جرعة من الكرامة وصفعة … سامر العربيد

كتبت: اسماء سلامة

كعادته ، يخرج في كل حين من هذا الشعب الجبار من يمدنا بجرعة جديدة من الكرامة والبطولة ، ويعطينا أعمق معاني الصمود والتحدي والنضال والوطنية  ، ليذكرنا بأن قضيتنا الجوهرية والأساسية هي المقاومة ، ويعود ليضرب أروع الأمثلة على قوته وجبروته وعزيمته التي يعجز المحتل على النيل منها ، مهما تخاذلنا ومهما ابتعدنا عن هذا الطريق ، فإن البوصلة تعيدنا إليه ، بوصلتنا هذه المرة كانت البطل سامر العربيد ، الذي يرقد الآن داخل المستشفى يصارع الموت ، من شدة همجية التعذيب الذي تعرض له من قبل محققي الاحتلال .

أن يصل الأسير إلى هذه الحالة بفعل التحقيق تعني أنه شخص رفض الخيانة ولو كلفه ذلك حياته ، يعني ذلك أنه تغلب على مستجوبيه ، وأثار جنونهم بصموده ، يعني أنه أفقدهم توازنهم وقدرتهم على انتزاع اعتراف منه ، هو  من انتصر عليهم ، وكسرهم ، وفضحهم أمام العالم ( وكأن العالم لا يعرف جرائمهم ) .

كنا بحاجة لهذه الجرعة يا سامر ، فشكراً لك من فلسطين كلها ، آثرت أن تنام على سرير المستشفى لتوقظ فينا كرامة حاولوا سحقها ، ونضالاً حاولوا إطفاء شعلته ، ووحدة حاولوا تمزيقها ، وقضية أرادوا الالتفاف عليها ، وصموداً أرادوا كسره …
صمدت وتحملت وقاومت وتحديت لنصحوا ونعود للطريق … وقفنا أمام الكنيسة ، على اختلاف الدين والانتماء السياسي … كما يجب أن نكون … شعب واحد ، صوت واحد وهدف واحد …

هذا جوهرنا  يا سامر .. ولكن الأيدي العابثة كثيرة ، والمترصدين كثر ، والأعداء بيننا وحولنا .. ولكن تضحيتك وبطولتك كانت صفعة لنا ولهم على حد سواء  .. لنا لتعيدنا إلى المسار الصحيح وتعيد لنا الثقة بأنفسنا وتعزز من صمودنا ، وللمتخاذلين منا لتقول لهم أنكم لستم الأغلبية ولن تكونوا ولم تنقلوا تخاذلكم لنا ،  وصفعة قاسية لهم لتقول لهم أن هذا الشعب مازال قادراً على المقاومة وأن إرادته لم تهزم وقضيته خالدة ما دام فينا أبطال مثلك ..

سامر العربيد اسم يضاف إلى قائمة طويلة من الأبطال الذين يطلون علينا كل حين ، ينيرون قبساً في طريقنا المعتم .. ويعطونا أملاً جديداً كلما طرق اليأس بابنا .. كلما تعبنا وتكاتفت علينا المؤامرات والضربات الموجعة التي تأتينا في العلن والخفاء ..
كفتا الميزان راجحتان ، في الكفة الأولى احترام وتقدير وإجلال ودعوات بالشفاء والفرج ، وفي الكفة الأولى خجل وتضاؤل ، ففي الوقت الذي ينشغل فيه البعض بالخلافات وتسجيل الشروط للمصالحة ، تدفعون عمراً في السجون ، وفي الوقت الذي ندفع  فيه ثمن بضائع المحتل تدفعون ألماً ودماً ، وفي الوقت الذي نمضيه في المقاهي والرحلات تمضون سنين شبابكم خلف القضبان ، وفي الوقت الذي نرمي فيه من ولائمنا ما يقيت أحياءً ، تجوعون من أجل الكرامة ، وفي الوقت الذي نفسد فيه أبناءنا بالرفاهية تحرمون من رؤية أبنائكم وربما ييتمون  …. أين نحن منكم ؟؟

فمع كل ما شهدناه من وقفات للتضامن مع سامر العربيد ، والمطالبة بالتدخل الدولي لإنقاذ حياته ، أو حتى زيارته في المستشفى للوقوف على حقيقة وضعه الصحي ، إلا أن ذلك لم يرتق للمستوى المطلوب والذي يتناسب مع أهمية ما قدمه العربيد وصبر عليه ، إذ أن رد الفعل لا بد وأن يكون بمقدار الفعل ، هكذا صمود وجبروت وقوة تستحق التضامن الأقوى والأشد من قبلنا ، لأن ما قام به سامر ليس عملاً شخصياً بل من أجل فلسطين وقضيتها العادلة .

وأن لا يكون الحديث فقط عن قضية سامر بل عن كل أبطالنا البواسل في سجون الاحتلال الذين يعانون من الأمراض المختلفة وحياتهم مهددة في كل لحظة ، فلا يمكن أن ننسى الشهيد الأسير بسام السائح الذي ارتقى مؤخراً مريضاً في سجون الاحتلال . والأسرى المضربون عن الطعام  والمعتقلون الإداريون .. كلهم بحاجة لتضماننا وجعل قضيتهم قضية رأي عام .
نحن لا نريد أن نضيف كل فترة اسماً جديداً على قائمة شهدائنا بسبب ظروف الاعتقال والتعذيب ، بل أن نصل إلى إدانة دولية ومراقبة شديدة ومساءلة لهذه الجرائم ، يجب أن يعرف الاحتلال أن أعماله هذه لها ثمن باهظ عليه دفعه ، وأن أرواح وأجساد أبطالنا ليست مباحة له .

إلى سامر العربيد ، وإلى كل أسير يعاني المرض في السجون ، أنت لست وحيداً ، وألمك ومعاناتك ليست رخيصة ، وحريتك المقيدة لن تضيع هدراً .. كلنا مع الأسرى ، وكل دعواتنا لسامر العربيد ورفاقه .

Print Friendly, PDF & Email