الأسير سامر العربيد… قيامة كنعان

بقلم/ عيسى قراقع

مرحى لدولة الاحتلال الإسرائيلي، لأجهزة مخابراتها وجنودها وكلابها البوليسية, مرحى لبنادقها وهراواتها وبساطيرها المدببة ورصاصها، مرحى لجهازها القانوني والقضائي، مرحى لهذا الانتصار العبري الساحق على جسد الأسير الفلسطيني سامر العربيد، تحطيمه وتكسير ضلوعه خلال التحقيق معه بعد اعتقاله يوم الأربعاء 25/9/2019، انها بطولة، فقد استولى جيش الاحتلال الإسرائيلي وحكومته أخيرا على القلعة، اقتحموا قلعة جسد سامر العربيد، اعتقلوه وعذبوه من الوريد إلى الوريد.

هذا هو جيش الذبح الإسرائيلي، وهذه هي حكومة القتل والإرهاب والهمجية، وهذه هي الجريمة المنظمة الرسمية المتعمدة التي تنفذ تحت غطاء القانون، هذه هي الدولة التي تفتخر بالمجرمين والقتلة، برجال التعذيب في أقبيتها المعتمة، أصوات وحشية بربرية في العتمة، شبح وضرب وإذلال وخنق وجنون وعنصرية، أطفال نساء رجال تحت رحمة المحققين في تلك الزنازين المظلمة.

مرحى لدولة إسرائيل، ها هو سامر في غيبوبة تحت الأجهزة والآلام في المستشفى، فلتوزعوا اذا الأوسمة على المحققين ورجال الأمن ومن اجترحوا هذا النصر الباهر، سجلهم حافل، ألبوماتهم مليئة بصور من قتلوهم خلال التعذيب ومن تركوا في أجسامهم الأمراض والصدمات، حيطان سجون المسكوبية وبيتح تكفا وعسقلان والجلمة تؤرخ مسيرة التعذيب والقتل، رائحة دماء على الجدران، أصوات شهداء ومواجهات وذكريات.

الأسير سامر العربيد في رحلة الغياب الان، حراسة مشددة، دمروا جسده لكنهم لم يدمروا روحه المتأججة،لا زال الإسرائيليون متأهبون، أنفاس سامر البطيئة، دقات قلبه المتعثرة ترسل إشارات وشحنات ملغومة، انه قنبلة موقوتة، لم يعترف، لم يمت حتى الان، شرايينه تتدفق بالنزيف، هناك صاعق تفجير تحت القلب وبين الأوردة.

أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تتوه في التحليلات والتكهنات، سامر العربيد حسب رأيهم ليس فردا، انه فرد في شعب يقاوم، انه الطفل والشاب والمرأة والشهيد والشهيدة، انه المظاهرة اليومية على هذا الحاجز أو ذاك، انه الصوت السماوي الفلسطيني الذي يهتف ضد الاحتلال والاستيطان، انه الصلاة الجماعية في باحات الأقصى والقيامة، انه الكرامة التي فكت القيود وخرجت من الحصار ومعادلات المساومة.

مرحى لدولة الاحتلال الإسرائيلي، دولة تدعي ان سلاحها طاهر، تدعي بالديمقراطية، دولة تجتمع أركانها الحربية لأجل اتخاذ قرار بتعذيب سامر العربيد وشن حرب على جسده وروحه وأحلامه، دولة تشرع التعذيب قانونيا وتحمي محققيها وتعطيهم الحصانة، دولة تشرع الجريمة، دولة بوليسية تعلن حربها الخامسة على سامر العربيد، دولة بوليسية قتلت المئات من الأسرى في أقبية التحقيق، دولة تحول جنودها إلى وحوش آدمية، جردت الإنسان من إنسانيته، وغرزت أنيابها في وجه العدالة الإنسانية.

الأسير سامر العربيد لا زال حيا، مربوطا على سرير المستشفى، يقف في المسافة الحاسمة بين الدنيا والآخرة، ربما ينهض بعد قليل، ربما يتوقف النزيف، وإذا نهض سامر نهضت الأرض كلها، لهذا أمعنوا بالتعذيب الوحشي بحق سامر، لهذا نهبوا الأرض وجرفوها وقلعوا أشجارها واستوطنوها، لهذا بنوا الجدار العنصري وعزلوا الشعب الفلسطيني حتى لا تصل شظايا سامر من رام الله إلى القدس، وتلتئم الارض في دورتها الكاملة.

يخشى الإسرائيليون ان يقوم سامر، الشاهد التاريخي، المسيح الذي يحمل آلامه كقنبلة في جع الطغاة والظالمين، فعلى سامر ان يبقى صامتا مصلوبا مسجونا تحت الأجهزة والبرابيش والمراقبة، وعلى الموت ان يأتي بسرعة، هكذا يقول الجنرالات وخبراء التعذيب في دولة إسرائيل، سامر هو صوت شعب حي سيلاحق المحتلين في كل مكان، على الأرض وفي السماء وباسم التاريخ والشهداء ستجري المحاكمة.

مرحى لدولة إسرائيل التي انتصرت على جسد سامر العربيد، استطاعت ان تعتقل مليون فلسطيني في سجونها ومعسكراتها، عذبت الأطفال والنساء والمرضى والمشلولين، أعدمت الأطفال والفتيات لمجرد الاشتباه، فكل فلسطيني بالنسبة لدولة الاحتلال هو كنعان، كل فلسطيني هو الماضي والتاريخ والذاكرة، وعلى سامر الكنعاني ان يختفي، ان يسكت التاريخ وان يتلاشى المكان والزمان وتختفي الحياة.

مرحى لدولة إسرائيل التي اقتحمت قلعة كنعان، يوشع بن نون ونتنياهو ويعلون وموفاز وباراك وشارون واردان عذبوا سامر العربيد وبنوا السجون والقلاع والأبراج والمعسكرات واقتحموا مدينة أريحا، هدموها، هدموا السجن فوق راسي فؤاد الشوبكي واحمد سعادات، استباحوا كل شيء، قتلوا الأطفال وسبوا النساء، بقروا بطون الحوامل واقتلعوا الأشجار، اعتقلوا الآلاف من الكنعانيين، أقاموا مملكة السجون ودولة الجدار وهيكل التعذيب.

في ليلة قاسية وخلال الاجتماع الدولي في قاعات الأمم المتحدة، كان الطغاة الإسرائيليون يدعسون على جسد سامر العربيد، كسروا أضلاعه وفي كل جولة من جولات التحقيق الدامية كانت دولة إسرائيل تدمر كل قرارات الأمم المتحدة وشرائع حقوق الإنسان، مزقوا جسد سامر كما مزقوا ميثاق الأمم المتحدة، اعتقلوا سامر واعتقلوا الأمين العام للأمم المتحدة، هنا محقق يعذب سامر في سجن المسكوبية وهناك محقق آخر يجلس في قاعة الأمم المتحدة منتشياـ لم يطرده احد، دم سامر كان واضحا أمام العالم، جسده المهشم كان حاضرا هناك، صوته وصراخه كان عاليا، ما هذه البلادة الأممية، رائحة موت تعم المكان، حبل مشنقة يتدلى فوق رأس العدالة الكونية.

سامر الكنعاني يفتح أبواب سجن الجلمة، هناك امرأة اسمها هبة اللبدي، أسيرة ومقيدة مشبوحة معزولة مهانة مضروبة، حقق الإسرائيليون معها 35 يوما، استخدموا كل أساليب التعذيب والضغط النفسي بحق الأسيرة هبة، رفضت ان تساوم على دوالي العنب في حديقة جدائلها، ورفضت ان يمر الغزاة فوق تضاريس قلبها وينتزعوا مشمش كرامتها، أعلنت الإضراب المفتوح عن الطعام، رأت سامر العربيد ينهض ويشعل شمعة في الظلام.

لقد اعتدت دولة إسرائيل على سامر العربيد، لم يكن الهدف انتزاع الاعتراف انما القتل او التعذيب لأجل التعذيب، شبحوه طويلا حتى صاروا هم المشبوحين، ضربوه بعنف حتى صاروا هم المضروبين، نزف دما كثير حتى صاروا هم الذين ينزفون، لم يركع سامر، انها قيامة كنعان، هذا ما قاله الحاخاميون الإسرائيليون، أخذنا زمنه الأول فعاد في زمنه المتوازي، سلبنا أرضه فتحول إلى صخرة، انتزعنا روحه فتحول إلى برق في السماء، أخذنا أولاده إلى المشنقة والى السجن فتحول إلى نشيد وطائر عنقاء، سرقنا أسماءه وذكرياته وطمسنا أثاره فتحول إلى صلاة، نهبنا حضارته وقبور أحفاده وأجداده فأعلن ثورة في الحياة.

مرحى لدولة الاحتلال الإسرائيلي، لقد شنت غاراتها في أشلاء وحطام سامر العربيد وهي تجيش جيشانا ساديا، فالأسرى بالنسبة للجلادين عبارة عن جلود، والجلادون هم السياط، وكلما تحمل الأسير العذاب استفز هؤلاء الحيوانات المستنفرة الضارية، ما هذه الدولة المتضخمة عسكريا ولم تتسع كل هذه الزنازين لانتصاراتها الوهمية؟ انه صوت كنعان:
لا وعد الهي أعطي لكم هنا، إلهكم وثني مسلح، لم تدخلوا هذه البلاد إلا غزاة تحملون سيوفا وأسفارا للإبادة، لقد آذيتم الأرض المباركة أرضنا، وتركتم نبيكم يموت وحيدا في الصحراء.

دولة الاحتلال تخشى ان يستيقظ سامر العربيد من غيبوبته، اذا استيقظ سامر وتحركت أضلاعه سوف تتحرك كل السلالات: العماليق واليبوسيون والفينيقيون والأشوريون، يأتون من كل الاتجاهات، من البحر والسهل والجبال، من بيسان والخليل ونابلس وجنين، انها قيامة كنعان، انها لعنة الأرض ولعنة السماء.

دولة الاحتلال الإسرائيلي تخشى لعنة كنعان، كنعان لم يمت، كنعان ظل صامدا في مجرى التاريخ، كنعان لم يرحل رغم الغزوات والاحتلالات العديدة، وسامر العربيد هو كل كنعاني فلسطيني، نراه في كل مكان، نراه في الحقل والمظاهرة، نراه في المدرسة والجامعة، نراه في الشارع وفي الأغنية، نراه في الغيمة وفي الشجرة، نراه يحمل إنجيلا وقرانا وحجرا ونكافة، يبعث ويتجدد ويعلن في كل سنة ميلاده.

على حائط الزنزانة كتب كنعان:

يا شعبي:
ان وريدي ذل يوما
فاقطعوا مني الوريد

Print Friendly, PDF & Email