أدوات معقمة 100%، فمن اين جاء الموت؟

حمدي فراج يكتب :

الطفلة الملاك ذات الثلاثة اعوام من الخليل التي رحلت عن الدنيا وهي تتأملها كلعبة جميلة سرعان ما تبينت بشاعتها عندما قام شقيقها الذي يكبرها بثمانية اعوام بقيادة سيارة العائلة غير القانونية يقل فيها عددا من اترابه الاطفال الى المدرسة ، الملاك الثانية من القدس ذات العشرين ربيعا ، التي بدأت تنظر الى الدنيا على انها ابعد من لعبة جميلة ، بل مسؤولية تطولها، ذهبت للتبرع بالدم في الحملة التي نظمها البنك الوطني داخل اروقة جامعتها ، وبعد بضعة ايام اختلّت صحتها ، وبضعة اسابيع رحلت.

لم نسمع عن تحقيقات واجراءات في رحيل ملاك الخليل ولا ملاك القدس ، وزارة الصحة المضطلعة ببنك الدم نفت نفيا قاطعا ان تكون ادواتها في نقل دم المتبرعين غير معقمة (لا سمح الله) بل “معقمة 100% “، بمعنى ان لا أحد في العالم يستطيع وضع اللوم عليها ، بل على الطرف الاخر ، وفعلا كان هناك ما يوحي في البيان الى ذلك ، وتماما كما تم استخدام إقدام المتبرعة بدمها كخطوة ايجابية ، تم استخدامها كخطوة سلبية ، تم استخدام اتصال عائلتها بالبنك بضرورة التخلص من كميات الدم الملوثة بفايروس قاتل ، على انه اعتراف صريح بأن المشكلة كانت فيها لا في الحقن . لكن العائلة المناضلة التي يشهد لها كل تاريخها بالنضال المشرف ، اصدرت بيانا ان ابنتها قبل 17 ايلول يوم التبرع لم تكن مريضة ولم تكن تشكو من اي عرض ، و الدليل انها ذهبت الى جامعتها واقدمت على ما يقدم عليه المقدامون والمقدامات من طلبة هذه الجامعة وابناء وبنات هذا الشعب ، وهو التبرع بدمها.

كيف قررت الوزارة ومن قبله البنك ان ادواتهم كانت “معقمة 100%” ، وفي اي مرحلة كانت هذه الادوات معقمة 100% ، قبل النقل ام خلال النقل ام بعد النقل ؟ هذه ثلاثة مراحل متناقضة مع بعضها البعض 100% ، لكن الدم يا وزارة ويا بنك تبين انه ملوث 100% بعد اتصال العائلة بكم واعتمدتم تلوثه ولم تكن هذه العائلة مسؤولة تجاه شعبها ووطنها لبقيتم معتقدين 100% ان ادواتكم معقمة 100% كما تدعون . قال احدهم انه لا يلوم الذين لا يعملون ، ولكنه يلوم الذين يجرح شعورهم ان يعمل الاخرون ، ذهبت هذه الفتاة لتتبرع بدمها فماتت عند هذا المذبح ، وبدلا من اعتمادها شهيدة واجب ، قالوا انها كانت مصابة ، وبدلا من اعتماد عائلتها عائلة ايثارية ، استخدموها كإثبات مضاد على نظافتهم ووساختنا.

سؤال الى المعنيين في نظافة هذا الوطن ولكل منظمات حقوق الناس وعدم حرف البوصلة اكثر مما هي منحرفة : لو لم تذهب هذه الطالبة للتبرع بدمها هل كانت لتموت ؟ التشريح العلمي القائم على الطب العدلي يستطيع معرفة متى سكن الفيروس اللعين في جسدها الشهيد . وحتى استعادة الثقة ، لن استطيع الطلب الى ابنتي ان تذهب لتتبرع بدمها ، لكني بالمقابل لن اترك مفتاح سيارتي في متناول ابني الطفل ، بل لن اسمح لنفسي باقتناء سيارة غير قانونية “اداة قتل في المنزل”، فأعفي بالتالي رب العالمين من جرائمنا التي نرتكبها بحق بعضنا بقولنا : اللي كاتبه الله بصير.

Print Friendly, PDF & Email