أخبار عاجلة

حمدي فراج يكتب : سامر رفض ان يحكي القصة

“إحكي القصة”  …. بهذه الجملة المقتضبة يواجهك المحقق الاسرائيلي في أقبيته ذات الخصوصيات  الاستثنائية العالية ، يعرفها كل الذين خاضوا تلك التجربة الامتيازية الروحية الجسمية النورانية الثورية الرهيبة الرائعة ، والتي لا يستطيع الانسان نسيانها حتى لو بعد مرور اربعين سنة على مرورها كما مع حالتي ، واكثر مع آخرين ، ولا مقايضتها بأي شيء آخر ، بما في ذلك المال والشقة والوظيفة المتقدمة حتى التي يمكن ان تعتبر “حساسة” في مقدمة السفينة التي أبحرت في لج بحر السلام المزعوم.

“إحكي القصة” ، يعرفها عشرات بل آلاف الفلسطينيين ، كان يستهل بها المحقق الصهيوني حديثه ، كان يقولها حسب اللهجة التي بها تعلمها في الشوارع العربية ، بتشديد “القاف” واحيانا تخفيفها فتصبح “كاف” وتمدينها فتصبح مصرية ، لكنك ستدرك ان وراء ان تستجب فتحكيها ، يكمن احيانا بضع سنوات وراء قضبانهم واحيانا عشر سنوات او عشرين ، مؤبد ومؤبدات ، فتصبح الجملة بمثابة كابوس يطاردك ليلا ونهارا وحالة من الندم الذي لن ينتهي الا بانتهاء الحياة : يا ليتني لم أحك القصة .

غالبا جدا لا تنتهي المسألة بحكاية “القصة” كما ترغب ولا كما تريد ، بل بما يريد المحقق ، حتى تجد نفسك منساقا لترويها كلها “من طقطق حتى السلام عليكم” فلا يبق أحد له علاقة بها الا وقد اوردت اسمه ودوره ، حتى جاء كتاب “فلسفة المواجهة وراء القضبان” وكتاب آخر “احكي القصة” الذي وضعهما المناضل محمود فنون ، وخلاصتهما ان الاعتراف “حكي القصة” بمثابة خيانة لأبطال القصة ، ومن بينهم أحيانا الام او الاخت او الزوجة .

تنامت حالة الصمود في الاقبية ، ودفع العشرات حياتهم وسالت دماؤهم في الاروقة المخصصة للتعذيب لانهم رفضوا حكي القصة ، حتى جاء وقت ان يقول المعتقل للمحقق : ليس لدي قصة . ثم : لا اريد ان احكي القصة . ولكثرة الارواح التي أزهقت ، شعرت دولة الكيان بالحرج ، فقررت تغيير الانظمة والقوانين بما فيها القانون الذي يسمح بمحاكمة من يحكيها “القصة” ومن لم يحكيها ، وهو القانون الذي صدر اواخر عقد الثمانينات والذي حمل اسم “قانون تامير” ، لكن التعذيب استمر واستمر معه القتل ، بمعنى استمرار الصمود واستمرار رفض “حكي القصة” حتى جاء سامر العربيد ليفضح الاجراءات والانظمة وتشريع التعذيب حتى ملامسة الموت .

قالت القاضية العسكرية برتبة رائد في دولة القتل واسمها ميراف هرشكوفيتش يتسحاقي : وجدت أن خطر المشبوه على أمن المنطقة واضح، ويلزم مواصلة اعتقاله واستئناف التحقيق معه في الايام القادمة . وكأننا به يرد من سريره المقيد به في زنزانة المستشفى وحراس المسكوبية الذي كنا نطلق عليه “المسلخ” : انت الرائد ميراف هركفوتش يتسحاقي وانا القائد سامر مينا عربيد ، سنرى من سيحاكم من ، هانذا اصبحت اسما حركيا لكل الاحرار في فلسطين والعروبة والعالم والاسلام رغم ان ديانتي التي وجدت عليها هي المسيحية . انا الذي يحاكم هنا يا ميراف ،  لاني انا الذي يفهم لغة الزيتون ، وستجدي اولادي الصغار وبقية افراد عائلتي قريبا يقطفونه إذ أينع . هل فهمت لماذا اصبح اسمي على كل لسان واسمك الى النسيان ؟ لأني رفضت ان “احكي القصة”.

Print Friendly, PDF & Email