبل إخراجها لهول الحال الذي كانت عليه.

الهيئة المستقلة فتحت تحقيقا

هذه الحادثة التي اثارت ضجة في الشارع وهزت الرأي العام الفلسطيني، دفعت الهيئة المستقلة لحقوق الانسان لفتح تحقيق في الحادثة والوقوف على تفاصيل ما جرى.

الباحث القانوني في الهيئة المحامي معن دعيس يقول: “نحن كهيئة نعنى بالمراقبة والمتابعة لكل حقوق الانسان، وهذا الحدث الذي جرى راح خلاله 8 وفيات وكان الامر يتطلب ان نجري تحقيقا فيه لما فيه من انتهاك للحق في الحياة والحق في السلامة الجسدية، وغيرها من الحقوق”.

ويضيف دعيس: “من مجمل المعطيات التي تابعناها في هذا التقرير ومن مجمل الإفادات التي جمعناها من جميع الأطراف المتعلقة بالحادثة، بما فيها مالك المحطة، وجدنا أن كل الإجراءات اتخذت ودائما تتخذ سليمة 100%، خاصة أنه قبل أقل من شهر كانت كل الجهات المسؤولة قد زارت المحطة ومنحت موافقة على تجديد الترخيص”. مشيرا إلى أن هذا يطرح سؤالا حول جدية الفحوصات التي يتم اجراؤها، وهل هي حقيقية فعلا أم أنها بهدف تجديد الترخيص فقط لا غير!

الهيئة: الانفجار سببه إصلاحات في المحطة

ويؤكد دعيس أن الافادات التي تم جمعها تشير إلى أنه كان هناك إصلاحات معينة، في محطة الوقود ونتيجة هذه الإصلاحات وقع الانفجار، خاصة وأن المحطة كانت مأهولة ومشغولة عندما وقع الحدث، أي أنه لم يتم اتخاذ الاحتياطات اللازمة.

خطأ بشري سبب هذه الحادثة حسب التحقيقات، وإجراءات سلامة فرضتها الجهات الرقابية على محطات الوقود كردة فعل على هذه الحادثة ولامتصاص غضب الشارع، الا ان حال بعض محطات الوقود بقي على ما هو، بل وتم ترخيص محطات جديدة بشكل مخالف للقانون!

ترخيص وتنظيم عمل محطات الوقود في المناطق الخاضعة للسيادة الفلسطينية، يتم بموجب نظام التراخيص الصادر عن الهيئة العامة للبترول لعام 2008، والذي يشترط ألا تقل المسافة بين موقع المحطة والمصانع والمدارس وقاعات الأفراح والمستشفيات ودور الرعاية عن ثمانين متراً تحسب من الحدود الخارجية للمحطة، وعشر أمتار على الأقل عن مصادر اللهب.

معدة التحقيق قامت بقياس المسافة بين سور المدرسة المذكورة ومحطة الوقود المجاورة فكانت النتيجة ان عشرة أمتار فقط هي المسافة بين الحدود الخارجية لهذه المحطة وسور المدرسة التي تقع ضمن حدود بلدية رام الله، مما يطرح سؤال كيف تم ترخيصها؟

رئيس البلدية رام الله، المهندس موسى حديد يقول لـ وطن: “بكل صراحة قد لا يكون الموقع مثالي لوجود محطة محروقات، وأنا أتفق ان محطات الوقود يجب ان تكون بمسافة مريحة عن بعض المشاريع او المناطق الحساسة الموجودة في المدينة، وأضاف: وجود هذه المحطة بجانب مدرسة كان بحاجة إلى دراسة بشكل أكبر، وبشكل مختلف”.

وأكد حديد أن المعايير التي تعتمد عليها البلدية في الترخيص، هو ما نص عليه نظام الأبنية لعام 2011، وهناك سلسلة من الشروط من المفروض أن تتوفر في الموقع وفقا لهذا النظام، مضيفا: ولكن إضافة إلى تلك المعايير، فإنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن المدينة في توسع وهي بحاجة إلى مزيد من محطات الوقود من أجل تلبية حاجة المواطنين.

العرض والطلب هو مبرر أصحاب الرأي الذي يؤيد انشاء محطات وقود جديدة، الا ان احصاءات نقابة أصحاب محطات الوقود، تشير إلى أن عدد المحطات في الضفة الغربية يبلغ نحو 276 محطة في حين أن الحاجة هي 120 محطة وقود فقط وفقا لدراسة جغرافية أجراها معهد ماس الاقتصادي.

أجرينا جولة في محافظات الضفة الغربية للوقوف على واقع محطات الوقود ومدى التزامها بالقانون، ومعرفة ما إذا كانت هذه المخالفات ترقى لمستوى الظاهرة أم لا، لتوثق الكاميرا العديد من المخالفات، ففي بيت لحم مثلا، محطة وقود ملاصقة تماما لصالة أفراح.

وفي إحدى بلدات رام الله محطة أخرى تبعد اقل من عشر أمتار عن مخبز، حتى محطة الوقود التي وقع فيها الانفجار أعيد افتتاحها بعد شهور، دون أن يعرف المواطن ما إذا تم تصويب أوضاعها ام لا!

وفي الوقت الذي اعترفت فيه بلدية البيرة بنظام مجلس الوزراء لعام 2008 كأساس تعتمد عليه في ترخيصها محطات الوقود، فقد نفى رئيس بلدية رام الله معرفته بهذا النظام، مشيرا إلى ان قانون الهيئات المحلية لعام 2011 لم يشترط أيا من المعايير المذكورة للترخيص.

هذا التخبط في الأنظمة والقوانين التي تعتمد عليها البلديات في ترخيص محطات الوقود، دفعنا الى التوجه لوزارة الحكم المحلي، لمعرفة الحقيقة.

مديرة دائرة التخطيط، في وزارة الحكم المحلي، ليالي مقدادي، قالت لـ وطن أن لجنة مكونة من عدة جهات ووزارات هي من تمنح تراخيص محطات الوقود، مؤكدة أيضا التزامها التام بنظام الأبنية والتنظيم للهيئات المحلية لسنة 2011، ومحملة مسؤولية أية مخالفة لهيئة البترول، كونها المسؤولة وفقا للقانون عن تطبيق نظام عام 2008.

كتب رسمية عديدة دون استجابة

حاولنا في وطن الاتصال بهيئة البترول للتعقيب على ما سبق، فطلبوا منا توجيه كتاب رسمي إلى وزير المالية، بصفته رئيسا لمجلس إدارة الهيئة للسماح لهم بذلك، وبعد أسبوعين من الصمت وعدم اكتراث الوزير بنا، عاودنا الاتصال بهيئة البترول فطلبوا توجيه كتاب اخر لمدير عام الهيئة، الذي يبدو ان انشغالاته كثيرة، لدرجة لم يستطع الرد علينا خلال شهرين من الانتظار.

توجهنا بكتاب آخر إلى الناطق الرسمي باسم الحكومة، إبراهيم ملحم، من أجل التدخل وتسهيل مهمتنا، وخلال هذا الوقت تواصلنا مع نقابة أصحاب محطات الوقود لمعرفة دورها الرقابي على أعضائها.

وبعد أسبوعين من الانتظار نجحنا أخيرا في اجراء لقاء مع النقابة..

نزار الجعبري عضو هيئة إدارية لنقابة أصحاب محطات الوقود، عقب لـ وطن حول موضوع التراخيص، الكل يقصينا من الدور الرقابي، وليس لنا أي دور في موضوع الترخيص حتى لو كان دورا استشاريا وطالبنا مرات عديدة ان يكون لنا دور ولكن دون استجابة.

النقابة التي أشارت بالبنان الى الحكم المحلي، محملة إياها المسؤولية عن هذه المخالفات، نبشت في ذات الوقت أوراق حادثة انفجار المحطة قبل سنوات لتكشف أن السبب خلل انشائي سمحت به هيئة البترول، وطبطبت عليه بقية الجهات.

مكبرات الصوت.. الخيار الأخير!

وأمام كل الكتب الرسمية التي وجهتها وطن إلى هيئة البترول، والتي لم تلق أي رد بالرفض أو القبول، ما كان من وحدة الصحافة الاستقصائية في وطن، إلى الذهاب إلى الخيار الأخير.

ففي صبيحة الثالث والعشرين من شهر حزيران المنصرم، توجهت معدة التحقيق إلى مقر هيئة البترول في مدينة رام الله، واستخدمت مكبر الصوت لتنادي على مدير عام هيئة البترول، مطالبة إياه بالرد على الكتب الرسمية التي وجهت لهم، من اجل إجراء مقابلة صحفية، بالرفض أو القبول.

أمن هيئة البترول تواصل مباشرة مع مدير عام الهيئة، مجدي الحسن، الذي بدوره طلب استقبالنا في مكتبه، وبعد نقاشات متواصلة، امتدت نحو نصف ساعة، أكد خلالها مدير الهيئة ان رفض المقابلة جاء بناء على تعليمات وزير المالية، وهو رئيس مجلس إدارة الهيئة.

لا رد..

الحسن وعد بالرد علينا خلال 10 أيام، اما بالموافقة على اجراء المقابلة، او الاعتذار.. فانتظرنا

مرت عشر أيام ولم ترد الهيئة بالرفض أو القبول، رغم كل المحاولات التي بذلتها “وطن” من أجل أخذ ردها، ولكن يبدو ان تراخيص محطات الوقود ستبقى واحدة من تابوهات الوطن، التي يمنع على المواطن حتى الهمس بإجراءاتها.

يشار إلى أنه عام 2012 حدث انفجار اخر في محطة أخرى للمحروقات في رام الله، وأوقع العديد من الإصابات والحروق، ما يطرق جدار الخزان على حال محطات المحروقات في فلسطين التي يمكن وصفها بقنابل غير موقوتة قد تنفجر في اية لحظة، ويثير العديد من التساؤلات حول دور هيئة البترول.

 

هذا التحقق من انتاج وكالة وطن و لا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة PNN وتفتح المجال امام كل من يرغب بالرد عليه بنفس المساحة عبر الموقع

Print Friendly, PDF & Email