أخبار عاجلة

سلفانا: شوكولاتة فلسطينية فاتنة مثل فنانة إيطالية

الداخل المحتل/PNN – عرب 48 : زرت مدينة نابلس العريقة مع بعض الأصدقاء الشهر الماضي، وفي أثناء تجوالنا في السوق، أثار انتباهي على إحدى البسطات الّتي تعرض المنتوجات، علبة شوكولاتة مغلَّفة بورق سوليفان أبيض، ذكّرتني بشوكولاتة طفولتي البريئة، شوكولاتة “سلفانا”. العلبة تبدو تقريبًا نفس الشيء، نفس الألوان، ثمّة شبه كبير في التصميم، وفي شكل العلبة الخارجيّ. صرخت بأعلى صوتي كطفلة مدهوشة: “سلفانا”! وانقضضت على العلبة كأنثى الوحش الجائعة، فرِحة باكتشافي الجديد، لكن سرعان ما انقبضت أساريري واختفت ابتسامتي، لأنّها لم تكن “سلفانا”، بل “سِلْفيا”! حتّى اختيار اسم الشوكولاتة كان مضلِّلًا، وعلى الرغم من خيبة أملي، اشتريت العلبة وبي حنين إلى ماضٍ جميل.
“السلفانا” الأصليّة صُنعت في رام الله، أمّا “سلفيا” فهي صناعة نابلسيّة، في محاوَلة تقليد لشوكولاتة كانت واسعة الانتشار.
نوستالجيا… وقصص
عند عودتي إلى المنزل، صوّرت العلبة ونشرتها على حائطي على فيسبوك، انهالت الإعجابات والتعليقات والأسئلة، “من أين اشتريت “السلفانا”؟”، وضّحت أنّها “سلفيا” لا “سلفانا”. عندما تفحّصت بدقّة مَن طرح الأسئلة عليّ، وجدت أنّهم من مواليد الخمسينات والستّينات والسبعينات؛ أي أنّهم الجيل الّذي عاصر “السلفانا”. “السلفانا” نوستالجيا، لم تكن حالة فرديّة لي وحدي بل حالة جماعيّة؛ فقد شاركتني هذه الأجيال الّتي عاصرت فترة “السلفانا” ما شعرته من حنين.
سلفيا… تقليد نابلسيّ
وصلتني قصص كثيرة من الأشخاص التوّاقين إلى شوكولاتة “سلفانا”، وإلى تلك الحقبة من حياتهم، شاركوني ذكرياتهم وقصصهم الشخصيّة مع الشوكولاتة، بعضها كان مغامرات طفوليّة لم تخلُ من الدهاء.
حدّثتني صديقة “س” عن حبّها لـ “سلفانا”، وكيف كانت تذهب إلى بيت جدّتها الّتي احتاطت من زيارة حفيدتها الشقيّة، فدفنت علبة “السلفانا” في جارور خزانة ملابسها الداخليّة، وأغلقت جارور الخزانة الخشبيّة بمفتاح صغير أخفته في “البوفيه”، وهو عبارة عن خزانة منحوتة من الخشب لحفظ الصحون. استطاعت صديقتي الشقيّة اكتشاف المكان الخفيّ للمفتاح، وبفطنة طفلة تعشق الشوكولاتة استغفلت جدّتها وسرقت المفتاح، ووجدت علبة “السلفانا” المُخبَّأة في قاع الجارور، بين ملابس جدّتها الداخليّة، وكأنّ الجدّة تُخفي كنزًا أو مجوهرات قيّمة. فتحت “س” العلبة من القاع لكيلا تلاحظ جدّتها جريمتها، وسرقت حبّة شوكولاتة، ثمّ تلتها حبّة أخرى، وهكذا حتّى أجهزت على العلبة كلّها، الّتي بقيت مغلَّفة بورق السوليفان الأبيض، وبدت كأنّها لم تُمَسّ، حتّى تلك اللحظة الحاسمة الّتي قرّرت الجدّة فيها أن تفتح العلبة، لمناسبة زيارة جميع أولادها وأحفادها لها، وكأنّها تقدّم لهم أثمن ما تملك. حين فتحت الجدّة العلبة ووجدتها فارغة تمامًا، مفتوحة من القاع فتحة صغيرة، تسمح في كلّ مرّة بخروج حبّة “سلفانا” واحدة فقط، صُعِقَت وأخذت تبحث عن الجاني. فهِم الجميع أنّ “س” المُحبّة للشوكولاتة هي “المجرمة”؛ فعُوقبت صديقتي الطفلة الماكرة الصغيرة.
قصّة أخرى أرسلَتها إليّ صديقة من رام الله، حين شاهدت صورة علبة “السلفيا” على صفحتي. أمّها كانت تُخفي العلبة في “النمليّة”، والنمليّة خزانة خشبيّة كانت العائلات تحفظ الطعام فيها، أبوابها مصنوعة على شكل شبك للتهوية. مزّقت هذه أيضًا في طفولتها الشبك من طرفه، بحيث لا تلاحظ والدتها أنّه ممزَّق، سرقت “السلفانا” وتناولتها ببطء ولذّة، بعيدًا عن أعين أمّها وإخوتها.
قد يبدو من الغريب أن أكتب مقالة عن الشوكولاتة، لكنّ شوكولاتة “سلفانا” لم تكن شوكولاتة عاديّة، على الرغم من اختلاف بعضنا بعضًا على طعمها وجودتها.
الأجيال الجديدة لم تعرف شوكولاتة “سلفانا”، لكن ربّما سمعوا من ذويهم أو أقاربهم عنها، ومن المدهش أنّ أحد الروابط الّتي جمعتنا في الأراضي المحتلّة عام 1967، كان تلك الشوكولاتة الأسطوريّة.
ما زال أبناء جيلي يذكرون “السلفانا” أحيانًا بشكل تهكّميّ: “خلص باجي أزورك وبجبلك سفط سلفانا”، أو “سلامة الإيغو تاعك، راح أجبلك سلفانا”.
سلفانا مانغانو
قصّة “السلفانا” بدأت عند سفر شابّ فلسطينيّ مقدسيّ إلى إيطاليا عام 1949، اسمه يوسف، كان يُقيم في حيّ الأرمن في القدس. الشابّ كان محبًّا للفنّ والمعمار والسينما، وفي أثناء وجوده في إيطاليا صادف عرض فيلم “الرزّ المرّ -Riso amaro”، ذهب يوسف لمشاهدة الفيلم، وكانت بطلة الفيلم تُسمّى سلفانا مانغانو Silvana
وُلدت الممثّلة الإيطاليّة سلفانا عام 1930، وكانت رمزًا للأنوثة والجمال في تلك الأعوام، اكتشفها مصمّم أزياء وأقنعها بالعمل عارضة أزياء. بعد أشهُر عدّة، عُرض عليها أوّل دور سينمائيّ في فيلـم “إكسـير الحياة -L’Elisir D’amore ” (1947)، للمخـرج ماريو كوستا M.Costa، لكنّ شهرتها العالميّة تعود إلى عـام 1949، عندما نجحت في اختبار سينمائيّ صعب لفيلم “الرزّ المـرّ”؛ إذ أسند إليها المخـرج جوزيبِه دي سانتيس G.De Santis دور صبيّة حالمة، تعمل في حقول الرزّ، وتقع ضحيّة حبّ للصّ محترف يُدعى فيتوريو جاسمانV.Gassman ، وكان لحضور مانغو الرشيق الجذّاب، والطبع الحادّ القويّ الّذي تمتّعت به في شخصيّة العاملة الشقيّة في الفيلم، تأثير كبير في الجمهور والنقّاد بعامّة، وقد شارك في صياغة الموضوع وكتابة السيناريو، أكثر من ستّة كتّاب ومخرجين، وحاز على جائزة الأوسكار لعام 1950.
انبهر الشابّ يوسف بالممثّلة سلفانا وجمالها، وبالدور الّذي أدّته. عاد إلى وطنه وهو يحمل في داخله ذلك الإعجاب بامرأة، رآها فقط عبر الشاشة الكبيرة.
رحلة الصناعة
عائلة يوسف كانت تصنع الحلويات المنزليّة، وتبيعها في حَوش بيتهم في حيّ الأرمن بمدينة القدس. قرّر والد يوسف الانتقال بالعائلة إلى مدينة رام الله، واستمرّ الوالد بصناعة الحلويات، لكنّه طوّر مهنته فاشترى محلًّا تجاريًّا لبيع الحلوى المحلّيّة، ورويدًا رويدًا توسّعت العائلة في نشاطها التجاريّ، وقرّر الوالد صناعة الشوكولاتة المحلّيّة، فوقع اختياره على ابنه يوسف، وأرسله إلى إيطاليا ليحترف صناعة الشوكولاتة.
عاد يوسف إلى وطنه عام 1953 بعد إنهاء دراسته، وبدأ بتطبيق ما تعلّمه في إيطاليا هو وإخوته نيشان وأنطون، وراحت العائلة تصنع الشوكولاتة في “نصّ البلد” قريبًا من السوق، وببيعها في السوق والشوارع. أمّا يوسف الشابّ اليافع المهووس بالسينما والجمال والشوكولاتة، فاقترح تسمية المصنع “سلفانا” على اسم فاتنة السينما الإيطاليّة. بعد 5 أعوام، انتقلوا إلى بيتونيا إلى مصنع أكبر، بعد نجاح مصنعهم الصغير والشوكولاتة الّتي اعتُبرت – آنذاك – شوكولاتة فاخرة معلَّبة في علبة جميلة، وحبّات الشوكولاتة تميّزت بشكل جميل، وغُلِّفت بورق سوليفان ملوَّن.
شوكولاتة جامعة
سُوِّقَت “السلفانا” إلى الأراضي المحتلّة عام 1948، داخل الخطّ الأخضر، وإلى الأردنّ وبعض الدول العربيّة. منذ عام 1948 إلى عام 1966، عاش فلسطينيّو أراضي 48 تحت الحكم العسكريّ الإسرائيليّ، في عزلة تامّة وقطيعة كاملة عن أهاليهم في مناطق فلسطينيّة أخرى، لكنّ شوكولاتة “سلفانا” ربّما كانت من الأشياء المشتركة بين أبناء الشعب الواحد. دخلت “السلفانا” كلّ بيت فلسطينيّ في أراضي 48، وكانت شوكولاتة الأفراح ولا سيّما حفلات الخطوبة، وولادة الأطفال، والعمّاد، وأوّل القربان، والعودة من السفر، والنجاح، والتحرّر من السجون، وزيارة المرضى. علبة “السلفانا” رافقتنا في مناسباتنا السعيدة، وارتبطت بالفرح.
سارت أمور مصنع “السلفانا” بشكل ممتاز حتّى عام 1967، حيث احتلّت إسرائيل للضفّة الغربيّة وقطاع غزّة وأراضٍ عربيّة أخرى؛ فكان من الصعب تسويقها إلى الأردنّ وبعض الدول العربيّة، لكنّها استمرّت بالدخول إلى أراضي 48 بشكل متقطّع، نتيجة إغلاق الجسور والمعابر. في تلك الظروف، تلقّفت الأيدي علب “السلفانا” في لحظة وصولها إلى الدكاكين خوفًا من أن تنقطع، وتزوّدت كلّ عائلة بعلب عدّة، تحسُّبًا للمستقبل وخوفًا من عدم توفّرها لفترة في الأسواق.
عيليت… وقمع الانتفاضة
استطاع يوسف بفطنته استيراد الكاكاو، واستمرّ بالعمل والإنتاج، لكن في أراضي 48. في المقابل، قَوِيَت شركة “عيليت” بصناعتها لشوكولاتة “البقرة”، كان الغلاف آنذاك بلون ليلكيّ، وقد نافست بشدّة شوكولاتة “سلفانا”. لربّما نحن الأطفال حينذاك، ولأنّ شوكولاتة “البقرة” كانت على شكل “لوح” صغير، فضّلنا شراءها وأكلها في الحال من غير أن ينافسنا أحد، لكنّ الأهل والأجداد استمرّوا بولائهم لـ “سلفانا” المرتبطة بالفرح والجمال.
عام 1987، ومع الانتفاضة الأولى والإضرابات ومنع التجوّل الّذي فرضه الاستعمار ومختلف أشكال القمع الجماعيّة للفلسطينيّين، واجه المصنع أزمة كبيرة. اضطرّ يوسف إلى تقليص النفقات، فعمل المصنع 3 أيّام فقط؛ قلّ إنتاجه وتقلَّص الطلب على “السلفانا” في أراضي 48.
ذكريات مغلّفة بورق السوليفان
لم تختفِ “السلفانا” من البيوت، لكنّ الجيل الأكبر هو مَنْ استمرّ بولائه لها، أمّا الجيل الجديد، ومع تطوّر “عيليت” ودخول منتوجات أخرى إلى السوق، مثل “كيت كات” وأنواع مختلفة مغلَّفة بشكل جميل، فقد ابتعد عن “السلفانا”، وسخر منها لأنّها “تعلق بالأسنان”، ولأنّها قاسية “تكسر الأسنان” حين تقضمها، وخاصّة في الصيف عندما تُخرجها من الثلّاجة.
أصبحت “السلفانا” بمنزلة استعارة لصراع الأجيال، لتمَسُّك الجيل القديم “بالماضي”، مقابل انحياز الجيل الجديد للحداثة، وللتجربة، ولتذوّق كلّ ما هو جديد. لم تعد “السلفانا” تُقدّم وتوزّع في المناسبات السعيدة، لكن في تلك السنوات، استمرّت شوكولاتة “سلفانا” في زيارة الأسرى المحرَّرين، والمباركة بخروجهم من غياهب السجون الإسرائيليّة، لأنّ الاعتقالات ازدادت في سنوات الانتفاضة.
أمّا في أراضي 48، فأجدادنا كانوا أكثر ولاء من أهلنا الّذين انقادوا إلى رغباتنا؛ فهجروا “السلفانا”، كما يهجر حبيب حبيبته، لكنّ في داخله حنينًا إلى لحظات وأيّام جميلة، وكأنّ تلك اللحظات غُلِّفت بفقاعة أو بورق السوليفان الملوّن في الذاكرة الشاعريّة، احتفظوا بها سنواتٍ حتّى مضى الحبّ في غياهب النسيان، واحتلّ حبيب جديد القلب الّذي هجر سنين طوالًا.
وفاء حتّى اللحظة الأخيرة
استمرّ يوسف – في كامل قواه – بمحاولة جادّة ليستمرّ المصنع، على الرغم من صعوبة التسويق وصعوبة استيراد الكاكاو. لقد كان الأكثر إخلاصًا وإيمانًا منّا جميعًا بمعشوقته الجميلة “سلفانا”؛ فكافح على الرغم من تقدّمه في السنّ وتعبه ومرضه، لكن تلك الجميلة في داخله كانت تدفعه إلى أن يعشقها أكثر، أن يحارب من أجلها وعليها أكثر…
استطاع يوسف على الرغم من دخول أنواع شوكولاتة جديدة إلى الأسواق، وعلى الرغم من كلّ الظروف السياسيّة الّتي وقفت في طريقه، استطاع أن يستمرّ بالإنتاج لكن بكمّيّة أقلّ، لم يخن حبيبته الوحيدة “سلفانا” لحظة واحدة، حتّى وافته المنيّة في نهاية التسعينات…
لربّما الحنين ليس فقط إلى “السلفانا”، لكن إلى أيّام مضت كنّا فيها أبرياء وأكثر نقاءً، لم نعرف الكثير واكتفينا بالقليل. حبّة شوكولاتة كانت تُسعدنا؛ “السلفانا” حنين إلى الزمن الجميل
مات يوسف لكنّ “السلفانا” ظلّت تحاول النجاة بعده، حاول أبناؤه الاستمرار مدّة قصيرة، لكنّ الانتفاضة الثانية عام 2000 حالت دون ذلك؛ فأغلقوا المصنع وهاجروا إلى الخارج، ربّما لأنّهم لم يعشقوا “السلفانا” كما عشقها والدهم، لم تمشِ وتسرِ في عروقهم، فرفعوا أيديهم بسرعة… أو ربّما لأنّ الظروف كان أقسى من أن يستطيعوا الاستمرار.
مات يوسف، وأُغلق المصنع، وظللنا مشرّدين في مخيّمات اللاجئين في الأردنّ وسوريا ولبنان، تفرّقنا، تشرذمنا، لكنّ “السلفانا” لم تمت، بقيت حيّة فينا، نذكرها ونحنّ إليها على الرغم من توفّر أنواع حلويات ما حلمنا يومًا بتذوّقها.
لربّما الحنين ليس فقط إلى “السلفانا”، لكن إلى أيّام مضت كنّا فيها أبرياء وأكثر نقاءً، لم نعرف الكثير واكتفينا بالقليل. حبّة شوكولاتة كانت تُسعدنا؛ “السلفانا” حنين إلى الزمن الجميل، زمن الطفولة، حنين إلى وطن جمعنا، إلى بيوت احتُلّت أو هُدِّمت، إلى أبناء تشرّدوا أو استشهدوا، إلى أبناء وأزواج اعتُقلوا، إلى أشخاص فارقونا الحياة… هو ذلك الحنين إلى شيء يجمعنا كما جمعتنا “السلفانا”.
مَنْ لم يعرف “السلفانا” فاته الكثير.
**كاتبة ومخرجة وصحافية فلسطينية. كتبت سيناريو وأخرجت عددًا من الأفلام، من ضمنها “نساء حماس” و”فيلا توما”، وقد حصلت على عدّة جوائز عربيّة وعالميّة، أبرزها جائزة أفضل مخرجة امرأة في “مهرجان المرأة الدولي للسينما والتلفزيون – لوس أنجلوس” لعام 2014.

بقلم : سها عرّاف**  … 26.10.2019

 

* المصدر : عرب48

Print Friendly, PDF & Email